وقفة احتجاجية في تونس مطالبة بحقوق المثليين والحريات والحقوق الفردية
وقفة احتجاجية في تونس مطالبة بحقوق المثليين والحريات والحقوق الفردية

د. ابتهال الخطيب/

تناقش العديد من الأبحاث العلمية والفلسفية المعاصرة، منها أبحاث نسوية بحتة كذلك، فكرة التقسيم الجندري البسيط إلى ذكر وأنثى. في الماضي، كان المظهر والطبيعة محددين للجنس، إلا أنهما سريعا، ومع دخول العصر الحديث بتطوره العلمي، أثبتا فشلهما في تحديد الجنس البشري، حين تبين بحثيا تبادل الأجناس البشرية المختلفة للطبائع الاجتماعية.

من هنا كان التساؤل حول ما إذا كانت هذه الطبائع جينية أو مبرمجة اجتماعيا، وحين أثبت المظهر الفسيولوجي خداعه أحيانا وحياده أحيانا أخرى بما لا يمكن معه الاعتماد عليه لتحديد جنس بشري معين؛ أتى العلم ليقسم البشر طبقا لما يوصف بأنه كروموسومات ذكورية وأنثوية، إلا أن الدراسات الحديثة تدل على أن الكروموسومات ليست مقياس دقيق في الواقع للأنوثة والذكورة، وأن الأجساد البشرية من التنوع والغرابة بما يتيح لربما بمنح كل إنسان جنس خاص به.

بعض الأبحاث العلمية ترمي إلى فشل فكرة التقسيم والتأطير الجنسي أساسا

​​فكان أن ثارت الأسئلة: هل الذكر "الكروموسومي" الذي يفتقد بعض الأعضاء الذكورية يعتبر ذكر فعلا؟ هل الأنثى التي أزالت مبايضها ورحمها أو لم تولد بهم أصلا تبقى في خانة الأنوثة؟ اكتشف العلم التنوع البشري الجيني والتركيبي الهائل الذي طالما وضع العديد من البشر في أزمة هوياتية جندرية، إلا أن هذا العلم على خطواته الشاسعة لا يزال عسير الهضم على معظم البشر، دع عنك على فئتنا الشرق أوسطية منه المغمورة في المفاهيم المجتمعية القديمة والقراءات العقائدية الثابتة والتي لا مجال معهما للنظر إلى ما هو أبعد من التقسيمات البسيطة البديهية التي هي مصدر تأطير مريح للإنسان.

إن أول ما يلاحظه الإنسان في نظيره هو جنسه، أول الأحكام تطلق وأول الاعتبارات توضع وأول الحدود ترسم بناء على هذا التعريف الجنسي، لذلك، فإن اتساع التعريفات وتضبيب المفاهيم سيخلق عقدة عويصة جدا خصوصا في مجتمعات محافظة منغلقة، أغلب أفكارها ومجمل أخلاقياتها مبنية على حدود العلاقة بين الذكر والأنثى، وهي العلاقة التي تحددها الرغبة أكثر من أي شيء آخر في مثل هذه المجتمعات.

أن تتعامل مع الشخص الذي أمامك على سبيل المثال من منطلق فكره أو طرحه أو طبيعته النفسية دون أن تكون كل تلك في إطار جندري هي فكرة صعبة التنفيذ في العالم البشري عموما ولكنها عصية على مجرد التخيل في عالمنا العربي الشرق أوسطي تحديدا. كل الأعراف والعادات الاجتماعية، كل الفلسفات العقائدية والقواعد الأخلاقية عندنا مبنية في عمقها على أساس من هذا التناظر الجنسي أو هذا التضاد الثنائي بين الذكر والأنثى، فإذا ما رفع هذا التقسيم من المعادلة، يدخل الناس في حالة من الفوضى النفسية والفكرية، هذا طبعا بخلاف معضلة التصادم مع الخطاب الديني السائد والذي يجعل من مجرد محاولة فهم التعدد الجنسي البشري عملية عصية على التنفيذ.

يقول حسين محمد حسين في مقاله المعنون "الذكورة والأنوثة والأجناس الخمسة" والمنشور في جريدة الوسط البحرينية بتاريخ 17 تموز/يوليو 2011 "يصنف الفرد على أنه ذكر أو أنثى اعتمادا على الشكل الظاهري والوضع التشريحي الوظيفي الداخلي بالإضافة للخصائص والمميزات النفسية والتي تشمل الميول وهي التي تعرف في مجموعها بالطباع الذكورية أو الأنوثية. وهذا يعني أن هناك ثلاثة معايير أساسية يصنف الجنس حسبها وهي: الشكل الظاهري، والوضع التشريحي الوظيفي والطباع، وفي بعض الثقافات يضاف معيار آخر وهو الدور أو المهام التي يقوم بها الفرد وهي عادة ما ترتبط بالميول. وبحسب هذه المعايير لا يوجد عندنا فقط ذكر وأنثى بل يوجد خمسة أجناس مختلفة، على الأقل، من البشر فبالإضافة للذكر والأنثى هناك ثلاثة أجناس أخرى تعرف باسم الأجناس الوسطية أو البينية Intersexes".

فعليا، يذهب التقسيم الجنسي البشري في بعض المجتمعات إلى خمسة أجناس، أي أن هناك مجتمعات تعترف بأجناس بشرية خمسة، ولربما في بعضها لأكثر من ذلك. بعض هذه المجتمعات يكون تقسيمها للأجناس مختلف عن المتوقع، منها مثلا بعض المجتمعات الهندية الغائرة في الطقسية والتي تميز خانة جنسية محايدة، لا ذكر ولا أنثى.

بعض الأبحاث العلمية ترمي إلى فشل فكرة التقسيم والتأطير الجنسي أساسا وذلك لتميز كل جسد بشري عن نظرائه، مما يجعل من كل حالة بشرية، كما ذكرت أعلاه، جنس بشري منفرد.

ما يعقد الموضوع هو أن التقسيم الجنسي، كما يشير حسين محمد أعلاه، لا يعتمد فقط على الدراسة الفسيولوجية للجسد، ولكن تدخل التركيبة النفسية بقوة على الخط صانعة عامل أساسي في تحديد هذه الهوية، هذا بالإضافة، كما تقول بعض الدراسات، للهرمونات الخفية التي تطورت، على سبيل المثال، في فترة الحمل، وما ألصقته بطفل "ذكر" من نزعات أنثوية أو العكس.

يذهب التقسيم الجنسي البشري في بعض المجتمعات إلى خمسة أجناس

​​تتعدد هنا العوامل والزوايا التي يجب من خلالها النظر لهذه المعضلة التصنيفية وصولا إلى حد ـ كما يقول بعض العلماء ـ هدم فكرة التصنيف من أساسها ووجوب اللجوء إلى تصنيفات بشرية أخرى أكثر علمية وأقل عنصرية وتمييزا.

الفكرة صعبة جدا بالعموم، إلا أنها عسيرة بدرجة أعظم علينا نحن تحديدا في بلداننا العربية الإسلامية التي تبنى فيها قوانين أحوالها الشخصية وتقسم فيها الحقوق الاجتماعية بل وحتى القوى السياسية والاقتصادية طبقا للتصنيف الجندري، فالأسرة والحقوق والواجبات الموزعة على الناس وهرمية السلطة المجتمعية، وامتلاك حق الطلاق مثالا، وهرمية السلطة المالية، والتميز في حق الميراث مثالا، كلها ذات تصنيف ذكوري أنثوي بحت؛ فإذا ما أثبت العلم خطأ هذا التقسيم الثنائي البسيط، ماذا سيحدث لنا، وأي خلل سيصيب هوياتنا المعتلة أصلا؟ والسؤال الأهم، هل سيستطيع الخطاب المجتمعي من جهة والخطاب العقائدي من جهة أخرى مواكبة التطور العلمي الفاحش هذا وإيجاد منطقة سلام معه؟

اقرأ للكاتبة أيضا: سريع الذوبان

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

مواضيع ذات صلة

كيف يعمل "كلوروكوين"؟.. دواء الملاريا الذي أقرته أميركا لعلاج كورونا؟
كيف يعمل "كلوروكوين"؟.. دواء الملاريا الذي أقرته أميركا لعلاج كورونا؟

بعد أن أصبح تطوير لقاح ضد فيروس كورنا المستجد عملية تحتاج إلى مزيد من الوقت ربما أكثر من عام، بحسب ما صرح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أصبحت الحاجة إلى علاج فوري لإنقاذ حياة المصابين به أولوية ملحة.

ويوم الخميس أعلن ترامب عن موافقة إدارته على دواء للملاريا يسمى "هيدروكسي كلوروكوين" لاستخدامه لعلاج المصابين بكورونا وقال إن النتائج مبشرة.

وقال الرئيس الأميركي خلال مؤتمر صحافي عقده في البيت الأبيض: "سيكون بوسعنا توفير هذا الدواء بشكل فوري"، معتبرا أن ذلك قد "يبدل الوضع" بالنسبة لمكافحة فيروس كورونا المستجد.

  • فما هو هذا العلاج المستخدم أساسا لعلاج الملاريا وكيف يمكن أن يساهم في علاج المصابين بكورونا؟

المعلومات المتوافرة حول هذا العلاج تشير إلى أنه يتم تجربته حاليا في الولايات المتحدة والصين وأستراليا وفرنسا من أجل معرفة مدى فائدته لعلاج وباء كوفيد-19 الناتج عن الفيروس المستجد.

مؤسس شركة تسلا الملياردير الأميركي إيلون ماسك كان قد أشاد به قبل أيام ودعا إلى دراسته لأنه أنقذ حياته عام 2000 عندما كان مصابا بالملاريا.

وبالفعل هناك دراسات في الولايات المتحدة، من بينها دراسة يقوم بها فريق طبي من جامعة مينيسوتا في الغرب الأوسط الأميركي بمشاركة نحو 1500 مريض.

  • لكن ما العامل المشترك بين الملاريا التي يسببها طفيلي، ومرض كوفيد-19 الذي يسببه فيروس؟

التجارب المعملية أثبتت أن هذه العقار المستخدم منذ عام 1944 لعلاج الملاريا يمكن أن يستخدم لعلاج الفيروسات أيضا.

تشير الأبحاث العلمية إلى قدرة هذا العقار على منع وعلاج مرض متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس) التي تصيب الجهاز التنفسي وأعراضها شبيهة بمرض كوفيد-19، وكلاهما ينتمى لعائلة كورونا.

تشمل أعراض "سارس" في المراحل الأولية الحمى والقشعريرة والآلام والصداع، والإسهال في بعض الأحيان، ثم تتطور إلى حمى شديدة وضيق التنفس، وقد تؤدي إلى الوفاة تماما مثلما يحدث مع المرض الجديد.

ونظرا لأن دواء الملاريا ثبتت فعاليته مع "سارس" كان بالأحرى دراسة تأثيره أيضا على مرضى كوفيد-19 .

وتبين أن "هيدروكسي كلوروكوين" يستطيع تقليص الجزيئيات الفيروسية عندما يصاب الشخص بفيروس، إذ يقوم هذا العقار بتثبيط عمل البروتينات المسؤولة عن الالتهابات التي تحدث بسبب الفيروس.

وتفسير ذلك أنه عندما يصاب شخص بعدوى فيروسية تتعلق النتوءات البروتينية الخاصة بالفيروس بمستقبلات على السطح الخارجي للخلايا البشرية. 

ويقوم "كلوروكوين" بالتدخل في عمل هذه المستقبلات، أي يعطل قدرة الفيروس على التعلق بالخلايا.

ووجد باحثون في الصين أنه باستخدام هذا العقار مع مرضى كوفيد-19 الذين يعانون من التهاب رئوي تمكنوا من تخفيف إصابتهم واستطاعوا الخروج مبكرا من المستشفى.

ويسعى الباحثون أيضا لمعرفة ما إذا كان بالإمكان استخدام هذا العقار أيضا للوقاية، أي منع حدوث الفيروس.

وحتى الآن تشير النتائج الواعدة أن هذا العقار يجب أن يستخدم فقط للمرضى أصحاب الحالات المتطورة، أي الأعراض الشديدة للفيروس، وليس من يعانون فقط من أعراض عادية شبيهة بالأنفلونزا.

 

المصدر: موقع الحرة