525775 4

د. عمار بكار/

بناء على تفكير منطقي بسيط، كل ما تقوم به الإنسانية على مستوى التقدم التقني يهدف لزيادة سعادة الإنسان. التكنولوجيا في الأصل تهدف لتحقيق مال أكثر بجهد أقل وإمكانيات أعلى، وهذا منطقيا يفترض أن يساهم في حصول الإنسان على المزيد ماديا ومعنويا، وبالتالي تحقيق السعادة.

لكن هل نحن اليوم أكثر سعادة فعلا؟

من جهة، استطاعت التكنولوجيا رفع مستوى الرعاية الصحية عموما، وزادت العمر الافتراضي للإنسان. في المستقبل، ستتطور تكنولوجيا تعديل الجينات البشرية بحيث سيمكن نظريا القضاء على معظم الأمراض وتطوير صفات الإنسان الجينية بشكل مذهل. الذكاء الاصطناعي سيجعل حياتنا أسهل بكثير، وإنترنت الأشياء سيجعلنا نتحكم بكل شيء من حولنا من خلال شبكة واحدة كما نتحكم اليوم بالمعلومات، كما أن كل أنواع الترفيه صارت متاحة لنا عند الطلب، أما الشراء فقد أصبح عند أطراف أصابعنا ليصلنا أي شيء نريد إلى عتبة البيت.

لكن هذا كله قد لا يحقق السعادة. في أميركا، البلد الأغنى والأكثر تقدما، يتراجع معدل السعادة بشكل تدريجي منذ عام 2005 حسب تقرير السعادة العالمي (World Happiness Report)، والذي يعد بمبادرة من الأمم المتحدة، ويشارك فيه عدد كبير من الخبراء، حيث تأتي أميركا في المرتبة الـ15 في تقرير هذا العام.

التقنية بشكل عام رفعت من حجم التوقعات على الناس في حياتهم العملية

بل إن هناك عددا كبيرا من الدراسات التي تؤكد أن هناك علاقة وثيقة بين الاستخدام المكثف للموبايل والشبكات الاجتماعية وبين ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم، وبدرجات أعلى بين الشباب والمراهقين والفتيات. الشبكات الاجتماعية ساهمت في انتشار نوع من القلق مبني على الخوف على "المنزلة الاجتماعية" (Status Anxiety)، وذلك بسبب المقارنة الذي يحدثها الإنسان بين نفسه وبين الآخرين من حوله على فيسبوك وانستغرام وغيرها، كما أدرى لارتفاع مستويات "الحسد" والذي يؤدي نفسيا للحزن الشديد أحيانا.

الإحساس المتزايد لدى الناس أن تفاصيل حياتهم وأفكارهم يتم مراقبتها من الحكومات والشركات والآخرين الذين يقتحمون حياتهم على الشبكات الاجتماعية خلق أيضا نوعا من القلق، والمعروف أن هذا سيزداد خلال السنوات العشر القادمة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، والتي تقتات بشكل أساسي على فهم سلوكيات الجماهير وتحليلها واستغلالها لصالح الشركات التقنية والمعلنين.

التقنية بشكل عام رفعت من حجم التوقعات على الناس في حياتهم العملية. ما كان ينجز قبل 20 سنة خلال أشهر، يمكن إنجازه اليوم خلال أقل من ساعة (بلا أي مبالغة)، ولكن هذا جعلنا في دوامة متسارعة من الحاجة للإنجاز، ووضعنا جميعا على طريق سريع من المنافسة مع الآخرين، وهذا كله له ضغوطه الحادة علينا جميعا.

هذا كله، ساهم في تصاعد (الابتكار التقني) الدي يهدف لزيادة السعادة في حياة الإنسان، وهي الطريقة التي تتعامل من خلالها الإنسانية اليوم مع أي مشكلة تواجهها.

• هناك باحثون ركزوا على الدراسات التي تقول بأن أكثر من 50 في المئة من السعادة له علاقة بالجينات وليس بتأثير حياة الإنسان. بنيت هذه الدراسات على دراسة التوائم المتشابهة الذي انفصلوا عند الولادة بسبب ظروفهم الأسرية، وعاشوا في بيئات مختلفة تماما. السعادة هنا مرتبطة من حيث التعريف بالــ "الإيجابية المرتفعة" لدى الشخص، والسلام الداخلي لديه، وتوافق رغباته الداخلية مع واقعه عموما. هؤلاء الباحثين يبحثون عن طرق لتعديل الجينات بحيث يولد الطفل وعنده مستوى عال من السعادة، حتى أن عالم النفس الأوروبي الشهير ميهالي تشيكسنتميهالي يتوقع في دراساته حول "مستقبل السعادة" بأن العقود القادمة ستشهد نمو ظاهرة "الأطفال حسب الطلب"، حيث ستتجاوب الهندسة الجينية مع طلبات الآباء الأثرياء الراغبين في رفع مستوى السعادة والذكاء والمناعة لدى أطفالهم الذين لم يولدوا بعد.

• بعض العلماء يبحث عن طرق لزرع شريحة في الجسم تستطيع ضخ محفزات لهرمونات السعادة والنشوة في الدماغ بشكل مستمر، وهناك تجارب فعلية في هذا الاتجاه، ولكن السعادة هنا مرتفعة بالفرح لدى الإنسان مع الأشياء التي تواجهه في حياته، وتصنع له حالة من الانتعاش والاحتفال بالحياة.

الشبكات الاجتماعية ساهمت في انتشار نوع من القلق مبني على الخوف على "المنزلة الاجتماعية "

• هرمون الدوبامين (Dopamine) في الدماغ (أو ما يسميه البعض بهرمون السعادة) هو المسؤول عن ذلك الشعور الجميل عند حصول أمور مفاجئة للإنسان بشكل مرضي له، وهو أساسي في مقاومة الاكتئاب، والتكنولوجيا تسعى باستمرار للتحكم في إفرازه بحيث يسبب السعادة للإنسان، ولكن هذا ما زالت تواجهه عوائق كبيرة، لأنه هرمون وناقل عصبي حساس جدا، ومسؤول عن التوازن النفسي للإنسان. بعض الباحثين حذر من أن الشبكات الاجتماعية تسبب نوع من الإدمان لإنتاج هرمون الدوبامين في الدماغ والتأثير الذي يصاحبه، وذلك من خلال ردود الأفعال الإيجابية التي يحصل عليها الناس من متابعيهم وأصدقائهم، مما يجعلنا مدمنين للشبكات الاجتماعية.

• هناك عدد كبير من التطبيقات التي تساعد الناس على التأمل (Meditation) وعلى تسجيل لحظات السعادة، والتذكير بالأعمال التي تسبب السعادة، وهناك تطبيقات تسهل للإنسان فعل الخير، والذي يساهم في إنتاج هرمون endorphins في الدماغ والذي له علاقة بالسعادة المرتبطة بمساعدة الآخرين.

• وأخيرا، هناك كم كبير من النصائح وأفكار التعامل مع التكنولوجيا بأنواعها والتي تقلل من آثارها السلبية علينا، وهي ما سأتناوله الأسبوع القادم.

باختصار: إذا لم تتعامل مع التكنولوجيا بقواعد صارمة، وكانت لديك الكفاءة النفسية لمقاومة إغراءاتها الضارة، ففي الغالب ستكون التقنية سبب للتعاسة أكثر من كونها سبب للسعادة..

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

هل تمنحنا التكنولوجيا السعادة؟ 6E089840-324F-489C-AEF7-C5534CD03527.jpg AFP هل-تمنحنا-التكنولوجيا-السعادة 537959 إن هناك عددا كبيرا من الدراسات التي تؤكد أن هناك علاقة وثيقة بين الاستخدام المكثف للموبايل والشبكات الاجتماعية وبين ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم 2019-12-18 17:34:08 1 2019-12-18 17:35:08 0

مواضيع ذات صلة

كيف يعمل "كلوروكوين"؟.. دواء الملاريا الذي أقرته أميركا لعلاج كورونا؟
كيف يعمل "كلوروكوين"؟.. دواء الملاريا الذي أقرته أميركا لعلاج كورونا؟

بعد أن أصبح تطوير لقاح ضد فيروس كورنا المستجد عملية تحتاج إلى مزيد من الوقت ربما أكثر من عام، بحسب ما صرح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أصبحت الحاجة إلى علاج فوري لإنقاذ حياة المصابين به أولوية ملحة.

ويوم الخميس أعلن ترامب عن موافقة إدارته على دواء للملاريا يسمى "هيدروكسي كلوروكوين" لاستخدامه لعلاج المصابين بكورونا وقال إن النتائج مبشرة.

وقال الرئيس الأميركي خلال مؤتمر صحافي عقده في البيت الأبيض: "سيكون بوسعنا توفير هذا الدواء بشكل فوري"، معتبرا أن ذلك قد "يبدل الوضع" بالنسبة لمكافحة فيروس كورونا المستجد.

  • فما هو هذا العلاج المستخدم أساسا لعلاج الملاريا وكيف يمكن أن يساهم في علاج المصابين بكورونا؟

المعلومات المتوافرة حول هذا العلاج تشير إلى أنه يتم تجربته حاليا في الولايات المتحدة والصين وأستراليا وفرنسا من أجل معرفة مدى فائدته لعلاج وباء كوفيد-19 الناتج عن الفيروس المستجد.

مؤسس شركة تسلا الملياردير الأميركي إيلون ماسك كان قد أشاد به قبل أيام ودعا إلى دراسته لأنه أنقذ حياته عام 2000 عندما كان مصابا بالملاريا.

وبالفعل هناك دراسات في الولايات المتحدة، من بينها دراسة يقوم بها فريق طبي من جامعة مينيسوتا في الغرب الأوسط الأميركي بمشاركة نحو 1500 مريض.

  • لكن ما العامل المشترك بين الملاريا التي يسببها طفيلي، ومرض كوفيد-19 الذي يسببه فيروس؟

التجارب المعملية أثبتت أن هذه العقار المستخدم منذ عام 1944 لعلاج الملاريا يمكن أن يستخدم لعلاج الفيروسات أيضا.

تشير الأبحاث العلمية إلى قدرة هذا العقار على منع وعلاج مرض متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس) التي تصيب الجهاز التنفسي وأعراضها شبيهة بمرض كوفيد-19، وكلاهما ينتمى لعائلة كورونا.

تشمل أعراض "سارس" في المراحل الأولية الحمى والقشعريرة والآلام والصداع، والإسهال في بعض الأحيان، ثم تتطور إلى حمى شديدة وضيق التنفس، وقد تؤدي إلى الوفاة تماما مثلما يحدث مع المرض الجديد.

ونظرا لأن دواء الملاريا ثبتت فعاليته مع "سارس" كان بالأحرى دراسة تأثيره أيضا على مرضى كوفيد-19 .

وتبين أن "هيدروكسي كلوروكوين" يستطيع تقليص الجزيئيات الفيروسية عندما يصاب الشخص بفيروس، إذ يقوم هذا العقار بتثبيط عمل البروتينات المسؤولة عن الالتهابات التي تحدث بسبب الفيروس.

وتفسير ذلك أنه عندما يصاب شخص بعدوى فيروسية تتعلق النتوءات البروتينية الخاصة بالفيروس بمستقبلات على السطح الخارجي للخلايا البشرية. 

ويقوم "كلوروكوين" بالتدخل في عمل هذه المستقبلات، أي يعطل قدرة الفيروس على التعلق بالخلايا.

ووجد باحثون في الصين أنه باستخدام هذا العقار مع مرضى كوفيد-19 الذين يعانون من التهاب رئوي تمكنوا من تخفيف إصابتهم واستطاعوا الخروج مبكرا من المستشفى.

ويسعى الباحثون أيضا لمعرفة ما إذا كان بالإمكان استخدام هذا العقار أيضا للوقاية، أي منع حدوث الفيروس.

وحتى الآن تشير النتائج الواعدة أن هذا العقار يجب أن يستخدم فقط للمرضى أصحاب الحالات المتطورة، أي الأعراض الشديدة للفيروس، وليس من يعانون فقط من أعراض عادية شبيهة بالأنفلونزا.

 

المصدر: موقع الحرة