Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

523900 4

مالك العثامنة/

"دور الإعلام في حل النزاعات وبناء السلام".

كان هذا عنوان المؤتمر الذي كنت من ضمن المشاركين فيه مع نخبة من الخبراء والمهنيين والإعلاميين في تونس مطلع هذا الأسبوع. كانت فعالية مكثفة ليوم واحد فقط، لكنها متخمة بالمدهشات التي تثبت لي أن المعرفة محيط كبير لا نهائي وأننا دوما بحاجة إلى المعرفة الجديدة.

قد يبدو العنوان عاديا جدا وتقليديا بامتياز، لكن فعليا، وخلف العنوان الفضفاض والذي يوحي بترف الفكرة أكتشف ـ ربما من كانوا معي من ذوات وخبرات اكتشفوا معي أيضا ـ أن هناك فعلا دور إعلامي خطير وحيوي ومهم في حل النزاعات بل وربما تأجيجها أحيانا، وذلك حسب نوع الخطاب المستخدم.

والخطاب لا يقتصر على الكلمات، فالصورة أو المضمون المخفي بين السطور أحيانا قد يكون رصاصة أو ما يتجاوز مفعول قذيفة، وقد يكون الخطاب كذلك زناد المسدس الذي يفجر كبسولة البارود في الطلقة.

المهارة تكمن في توظيف أدوات الثورة التكنولوجية في خدمة المهنية، لا العكس

ألان طومسون، صحفي كندي مخضرم، أيقظني كصحفي عربي من وهم "مركزية الكون" التي أتخيلها لقضايا العالم العربي، حين ذكرنا أننا نعيش على كوكب واحد معا، ومن خلال عرضه لأهم ما في تاريخه الصحفي من قصص، قصة مجازر رواندا. عرض الرجل بخبرته المهنية، التي لخصها في كتاب مطبوع أيضا، مجمل فكرة الدور الإعلامي للصحافة في حل النزاعات أو تأجيجها، ودور الإعلامي من خلال مهنيته في بناء السلام.

العمل ليس سهلا، حتى في عصر الثورة الرقمية وتكنولوجيا المعلومات، فإن المهارة تكمن في توظيف أدوات الثورة التكنولوجية في خدمة المهنية، لا العكس.

أن يكون لديك منصة تخاطب بها العالم، ليس إنجازا يذكر اليوم، لكن أن توظف أدوات المعرفة والتواصل بطريقة مهنية وجهد احترافي هو التميز الحقيقي.

جانب من مؤتمر "دور الإعلام في حل النزاعات" الذي افتتح أعماله في العاصمة تونس بتنظيم الحرة ومعهد السلام الأميركي

في رواندا، كان هناك فيديو التقطه صحفي بريطاني عام 1994، يعني في زمن لم يكن فيه التصوير سهلا، الفيديو الذي التقط مجزرة في شارع في قرية رواندية معزولة عن إدراك العالم، وثق القتل بدم بارد، ووثق منهجية القتل المعتمدة كاستراتيجية مدروسة من قبل مليشيات أغلبية تبيد أقلية، كان العالم حينها يتحدث عن رواندا كصراع بين قبائل، دون فهم التفاصيل، وكان هذا الفهم القاصر كافيا لمليشيات الأغلبية التي تحكم، كي تستمر بمنهجية الإبادة دون قلق من رد فعل.

الفيديو الذي انتشر على العالم، غير وجهة النظر. كان قتلا بدم بارد لرجل جاثي على ركبتيه يصلي في لحظاته الأخيرة، وامرأة خلفه على الأرض تحمل طفلها على ظهرها، وحولهما جثث مترامية.

طريقة القتل والوقت الطويل الذي أخذته العملية أثبت للعالم أن فهمه لما يحدث في رواندا قاصر جدا، وحين تصحح الفهم، تدخل العالم وتداعى، لتنتهي حرب رواندا التي انتهت اليوم إلى دولة مستقرة ومزدهرة وسياحية.

صحفي شجاع واحد، وثق اللحظة في ظروف دموية قاسية، فرسم الطريق للعالم نحو أول خطوة لبناء السلام في هذه الدولة.

ألان طومسون، وبعد سنوات طويلة من فيديو مجزرة هذا الشارع الترابي البعيد والمعزول، بقي مسكونا كصحفي في القصة، فاستأذن (لاحظ أدبيات المهنة هنا)، صاحب الفيديو بمتابعة القصة لمعرفة هوية القتلى في الفيديو، تعريفهم للعالم يعيد لهم إنسانيتهم بدلا من أن يبقوا غبارا على هامش النسيان.

ذهب ألان إلى القرية، وبقياسات بسيطة من زاوية تصوير الفيديو وموقع الشارع حدد بالضبط البقعة التي تمت فيها العملية، ثم قابل الناس وحفر في ذاكرة الجيل الذي عاش الحرب، حتى توصل إلى شهود عيان ثم إلى أهل القتيلين (الرجل والمرأة).. وجد صورا لهما ووثق أسماؤهما.

تلك يا سادة.. صحافة محترمة.

يوجعني التفكير في عملية البحث عن كل هؤلاء الضحايا المنسيين في إباداتنا العربية المتراكمة، اليمن وسوريا والعراق وباقي الجغرافيا المشغولة بالدم منذ زمن طويل.

♦♦♦

على جانب آخر.. في تونس وفي ذات السياق.

دوما أرى في هوامش المؤتمرات ثراء ووفرة في المعرفة عبر من تلتقيهم من ذوات تتعلم منهم وتتبادل معهم الخبرة والمعرفة، تلتقيهم على هامش الحدث، في مقهى أو لوبي فندق، أو مطعم أو ممشى على رصيف.

كنت محظوظا هذه المرة بنخب ثرية، كل له معرفته ويبحث عن جديد الآخر أمامه.

تناقشنا عن موضوع المؤتمر، وفي حديث غير رسمي لم تسجله محاضر الفعالية، طبقنا ما سمعنا وعرفنا على واقع إعلامنا العربي..

يوجعني التفكير في عملية البحث عن كل هؤلاء الضحايا المنسيين في إباداتنا العربية المتراكمة

لسنا قاصرين، هنالك قصص مبهرة في الصحافة العربية، استطاعت أن تبني السلام، وتحقق رؤية إنسانية محترمة.

المؤسف أنها قصص "قليلة" نسبيا أمام صحافة عربية كانت دوما قائمة على خطاب كراهية وإقصاء يؤججان الصراعات والأزمات، والمستفيد دوما سلطة ترسخ استبدادها بشرعية "الأمن والأمان" في لعبة مزدوجة كان الإعلام دوما أهم أداة فيها.

أتذكر مقولة لكاتب أردني كان يسمي زاويته الصحفية فيها وهي تجزيئ لكلمة الصحافة لتصبح "الصح آفة"، وربما هذا هو واقع الصحافة في عالم عربي "الصح" فيه "آفة".

بكل الأحوال وبمجمل الحال، فإنه من تلك الهوامش في المؤتمرات المماثلة، تخرج ربما فكرة جديدة لتضامن مهني يعيد للمهنة بعضا من ضوابطها، وكثير من قيمتها كرسالة بناء لا بلدوزرات هدم.

اقرأ للكاتب أيضا: أنا.. وليلى

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

صحافة في عالم "الصح آفة" E9992A3B-F747-4B1C-AF14-FF0F59622DB0.jpg AFP صحافة-في-عالم-الصح-آفة 537542 سيدة تحمل صورة أحد أقاربها في مايو 2019 بعد دفن بقايا رفاة 81 ضحية بعد اكتشاف بقايا 84,437 من ضحايا الإبادة الجماعية التي حصلت في رواندا عام  1994 2019-12-04 18:19:45 1 2019-12-04 18:20:45 0

مواضيع ذات صلة

قاصفة B-2 أثناء تحليقها رفقة طائرتين F-117 شبحيتين في عام 2001
قاصفة B-2 أثناء تحليقها رفقة طائرتين F-117 شبحيتين في عام 2001

حذر خبراء عسكريون من عواقب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخاصة بتقليص ميزانية البنتاغون لعام 2021.

ويريد البنتاغون إخراج طائرات حربية، ومسيرة، وسفنا من الخدمة بالرغم أن بعضها لا يتعدى عمره عقدين من الزمن، وذلك لتوفير مليارات الدولارات من أجل تطوير وشراء أسلحة جديدة. ويقول مسؤولون بوزارة الدفاع إن تلك الإجراءات ضرورية للفوز في حرب ضد الصين وروسيا.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية هذا العام، قد تكون ميزانية عام 2021 هي آخر فرصة لإدارة الرئيس ترامب لتشكيل مستقبل القوات المسلحة الأميركية خلال العقد المقبل، بحسب موقع "ديفنس نيوز".

وتريد إدارة ترامب تخصيص مبلغ قدره 740.5 مليار دولار لشؤون الدفاع في ميزانية 2021، حيث سيتم تحويل 713 مليار دولار إلى البنتاغون (أقل بنسبة 1.1 بالمئة عن العام الماضي)، فيما سيتم تحويل الـ 35 مليار دولار المتبقية إلى مشاريع الأمن القومي التي تشرف عليها وزارة الطاقة وبقية المؤسسات الحكومية.

وكانت ميزانيتا الدفاع خلال العامين الماضيين ينفقان بشكل أساسي على الجهوزية العسكرية، خاصة التدريب وصيانة القوات. والآن سيكون الإنفاق مخصصا لتطوير جيل جديد من الأسلحة، إذ سيكون هناك 107 مليارات دولار مخصصة لذلك في ميزانية 2021، في حين ستنخفض المشتريات من 144 مليار دولار إلى 137 مليار دولار.

وقال مارك كانكان، مسؤول سابق في مكتب الإدارة والميزانية الأميركية، لموقع "ديفنس نيوز"، إن "الميزانية كانت في ارتفاع، لكن الآن أصبحت القوات أصغر، وهو الأمر الذي ستبنى على أساسه الميزانية الجديدة".

وأضاف تقرير "ديفنس نيوز"، أنه بموجب الميزانية الجديدة في حال إقرارها من جانب الكونغرس، ستحيل القوات الجوية وحدها مئات الطائرات الحربية خلال الأعوام الخمس القادمة، بما في ذلك قاذفات B-1، وطائرات A-10 الهجومية، ومقاتلات F-15 وF-16، وطائرات شحن 130H، وطائرات التزود بالوقود مثل KC-10، وKC-135K، وطائرات مسيرة للتجسس من طراز "غلوبال هوك"، إلى التقاعد.

وسيؤدي ذلك إلى تقليص عدد الأساطيل الجوية، وتقليص القدرة وزيادة الضغط على الطائرات بدون تقليص لنسبة الإمداد أو متطلبات التدريب، بحسب "ديفنس نيوز".

وقال الخبير بميزانية الدفاع في مؤسسة CSIS، تود هاريسون، "إنهم (البنتاغون) بذلك يضرون أنفسهم، لأنهم يضمنون أنهم سيحصلون على بنية لقوات أصغر في المستقبل من خلال إجراء تقليصات جزئية في الأسطول".

وأضاف هاريسون "إذ تمت إحالة جميع الأساطيل إلى التقاعد، فإنه بذلك سيتم توفير الكثير في الميزانية، ثم يمكنك شراء أسطول أكبر في المستقبل".

وكان المشرعون قد رفضوا أكثر من مرة طلب القوات الجوية الأميركية بإحالة طائرات A-10 الحربية على التقاعد، فيما تطالب البحرية الأميركية إحالة أربع سفن للتقاعد. ويريد الجيش الإميركي إلغاء 41 برنامجا وتأخير أو قطع تمويل 39 آخرين، ما سيوفر نحو 13.5 مليار دولار في الفترة بين 2021 و2025.

وينوي البنتاغون وضع الأموال التي سيتم توفيرها من إحالة الأسلحة القديمة إلى التقاعد، في أسلحة جديدة، بما في ذلك الأسلحة الطائرة الخارقة لسرعة الصوت، وأسلحة الذكاء الاصطناعي، والمئات من الأقمار الصناعية الجديدة الصغيرة الحجم.

وتسعى الميزانية الجديدة إلى تخصيص 29 مليار دولار للأسلحة النووية، أي بزيادة 18 بالمئة عن ميزانية 2020، ومن المقرر أن تذهب الأموال إلى برنامج الصواريخ البالستية العابرة للقارات الجديد، وقاذفات B-21 الشبحية، وغواصات الصواريخ البالستية من طراز كولومبيا، وشبكة حاسوبية جديدة لنقل رموز الإطلاق من الرئيس إلى الأطقم الموكلة بالإطلاق.

وأوضح هاريسون أن القوات الأميركية تسير بسرعة نحو المرحلة القادمة، بحيث يصعب العودة إلى الخلف في حال قدوم إدارة جديدة.

كما يريد البنتاغون في الميزانية الجديدة تخصيص 18 مليار دولار للأقمار الصناعية الجديدة، وسفن الفضاء، وتعزيز قوات الفضاء الأميركية التي تم تأسيسها مؤخرا.

 

المصدر: موقع الحرة