Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

507446 4

محمد المحمود/

لا يمكن أن تتأسس الحضارة على فراغ ثقافي/ فكري. النهضة، التغيير الحضاري الحقيقي، التطور النامي، كل ذلك يبدأ "تغييرا في العقول" قبل أن يبدأ "تغييرا في الواقع". يستطيع الإنسان المُتخَلّف أن يمتلك أحدث وأرقى التقنيات العالمية التي لم يصنعها، ولكنه يبقى متخلفا؛ ما دام نظامه العقلي (بالمفهوم الأعم للعقل الذي يشمل الأنساق الفكرية، كما يشمل أنساق الاستجابات النفسية/ العاطفية) لا يزال في أطواره الهمجية الأولى.

وعندما يبدأ (نظام العقل/ الوعي الكلي) بالتغيّر نحو آفاق غير تقليدية، آفاق أكثر إنسانية، آفاق أوسع فَهْما وتَفهّما وتحقّقا في مسار تحرير الإنسان من أوهامه، ومن علائقه الاجتماعية القاهرة، ومن ضرورات الطبيعة؛ يبدأ في التحضّر الحقيقي، أي يبدأ وجوده الإنساني في التحقق، في اكتمال معالم وجوده في هذا العالم كإنسان.

يكاد يكون ثمة إجماع توافقي على أن مركز الإبداع الفكري/ الفلسفي والبحثي الرصين في العالم العربي، وتحديدا في العقود الأربعة الأخيرة، هو المغرب. بهذا اعترف متعصبو الشرق العربي، كـ"هيكل" (محمد حسنين هيكل) الذي نّبه المصريين مرارا إلى أن موقع مصر كمركز للإشعاع الثقافي/ الفكري العربي بدأ يتراجع لصالح الإبداع الفكري والبحثي في المغرب.

الاستقرار السياسي في المغرب من أهم عناصر القوة

​​المغرب كان إلى أوائل السبعينيات من القرن الميلادي المنصرم يكاد يكون على هوامش مسيرة الفكر العربي التي القاهرة، وبيروت، ودمشق وبغداد إلى حد ما، هي عواصمها الأساسية؛ قبل أن يصبح الإبداع المغربي الثقافي في الصدارة، وتتراجع كل هذه العواصم ـ بنِسَبٍ مُتفاوتة ـ لصالح مبدعين/ باحثين مغاربة كبار، كالعروي، والجابري، وعبدالإله بلقزيز، وعبدالسلام بنعبدالعالي، وعلي أومليل، ومحمد مفتاح، وطه عبدالرحمن، ومحمد سبيلا...إلخ قائمة الإبداع التي تكشف عن خصوبة إبداعية لا تزال تعد بالكثير من الإبداع المتواصل.

هذا التوهج المعرفي عند المفكرين/ الباحثين المغاربة لم يكن ليحدث لو لم يكن التواصل مع أوروبا بتلك السهولة التي تقف الجغرافيا كواحدة من أهم عناصرها. طبعا، ثمة عوامل أخرى أسهمت ـ مع العامل الجغرافي ـ في فتح آفاق التواصل؛ كالتاريخ السياسي، والظرف الاقتصادي مثلا، ولكن تبقى الجغرافيا حاضرة بقوة، مع الـتأكيد ـ في الوقت نفسه ـ على أن الجغرافيا لا تكفي وحدها؛ وإلا لسبقت الجزائر المغرب في هذا المجال؛ بحكم أن فترة التواصل مع أوروبا كانت أطول وأعمق (الاستعمار الفرنسي)، وبحكم ما تملكه الجزائر من الثروات الطبيعية من نفط وغاز، تلك الثروات التي كان من المفترض أن تمنح الجزائر (القريبة جغرافيا من أوروبا كما المغرب) قدرا أعلى من الانفتاح والإبداع الثقافي/ الفكري. ولكن كل مقارنة/ مقاربة حضارية للمسارين اليوم، لا بد وأن تكون لصالح المغرب الذي يصنع تجربته الرائدة في هذا المجال.

إذن، الركيزة الثقافية الضرورية لأية انطلاقة حضارية نجدها اليوم تتوفر في المغرب؛ كما لم تتوفر في أي بلد عربي آخر (كانت مصر في النصف الأول من القرن العشرين، في العهد الليبرالي المصري، سائرة لتتوفر على هذه الركيزة؛ ولكن...!). وهي ركيزة ثقافية خلاّقة، مبدعة، ومتطورة، وآخذة في التوسع على مستوى اجتماعي أفقي أوسع، والأهم أنها قادرة على الاستجابة لأهم التطورات الثقافية بعد تكييفها لتلائم الشرط الثقافي والحضاري للمغرب، الذي هو ـ في عمومه ـ شرط ثقافي وحضاري عربي وإسلامي، ما يعني أن ما يبدعه المغاربة في هذا المجال؛ هو إبداع لكل عربي/ مسلم معني بقلق السؤال الحضاري.

إن الموقع الجغرافي للمغرب، كما أسهم ـ إلى حد كبير ـ في تحقيق الشرط الثقافي، سيسهم في مجالات أخرى أكثر مباشرية في رسم معالم التحوّل. موقع المغرب يمكنه من أن يكون حلقة الوصل بين قارتين كبيرتين (أوروبا ـ أفريقيا)، والأهم أنهما قارّتان متمايزتان، بمعنى أن إحداهما (أفريقيا) تحتاج إلى الأخرى (أوروبا) أشد ما يكون الاحتياج؛ من غير أن يعني ذلك أن الإمكانيات الواعدة في أفريقيا، حيث المجتمعات النامية، والأراضي البكر، والثروات الطبيعية، لا تمثل حاجة أوروبية في هذا المجال أو ذاك.

عاملة في أحد معامل تجميع السيارات في المغرب

​​يستطيع المغرب أن يكون "أوروبا أفريقيا" من غير أن يقع في شبكة المشاكل المستعصية لمعظم الدول الأفريقية. يستطيع المغرب تسهيل المستعصي ـ تجاريا وتواصليا، بل وثقافيا وسياسيا ـ لكثير من دول القارة التي ينتمي إليها بحكم الجغرافيا. وطبعا، يستطيع المغرب تسهيل الأمور في الاتجاه المعاكس؛ لتقريب كل ما هو أفريقي، من بشر وثمر، من طبيعة طباعة وطبيعة مصطنعة، ليكون ـ من حيث هو حلقة الوصل/ التواصل ـ المستفيد من كلا طرفي المسار.

وحيث يملك المغرب إمكانية أن يكون حلقة الوصل بين أوروبا وأفريقيا، فإنه يملك ـ وإن يكن بدرجة أقل ـ إمكانية أن يكون حلقة الوصل بين العالم العربي والأوروبي من جهة، وبين العالم العربي ودول القارة الأفريقية ـ التي لا تزال خصبة واعدة ـ من جهة أخرى. بل وإمكانية أن يكون واصلا بين كثير من دول الشرق من جهة، ودول القارتين الأميركيتين من جهة أخرى، وهو إمكان لم يستثمر بعد، خاصة وأن المغرب على خط التواصل؛ كما هو حال معظم دول أوروبا تماما. وإذا كان المغرب لم يستطع أو لن يستطيع امتلاك نصيب الأسد في هذا (لوجود دول تستطيع المنافسة هنا)، فعلى الأقل يستطيع الإسهام فيه بما يجعل منه رقما صعبا يحكم كثيرا من المعادلات الاقتصادية والسياسية التي من شأنها أن تدعم مشروعه الحضاري الواعد.

أيضا، إذا كان المغرب معروفا كبلد سياحي من الدرجة الأولى، حيث يقصده الملايين من شتى أنحاء المعمورة، فإنه ـ في تصوري ـ لم يستغل إمكانياته السياحية إلى الحد الأقصى؛ ولا حتى إلى ما هو قريب من لك. فالتنوع الجغرافي، المناخي والتضاريسي، يجعل من المغرب وجهة سياحية دائمة، على امتداد فصول السنة جميعا. فكما يوفر الجنوب المغربي فضاءات سياحية لعشاق الصحراء في الشتاء؛ يوفر الشمال فضاءات سياحية لعشاق المناخ الأوروبي في الصيف والربيع والخريف. كل هذا، فضلا عن شواطئه المتنوعة الممتدة على مسافة تتجاوز 3500 كيلومتر، من أقصى حدوده مع الجزائر شرقا، إلى أقصى حدود الصحراء المغربية في الجنوب الغربي.

من وراء كل ذلك، يبقى الاستقرار السياسي في المغرب من أهم عناصر القوة، حيث التنمية/ الاستثمار لا ينشط إلا في بيئة آمنة من القلاقل التي قد تعصف بالمشاريع الاستثمارية من أساسها. اليوم يوجد كثيرون من الشرق ومن الغرب يستثمرون في المغرب، أو يحلمون بالاستثمار فيه، ليس فقط لأنه واعد اقتصاديا، وإنما أيضا ـ وهو المهم ـ لأنه مستقر سياسيا، والأهم، أنه على طريق يشي بمزيد من الاستقرار. وبالنظر إلى جارته: الجزائر، المتوفرة على ما هو أكثر من عناصر الثراء الطبيعي، تعرف أهمية الاستقرار في جذب والاستثمار وتنميته، فلا مستثمر يجرؤ اليوم على أن يضع مستقبله الاقتصادي في الجزائر، لا لشيء؛ إلا لأن التوترات السياسية تعصف بالجزائر منذ زمن الاستقلال.

كل هذا لا يعني أن المغرب قد وصل إلى مرحلة تجاوز كثير من المشاكل/ الصعوبات، بل لا تزال هناك مشاكل كثيرة عالقة، فمثلا، لا تزال مشكلة الفقر مستفحلة، لا تزال كثير من مقومات البنية التحتية عاجزة عن الوفاء بمتطلبات المرحلة الحالية، فضلا عن المستقبلية، لا تزال بعض الأنظمة شبه الاشتراكية/ الانغلاقية حاضرة في بعض المسارات؛ رغم المسار الرأسمالي المهمين.

المغرب سيحمل ـ فيما أرى ـ هَمَّ أن تشرق حضارة العرب غربا

​​غير المغربي قد يرى الأمور من زوايا أخرى. قد يرى فجوات تنموية يمكن استثمارها. أحيانا، أشعر أن ثمة إمكانيات حاضرة، لم تستثمر بعد، بينما هي لا تحتاج لأكثر من قرار، أو مشاريع تمهيدية يمكن أن يُنتهى منها في بضعة أشهر؛ فتعود على المغرب بما يدعمه اقتصاديا وتنمويا. مثلا، المطارات الجهوية، وخاصة في الشمال، لا توفر رحلات مباشرة إلى أية عاصمة عربية شرقية، خاصة وأن أقرب مطار يوفر مثل هذه الرحلات هو مطار محمد الخامس الذي يبعد حوالي 400 كيلومتر. هذا يقطع الطريق على تواصل الملايين سياحيا إلى هذه المناطق التي يمكن أن يخدمها الطيران الاقتصادي (طائرات متوسطة الحجم، تتفاعل مع أكثر من نقطة تواصل)؛ فينقلها من حال إلى حال.

طبعا، المقترحات كثيرة، ولا شك أن المشاكل المصاحبة لكل حراك تطوري كثيرة أيضا، وهي قد تشغل بال المُطوّر الذي يتعامل مع معطيات الواقع بشكل مباشر؛ فضلا عن الأولويات التي تشغل بال المواطن بشكل أساسي (ولا بد من إرضائه، فهو المواطن الناخب)؛ لكونها تمس حياته على نحو مباشر وآني. لكن رغم كل ذلك، ثمة جدّية واضحة لحلها، ثمة مشاريع حقيقية لمحاصرة الفقر، ومشاريع أخرى لإنشاء بنية تحتية ينهض عليها المغرب الجديد، المغرب الذي سيحمل ـ فيما أرى ـ هَمَّ أن تشرق حضارة العرب غربا.

اقرأ للكاتب أيضا: اكتشاف المغرب

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

المغرب أو الحضارة تشرق غربا AB41CCA9-7F30-4BA1-9124-B6789883F297.jpg Reuters المغرب-أو-الحضارة-تشرق-غربا 533303 يضيء شمعة تحضيرا لعرض أزياء في مراكش 2019-08-05 15:07:38 1 2019-08-05 15:07:38 0

مواضيع ذات صلة

538591 4

محمد المحمود/

يواجه العالم اليوم وباءً خطيرا؛ أخطر ما فيه: سرعة وسهولة انتشاره، مخترقا كل الحدود السياسية والجغرافية، ومختبرا كل الثقافات الدينية والقومية في مصداقيتها، وفي جدواها أيضا، ومتحديا إمكانيات الدول، وفاصلا ـ في النتائج ـ بين حقائق الإنجاز التنموي وأوهامه، ومظهرا الفروق الهائلة بين الادعاءات الجوفاء وحقائق الواقع، ومعيدا ترتيب الأولويات على نحو غير مسبوق.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال؛ حتى وإن كان الاعتبار على المدى البعيد لا يتوفر عليه إلا قليل أو أقل من القليل؛ لأن ذاكرة المشاعر ـ وهي ذاكرة الجماهير/ الأغلبية الساحقة ـ قصيرة المدى، والتجارب/ الدروس الواقعية التي لا تُحوّلها الثقافة إلى أنماط عقلية مدعومة بتشكيلات مؤسساتية عامة، لا بد وأن يطويها النسيان، وتضطر الأمم لإعادة تجاربها/ آلامها من جديد.

كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته، وبالتالي؛ هو أقدر على التفسير المستغرق لكل التشكلات الثقافية المتمظهرة من خلال المسلك الإنساني الواقعي/ الوقائعي.

الوعي بالعولمة تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء

كوارث الطبيعة، مهما عظمت، تبقى محصورة في نطاقها الجغرافي الخاص. الزلازل، والبراكين، وموجات التسونامي العاتية، والأعاصير المدمرة، والفيضانات الكبرى، لها مدى جغرافي لا تتعداه، وآثارها غير المباشرة تتضاءل حدتها باستمرار، وفق شروط التنائي الزماني والمكاني.

كذلك الكوارث البشرية/ الحروب وتوابعها؛ مهما عظمت، ومهما كان وقعها على ضحاياها المبشرين أقسى من وباء كرونا بآلاف المرات؛ إلا أنها تبقى محدودة جغرافيا، وبالتالي، فقدرتها التفسيرية التي نستطيع بها اختبار الثقافات تبقى ـ بالتبع ـ محدودة. فمثلا، إذا كانت الحرب العالمية الثانية أبادت الملايين من سكان أوروبا، فإن هناك شعوبا لم تعرف من ويلاتها وعذاباتها شيئا، وهناك شعوبا أخرى لم تمسها هذه الحرب الكونية إلا بأضرار جانبية/ غير مباشرة، كغلاء الأسعار وندرة بعض السلع وانقطاع بعض طرق المواصلات.

إذا كانت المنظمات الدولية التي نشأت في أعقاب الحرب العالمية؛ بقوة دفع مفاعيلها، والشركات العابرة للقارات، ثم الأنظمة الإعلامية والتواصلية التي جعلت العالم كله على مرمى ضغط زر في جهاز الحاسوب أو الهاتف...إلخ قنوات/ آليات العولمة، تعكس حقائق العولمة وتكشف عن تمظهراتها الواقعية، فإن هذا الوباء الفيروسي/ كورونا المستجد جعل العالم ليس قرية واحدة فحسب، بل ولا بيتا واحدا (يكون بإمكان بعض أفراده الاستقلال ببعض غرفه بحواجز/ بجدران، تمنع الرؤية/ تحفظ الأسرار/ تمنع الضرر)، وإنما جعله غرفة واحدة صغيرة ينكشف فيها الجميع على الجميع اضطرارا، ويتبادلون فيها الأسرار كما يتبادلون المصائب والآلام، ويقتسمون رغيف المستقبل ـ في لحظة الخطر الداهم ـ على حد سواء.

بناء على هذا ـ وبمنطق العولمة الأعمق والأقسى ـ لا تصبح كل دولة/ كل حكومة حُرّة تماما بما تفعله في حدود نطاقها الجغرافي/ فضائها السيادي، ولا يصبح من حق كل شعب أن يقرر خياراته الذاتية ـ بالمطلق ـ بعيدا عن العالم؛ لأن الآثار المباشرة وغير المباشرة لكل الخيارات (الحكومية والشعبية) على الآخرين، كل الآخرين أو معظمهم أو بعضهم، هي آثار متحققة على وجه اليقين.

لقد كان الباحثون في كثير من التخصصات الثقافية والعلمية، وبعض السياسيين الواعين، ومعظم المهتمين بالمسلك السياسي يدركون جيّدا أن ما يقع في قرية/ في مدينة نائية في الصين، أو في منافي سيبريا، يمكن أن يؤثر على الإنسان في قرية ما في جبال الألب، أو في صحراء الجزائر، أو في سهول تهامة الحجاز، أو في غابات نيجريا، أو في سواحل تشيلي، أو مستنقعات فيتنام. يدركون هذا على نحو عام، توقّعي، نسبي، غير مباشر، ولكنه كان حاضرا في الأذهان على الدوام.

هذا الوباء يلقي دروسه في أكثر من مجال، ويمنح حكمته للأجيال

نعم، هذا ما كان يدركه الباحثون والمهتمون منذ أمد بعيد، ولا يزال إدراكهم له يتصاعد بتصاعد قنوات التواصل/ التأثير، ويتعولم باتساع فضاءات العولمة. لكن، بقي وعي عموم الناس/ الجماهير العريضة، بمن فيهم بسطاء أصحاب القرار في كثير من دول العالم، قاصرا عن تصور مستوى تفاعلات العولمة ومتتالياتها، أي قاصرا عن التثاقف مع أطروحات أولئك الباحثين والمهتمين.

هنا، نضع أيدينا على المُتغيِّر الأهم في مدلولات التفاعل العالمي، الرسمي والشعبوي، مع هذا الوباء الجديد، حيث العولمة باتت تقرع كل باب، بل تضع أصابعها ـ بقوة شراسة هذا الوباء ـ في عين كل إنسان، كل إنسان بلا استثناء، فمن لم يره واقعا متجسدا، رآه خيالا كواقع، خيالا يتسلل إليه ـ بشكل متكرر، متواصل، متفاعل كحدث يصنع وقائعه ـ من خلال قنوات التواصل والإعلام. ما يعني أن الوعي بالعولمة ـ الوعي على نحو عملي ـ تعمّق وتوسّع بقوة دفع الرعب من هذا الوباء.

لقد تعمّق الوعي بالعولمة من حيث كون الأمر لم يعد تشابك مصالح على نحو يغدو معه التأثير نسبيا، ومن ثم، يقع في دائرة الخيارات ومُقَايَسة مستوى التضحيات، بل غدا التأثير حاسما/ مصيريا، إذ أدرك الجميع ـ وخاصة بعد تعولم الوباء ـ أن ما يحدث في مدينة صينية لم يسمعوا بها من قبل، لا يؤثر على تيسير أو تعسير نمط من أنماط حياتهم فحسب (كما كان الأمر من قبل في بعض المخترعات التقنية)، بل بات يؤثر في وجودهم ذاته، في حياتهم/ موتهم. 

وطبعا، الوعي بهذا التهديد لا يُشْترط فيه "المباشرية الوقائعية"، أي أن يروا قوافل توابيت الموتى أمام أعينهم في واقعهم، بل يكفي أن ينظروا إليها من خلال الشاشة إعلاميا/ تواصليا، ويروه في الواقع ملموسا من خلال متواليات وقائع الرعب المتمثلة في الشلل الاستثنائي لكثير من أنماط الحياة الطبيعية/ المعتادة. فالأجواء الاستثنائية التي لم تحصل حتى في أزمنة الحروب الكبرى، باتت تعمّق الإحساس بالخطر؛ من حيث هي تعمّق الإحساس بوحدة المصير الإنساني، والعكس صحيح؛ إذ لا أحد، لا أحد بالمطلق، بمنجاة من هذا الخطر الذي يتهدد الوجود ذاته، وليس فقط طبيعة الوجود، وجود كل أحد، وليس وجود بعض دون بعض، فلا أحد يمتلك حصانة، وأصاب بالفعل مشاهير من كافة الميادين، بل وطرق أبواب كثير من قادة العالم الكبار.

من جهة أخرى، بات الوعي بالعولمة يتوسّع نطاقه ليشمل حتى أولئك الذين ظنوا في يوم من الأيام أنهم قادرون على الانزواء عنها، وبالتالي، التحرر من كل آثارها، أو من معظمها على الأقل. اليوم، يجعلهم هذا الوباء في قلب تفاعلات العولمة قسرا. إنهم إن استطاعوا في يوم من الأيام الهروب من أضرارها الحقيقية أو المتوهمة، فهم اليوم ـ وعلى الرغم منهم ـ أصبحوا وجها لوجه مع مخالبها وأنيابها الحادة التي تهددهم بالافتراس. وتكون المفارقة أن لا نجاة لهم من مخالب هذه العولمة إلا بالدخول معها في تفاعل أكبر وأشمل.

لقد توسع نطاق العولمة حتى رأينا أولئك الذين لم يسمعوا بالعولمة في يوم من الأيام، أو سمعوا بها كمصطلح عابر، أقصد: مئات الملايين من البشر الذين هم الغالبية العظمى من سكان هذا الكوكب الحي، وقد أصبحوا يعون ـ عمليا، وبدرجة عميقة بعمق خطر المرض/ خطر الموت ـ أنهم مُتَعَولِمون؛ حتى وإن جهلوا كل كلام المثقفين وكبار الساسة والاقتصاديين عن العولمة طبيعة وآثارا وتطلعات. ما يعني أن كل إنسان وعي العولمة من خلال وعيه بأن مصيره قد يكون مرتبطا بمصير أي إنسان في أي مكان.

ولأن هذا الوباء الخطير أصبح وباء عالميا/ متعولما، فقد أصبحت ردّات الفعل عليه متنوعة بحجم تنوع واختلاف الثقافات في هذا العالم؛ حتى وإن كان الرد الرسمي: الصحي/ الحكومي ـ المؤسساتي في العالم كله، متشابها إلى حد كبير في طبيعة الإجراءات الوقائية أو العلاجية. ففي القرارات التي تدفع بها الثقافات التي تنظر لصحة الإنسان بوصفها مسؤولية فردية، أو بوصفها ليست أولوية بالمطلق؛ شاهدنا التراخي الذي قاد إلى مصائر كارثية، تكاد ـ بقوة العولمة ـ أن تقود العالم كله إلى مصير مجهول.

أما في الثقافات المتخمة بالخرافة، فقد رأينا كيف أن الأغبياء من سدنة هياكل المقدس يُجاهِرون بل ويُفاخِرون بكسر يقينيات الطب، ويستخفون بالتعليمات الصحية الوقائية؛ فيرفضون فضّ الاجتماعات التي تتقارب فيها الأجساد بل تتلاصق، وأكثر من ذلك، رأيناهم يبيعون الوهم لأتباعهم السذج، فيزعمون أن أماكن القداسة تمتلك قدرات خارقة على تطهير الفضاء المقدس من الوباء، أو أن المصلين يمنحهم الله قدرة وقائية استثنائية لأنهم في صلاة/ اتصال روحاني مع الله!.

لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية

تحت وقع الإحساس العميق بالمسؤولية، تصدر كثير من الحكومات قرارات حازمة بمنع التجمّع، بل تُعطّل المدارس، وتلغي الفعاليات، وتغلق المتاجر الكبرى، وتُعلّق معظم الاجتماعات؛ إن لم يكن كلها، وتمنح الموظفين إجازات إجبارية مدفوعة الأجر؛ كل هذا لتساعد الشعوب على تنفيذ التوجيهات للبقاء في البيوت. 

لكن، تجد الثقافة المجتمعية/ الشعبوية بالمرصاد لكل تلك القرارات الإيجابية، إذ لا تكتفي بتفريغ تلك القرارات من مضامينها، بل إنها تقلبها إلى عكس المتوقع منها، حيث تُبادِر هذه الجماهير إلى استغلال هذا التعطيل المؤقت (التعطيل للنشاطات الرسمية العامة) فتعقد الاجتماعات العائلية الكبرى، وتخرج للأسواق والمتنزهات؛ دونما أدنى استشعار للخطر، على الرغم من علمها بالخطر، وعلى الرغم من تكرار التحذير على أوسع نطاق.

طبعا، هنا المعضلة الثقافية، فأنت لا تستطيع بين ليلة وضحاها أن تجعل من الشعوب اللاّواعية شعوبا واعية. المسألة لها أبعادها الثقافية/ التربوية التي تأخذ ـ بالضرورة ـ تخطيطا شموليا/ متضافرا، متتابعا في مدى زمني طويل.

لا يمكن أن تقنع المتدين الساذج بعدم الذهاب للمسجد، والاكتفاء بالصلاة في البيت؛ لأن الوقوف في صف واحد، وبأجساد متلاصقة؛ للصلاة، هو أخطر ـ في هذا الظرف الصحي العام ـ من معظم صور الاجتماع التي تُحذّر وزارات الصحة منها. لا تستطيع أن تقنعه بهذا؛ لأن وعيه تشبّع بمفاهيم تجحد منطق العلوم، أو هي تَزْورّ عنه، أو هي تستخف به في أحسن الأحوال.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الوباء والعولمة والثقافة DF9FFA06-1C3A-440E-8158-D4238A39ADF5.jpg AFP الوباء-والعولمة-والثقافة 540888 كارثة كورونا، أو وباء كورونا هو أقسى من كل الكوارث الطبيعية والبشرية، وتحديدا: من حيث عموميّته 2020-03-17 11:31:17 1 2020-03-17 11:32:17 0