Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

521966 4

مالك العثامنة/

يقال إن النكتة (أي نكتة في العموم)، هي انعكاس لواقع مبكي، وكلما زادت كمية الضحك في النكتة كانت المفارقة فيها واسعة أمام الواقع، والنكتة السياسية خصوصا كانت دوما تعبيرا "ذكيا" عن الرفض والاحتجاج ونوع من أنواع الوعي المقنع.

لكن، هل يحتاج الوعي إلى أقنعة ليعبر عن ذاته؟ وما نفع السخرية في واقع أصبح أكثر تهريجا من النكتة نفسها في العالم العربي، وأدوات أنظمة هذا العالم في الإعلام بكل أشكاله ليست إلا سكتشات كوميدية مفرطة الفانتازيا حتى أن نشرة الأخبار أحيانا في بعض المحطات العربية يمكن تصنيفها ضمن صناعة الترفيه بلا أدنى تردد؟!

في زمن ما قبل الفضائيات، وثورة تكنولوجيا المعلومات وصناعة اليوتيوب التي تحولت إلى ظاهرة خرافية، كانت الكتابة الساخرة في الصحافة والأدب والمسرح والسينما والتلفزيون نافذة للتنفيس غالبا والاحتجاج الضمني أحيانا.

صارت غالبية البرامج في منافسة محمومة فيما بينها على تقديم "مسخرة" التنمر أكثر من السخرية الذكية

لم تكن أدوات الكتابة مدعومة بتقنيات الغرافيك والصورة والمؤثرات البصرية، ولا بأرشيف صوتي أو بصري سهل التناول، كانت الكتابة الساخرة حفرا شاقا في صخر الواقع للخروج بمفارقات مضحكة ومبكية بنفس الوقت، كانت مضحكة لأن الواقع كان مبالغا في قسوة جديته.

كان محمد الماغوط، مثلا، أديبا ساخرا؛ سخرية غير مضحكة لكنها قادرة على اجتراح التهكمية من الأنظمة والطغيان. كان زكريا تامر في قصة النمر في يومه العاشر يكثف الرمزية بالصورة المتخيلة لهذا النمر البائس. كان محمد طملية في الأردن وبعبثية واقعية حد الوجع، قادرا أن يرسم الابتسامة بين سطوره مع هزة رأس متأسفة على الواقع، إن ضحكت على النكتة أو "الإفيه" الساخر حينها فأنت مدرك لبؤس المعنى فيها.

التلفزيون، كان أداة نقل للمسرح والسينما، وظهرت فكرة الكباريه السياسي التي كان من ضمن نجومها دريد لحام، وقد اعتاش واقتات على إبداعات نهاد قلعي في النقد الاجتماعي ثم أدار له ظهره ليقتات بعدها على عبقرية الماغوط، فشرب "غوار الطوشي" وحده نخب كأس الوطن وغنائم السلطة.

اليوم، صار الأدب الساخر التقليدي بكل عباقرته في ذلك الزمن، مجرد كتب في متحف، لا أحد يضحك لمفارقاتها، ولا أحد يجد النكتة الذكية فيها مرسومة على واقعه الحالي. فالواقع أصبح نفسه نكتة ساخرة جدا، ومتسعة في مفارقاتها اللامتناهية، حتى أن التقاط المفارقة الساخرة صار يمكن تصيده في مشهد مفرط الجدية.. مثل: القمع في السجون المصرية.

♦♦♦

أنا (ابن الجيل الذي نشأ على أدب عزيز نيسين الساخر)، صرت مطحونا بأدوات اليوم، وعليه فإني أتابع بشغف كبير برامج السخرية الذكية، والتي يشتغل على صناعتها فرق من المبدعين، لا كتابا وحسب، بل أصحاب رؤية بصرية محسوبة بالثانية.

من ذلك برنامج "جو شو" على قناة العربي، وهو برنامج يقدمه شاب له حضور قوي اسمه يوسف حسين، يسخر أسبوعيا من الأنظمة العربية ومن النظام المصري تحديدا! (السخرية الحقيقية أن أول من لفت انتباهي للبرنامج قبل سنوات كان صحفيا يروج اليوم وبقوة لنظام السيسي، لكنه معجب "سري" ببرنامج جو شو).

لا يحتاج يوسف حسين إلى اجتراح الجملة الأدبية الساخرة، ولا الحفر في الواقع لاستخراج المفارقة منه، أدواته التقنية والبصرية الحديثة جعلت العمل أسهل بكثير، وبمقاربات ملتقطة في الإعلام العربي (والمصري المسخرة خصوصا)، يجد الشاب نكتته فيلقيها.. لأتلقفها أنا وأضحك، ويستمر العالم بالدوران.

كانت النكتة السياسية الساخرة في زمن مضى، حين نقرأها نشعر بدوخة، تجعلنا نحن ندور لساعات بينما ينتابنا إحساس أن الكوكب توقف.

صار الأدب الساخر التقليدي بكل عباقرته في ذلك الزمن، مجرد كتب في متحف

وهذا لا يتوقف عند برنامج الشاب المبدع (ضمن معايير زماننا)، بل هو ينسحب على كل برامج السخرية التي أتخمت بها شاشات الفضائيات وسيرفرات اليوتيوب.

ليس بدءا من برنامج "البرنامج" لباسم يوسف ولا انتهاء بـ "أنديل" الذي يقدم سخريته العبقرية في برنامجه "اليوتيوبي" "أخ كبير" فإن هؤلاء لا يمكن تصنيفهم بمبتكري السخرية، بل هم فعليا سباحون ماهرون بأدوات رقمية حديثة في بحر من السخرية الواقعية وقادرون بتميز على أن يضيئوا عتمة "المسخرة" بكشافات متوهجة تثير الضحك على كل ذلك البؤس الساخر بذاته.

المشكلة باتت في حجم المنافسة في التهكم، لا في خلق الأدب الساخر الحقيقي، وصارت غالبية البرامج في منافسة محمومة فيما بينها على تقديم "مسخرة" التنمر أكثر من السخرية الذكية من واقع عام، وهذا مرده إلى أن المحطات التي تنتج تلك البرامج تقيدها بأجنداتها المفروضة والمعتمدة سلفا.

♦♦♦

يقال إنه في الزمن الذي مضى، قبل زمان "التوك شو" الرقمي، كانت في أجهزة الاستخبارات العربية أقسام متخصصة في جمع النكتة من الشارع وتحليلها..

كانت النكتة التي تتناول أجهزة القمع المخابراتية أو الحاكم نفسه تلقى رواجا كبيرا..

أشفق على تلك الأجهزة اليوم.. فهي بحد ذاتها (مع الزعيم الأوحد نفسه) وجود ساخر بكامل مواصفات الكوميديا.

اقرأ للكاتب أيضا: حكومة جلالة الملك؟!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

النكتة.. في الزمن الرقمي 5E6EC66F-FF32-4968-8D3D-AFE84EB93E12.jpg AFP النكتة-في-الزمن-الرقمي 537096 الكوميدي المصري باسم يوسف 2019-11-19 16:21:21 1 2019-11-19 16:22:22 0

مواضيع ذات صلة

داخل محكمة مغربية - أرشيف
داخل محكمة مغربية

قضت المحكمة الابتدائية بمراكش في المغرب، مساء أمس الثلاثاء، بسنتين سجنا نافذا في حق المتابعين الثلاثة في قضية حساب "حمزة مون بيبي"، ضمنهم "يوتوبر" ملقبة بـ"كلامور"، وعشرة آلاف درهم (نحو ألف دولار أميركي) غرامة لكل واحد منهم.

ونقلت وكالة الأنباء المغربية عن مصدر قضائي أن "المتهمين الثلاثة، الذين يوجد ضمنهم مالك لوكالة لكراء السيارات وصحفي، توبعوا في حالة اعتقال".

من جهة أخرى، قضت نفس الهيئة بتعويض لفائدة المطالبين بالحق المدني قدره 100 ألف درهم، و50 ألف درهم لصالح أحد المشتكين.

وتابعت المحكمة المتهمين بتهم "المشاركة في الدخول إلى نظام المعالجة الآلية للمعطيات عن طريق الاحتيال، والمشاركة عمدا في عرقلة سير هذا النظام وإحداث اضطراب فيه وتغيير طريقة معالجته، وتوزيع عن طريق الأنظمة المعلوماتية أقوال أشخاص وصورهم دون موافقتهم، وبث وقائع كاذبة قصد المساس بالحياة الخاصة للأشخاص قصد التشهير بهم والمشاركة والابتزاز"، كل حسب المنسوب إليه.

"وحمزة مون بيبي" هو اسم حساب يُتهم بالتشهير وابتزاز المشاهير على مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال اختراق أجهزة الضحايا ونشر أسرار وصور خاصة بهم. 

ومن بين الأسماء المتابعة في هذه القضية المغنية دنيا باطما وشقيقتها اللتان مثُلتا بداية الأسبوع الجاري أمام قاضي التحقيق بابتدائية مراكش، حيث تم الاستماع إليهما لحوالي سبع ساعات، كما تمت مواجهتهما مع إحدى المتابعات وإحدى المشتكيات، قبل أن يتقرر مواصلة التحقيق التفصيلي معهما، وفق وسائل إعلام محلية. 

وقد سبق لقاضي التحقيق أن قرر متابعة المعنيتين في حالة سراح مع أدائهما كفالة مالية، حيث وُجهت إليهما تهمتا "المشاركة في الولوج إلى المعالجة الآلية للمعطيات عن طريق الاحتيال، وبث أقوال وصور تمس بسمعة الغير دون الموافقة المبدئية للمعنيين بالأمر".

وبداية الشهر الماضي، نقلت مصادر إعلامية محلية أنباء عن منع باطما من مغادرة المغرب عبر مطار محمد الخامس في الدار البيضاء، بعدما كانت تنوي، وفق المصادر نفسها، التوجه رفقة زوجها ومدير أعمالها، محمد الترك، إلى البحرين. 


المصدر: أصوات مغاربية ووكالة الأنباء المغربية