أجهزة تلفزيون | Source: Courtesy Photo

526243 4

د. عماد بوظو/

ضمن النشاطات المشتركة لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (إم بي إن) والمعهد الأميركي للسلام عقد في تونس في شهر ديسمبر الحالي مؤتمر حول دور الإعلام في حل النزاعات وبناء السلام، أجمع فيه المشاركون على رفض خطاب الكراهية بين الطوائف والديانات والأعراق، وعلى أن يكون حل الخلافات السياسية بالحوار.

لكن آراء المشاركين تباينت حول شكل السلام المنشود بين وجهتي نظر مختلفتين؛ الأولى اعتبرت أن السلام غاية في حد ذاته له أولوية على أي قضية أخرى، ولا يوجد أي هدف مهما كان نبيلا أو مشروعا يستحق التضحية بالسلام من أجله، بينما ركزت المجموعة الثانية على أهمية أن يلعب الإعلام دورا في مناصرة الشعوب التوّاقة للحرية ودعم قيم حقوق الإنسان والديمقراطية.

ترك موقف المجموعة الأولى المرحّب بأي شكل للسلام وتجاهلها للمشاكل التي تتعرض لها منطقة الشرق الأوسط بما فيها احتجاجات العراق ولبنان التي تزامنت مع انعقاد المؤتمر انطباعا بأنها تعتقد بأن النضال ضد الأنظمة العربية يشكل تهديدا للسلام، أي أن المحافظة على الاستقرار في الجزائر أكثر أهمية من الرفض الشعبي لاستمرار الحكم العسكري، والقبول باستمرار الهيمنة الإيرانية على العراق ولبنان وحكم عائلة الأسد لسوريا أفضل من استمرار الاحتجاجات والصراع.

يعزو هذا الإعلام تظاهرات العراق ولبنان إلى الصراع السعودي الإيراني

وهذا الموقف يعتبر امتدادا للخط الذي تنتهجه العديد من وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث الأميركية، وتمثله محطة "سي إن إن"، عبر محاولتها إظهار شكل من الحياد البارد عند نقلها لبعض الأحداث، فقد اعتمدت مثلا في تغطيتها لاحتجاجات إيران الأخيرة على تصريحات مسؤولي النظام الإيراني، وقامت بتقليل أعداد الضحايا، وكررت لعدّة أيام أن الاحتجاجات أدت لمقتل شخص واحد! بما يختلف بشكل كبير مع التسجيلات التي خرجت من داخل إيران ومع ما قاله المبعوث الأميركي الخاص بريان هوك قبل أيام بأنه يرجّح أن أكثر من ألف إيراني قد قتلوا وعدة آلاف أصيبوا بجراح وسبعة آلاف تم اعتقالهم.

كما عزت المحطة الاحتجاجات لأسباب اقتصادية، ولمّحت إلى أن سببها هو العقوبات الأميركية، أي أنها لا تريد الاعتراف بحقيقة الرفض الشعبي للحكم الإسلامي والذي ظهر بخلع الفتيات الإيرانيات لحجابهن بالساحات وهجوم المحتجين على المراكز والحوزات الدينية، ولا بأن النظام الإيراني قد فشل في بناء قاعدة اقتصادية خلال الأربعين سنة الماضية لأنه أنفق ثروات بلاده على افتعال الصراعات في الشرق الأوسط ودعم الإرهاب بدل استثمارها في معالجة الأزمات المعيشية التي يعاني منها الإيرانيون اليوم.

وبما أنه من الصعب الدفاع مباشرة عن سلوك وممارسات نظام بهذه المواصفات، فقد كانت المحطة لا تتعرض إلى أخباره وتركّز على مهاجمة خصومه. فلا تذكر مثلا سوى جريمة القتل الوحشية للصحفي جمال خاشقجي، وتتجاهل أن النظام الإيراني قتل ألف بريء مثل جمال خاشقجي في إيران والعراق خلال شهر نوفمبر الماضي فقط، وتتجنب الحديث عن اعتداء شبيحة "حزب الله" على تظاهرات لبنان، وهجوم ميليشيات مسلحة موالية لإيران بالرصاص الحي على المتظاهرين في العراق.

وفي حال ذكرت هذه المليشيات تقول "ميليشيات موالية للحكومة العراقية تطلق النار على محتجين معارضين لها"، بينما أطلق عليهم معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى في قائمة لأسماء المسؤولين المتورطين بقتل مئات العراقيين لقب "قائمة الجلادين والقتلة المدعومين من إيران".

وضمن نفس التوجه يقوم الإعلام الليبرالي بتغيير توصيف الأحداث حتى يبرر مواقفه الملتبسة تجاه إيران. فعلى غلاف نيوزويك مثلا صورة لخامنئي كتب عليها "إذا سقطت إيران عادت داعش"، لإخافة الرأي العام من سقوط النظام الإيراني مع أن ممارساته الطائفية كانت من أهم أسباب ظهور داعش.

كما يطلق على أحداث سوريا اسم الحرب الأهلية رغم أن جرى ويجري منذ 2011 هو جريمة حرب قام بها النظام السوري، لأنه مع استخدام عبارة الحرب الأهلية يصبح الدور المطلوب من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي مجرد تقريب وجهات النظر بين طرفين متماثلين أخلاقيا بدل مساعدة الشعب السوري على نيل حريته.

كما يعزو هذا الإعلام تظاهرات العراق ولبنان إلى الصراع السعودي الإيراني، فيصبح الحل إجراء مفاوضات بين الدولتين الإقليميتين بدل تلبية مطالب المحتجين بتحرير العراق ولبنان من سيطرة الميليشيات الإيرانية. 

وأحيانا يلجأ هذا الإعلام إلى تغيير في الحقائق، مثل الادعاء أن الحرب في اليمن قد بدأت عام 2015 مع التدخل السعودي، رغم أنها بدأت عام 2011 مع الربيع العربي وانتقلت إلى مرحلة جديدة مع انقلاب ميليشيا الحوثي الموالية لإيران واستيلائها على السلطة عام 2014 الذي استدعى التدخّل السعودي.

من غير المقبول أن تكون وظيفة الإعلام الابتعاد عن النزاهة والموضوعية وإخفاء الحقائق

هذه الطريقة في التغطية الإعلامية تدفع للتساؤل: هل ما يقوم به هذا الإعلام هو مجرد مبالغة في إظهار الموضوعية والحياد، أم هو نتيجة الرغبة بالمحافظة على أي سلام واستقرار حتى لو ترافق مع استمرار الظلم ومعاناة شعوب المنطقة، أم أن هناك أسبابا أيديولوجية خلف هذا الموقف، بحيث انتقل الإعلام الليبرالي تدريجيا من الدفاع عن سياسة الرئيس باراك أوباما والاتفاق النووي إلى الدفاع عن النظام الإيراني نفسه؟

وقد عبّرت الإعلامية المعروفة في "سي إن إن" كريستيان أمانبور عن تحفظها على هذا التوجه في إحدى مقابلاتها عندما قالت: "لقد توصّلت إلى نتيجة وهي أن على الإعلامي أن يكون مخلصا للحقيقة بدل محاولة خلق توازن مزيف بين طرفين لا يستطيع أحد أن يكون محايدا بينهما"، وقدّمت مثالا على ذلك أحداث البوسنة، التي لم يكن بالإمكان اتخاذ موقف محايد فيها، لأن هناك طرف محدد قام بمجازر بحق الطرف الآخر. وتابعت أمانبور أنه بالعكس عندما قام الإعلام بنقل الحقيقة للعالم أصبح من الممكن القيام بشيء لإيقاف المأساة.

ما قالته هذه الصحفية المشهورة بمواقفها المؤيدة للقضايا العادلة في العالم يختصر الفارق بين وجهتي النظر هاتين. لأنه من غير المقبول أن تكون وظيفة الإعلام الابتعاد عن النزاهة والموضوعية وإخفاء الحقائق والتضحية بالاعتبارات الإنسانية والأخلاقية، والوقوف على مسافة واحدة بين القاتل والقتيل والسجّان والسجين، لتحقيق "استقرار" مؤقت، يحاول إطالة عمر أنظمة لا تحمل مقومات البقاء والاستمرار على المدى الطويل، لأنها لم تقدم لشعوبها سوى الفشل الاقتصادي والفقر، والقمع السياسي والسجون والمعتقلات، والتخلف الاجتماعي والثقافي.

اقرأ للكاتب أيضا: مفارقات ساخرة حول مقاطعة إسرائيل

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

الإعلام وسؤال الحيادية والمهنية 36AC2096-35D9-4DBA-83BA-3E9973B4654E.jpg Courtesy Photo الإعلام-وسؤال-الحيادية-والمهنية 538059 2019-12-22 13:21:29 1 2019-12-22 13:25:03 0

مواضيع ذات صلة

كيف يعمل "كلوروكوين"؟.. دواء الملاريا الذي أقرته أميركا لعلاج كورونا؟
كيف يعمل "كلوروكوين"؟.. دواء الملاريا الذي أقرته أميركا لعلاج كورونا؟

بعد أن أصبح تطوير لقاح ضد فيروس كورنا المستجد عملية تحتاج إلى مزيد من الوقت ربما أكثر من عام، بحسب ما صرح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أصبحت الحاجة إلى علاج فوري لإنقاذ حياة المصابين به أولوية ملحة.

ويوم الخميس أعلن ترامب عن موافقة إدارته على دواء للملاريا يسمى "هيدروكسي كلوروكوين" لاستخدامه لعلاج المصابين بكورونا وقال إن النتائج مبشرة.

وقال الرئيس الأميركي خلال مؤتمر صحافي عقده في البيت الأبيض: "سيكون بوسعنا توفير هذا الدواء بشكل فوري"، معتبرا أن ذلك قد "يبدل الوضع" بالنسبة لمكافحة فيروس كورونا المستجد.

  • فما هو هذا العلاج المستخدم أساسا لعلاج الملاريا وكيف يمكن أن يساهم في علاج المصابين بكورونا؟

المعلومات المتوافرة حول هذا العلاج تشير إلى أنه يتم تجربته حاليا في الولايات المتحدة والصين وأستراليا وفرنسا من أجل معرفة مدى فائدته لعلاج وباء كوفيد-19 الناتج عن الفيروس المستجد.

مؤسس شركة تسلا الملياردير الأميركي إيلون ماسك كان قد أشاد به قبل أيام ودعا إلى دراسته لأنه أنقذ حياته عام 2000 عندما كان مصابا بالملاريا.

وبالفعل هناك دراسات في الولايات المتحدة، من بينها دراسة يقوم بها فريق طبي من جامعة مينيسوتا في الغرب الأوسط الأميركي بمشاركة نحو 1500 مريض.

  • لكن ما العامل المشترك بين الملاريا التي يسببها طفيلي، ومرض كوفيد-19 الذي يسببه فيروس؟

التجارب المعملية أثبتت أن هذه العقار المستخدم منذ عام 1944 لعلاج الملاريا يمكن أن يستخدم لعلاج الفيروسات أيضا.

تشير الأبحاث العلمية إلى قدرة هذا العقار على منع وعلاج مرض متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس) التي تصيب الجهاز التنفسي وأعراضها شبيهة بمرض كوفيد-19، وكلاهما ينتمى لعائلة كورونا.

تشمل أعراض "سارس" في المراحل الأولية الحمى والقشعريرة والآلام والصداع، والإسهال في بعض الأحيان، ثم تتطور إلى حمى شديدة وضيق التنفس، وقد تؤدي إلى الوفاة تماما مثلما يحدث مع المرض الجديد.

ونظرا لأن دواء الملاريا ثبتت فعاليته مع "سارس" كان بالأحرى دراسة تأثيره أيضا على مرضى كوفيد-19 .

وتبين أن "هيدروكسي كلوروكوين" يستطيع تقليص الجزيئيات الفيروسية عندما يصاب الشخص بفيروس، إذ يقوم هذا العقار بتثبيط عمل البروتينات المسؤولة عن الالتهابات التي تحدث بسبب الفيروس.

وتفسير ذلك أنه عندما يصاب شخص بعدوى فيروسية تتعلق النتوءات البروتينية الخاصة بالفيروس بمستقبلات على السطح الخارجي للخلايا البشرية. 

ويقوم "كلوروكوين" بالتدخل في عمل هذه المستقبلات، أي يعطل قدرة الفيروس على التعلق بالخلايا.

ووجد باحثون في الصين أنه باستخدام هذا العقار مع مرضى كوفيد-19 الذين يعانون من التهاب رئوي تمكنوا من تخفيف إصابتهم واستطاعوا الخروج مبكرا من المستشفى.

ويسعى الباحثون أيضا لمعرفة ما إذا كان بالإمكان استخدام هذا العقار أيضا للوقاية، أي منع حدوث الفيروس.

وحتى الآن تشير النتائج الواعدة أن هذا العقار يجب أن يستخدم فقط للمرضى أصحاب الحالات المتطورة، أي الأعراض الشديدة للفيروس، وليس من يعانون فقط من أعراض عادية شبيهة بالأنفلونزا.

 

المصدر: موقع الحرة