526542 4

د. ابتهال الخطيب/

للتو بدأت قراءة كتاب "نظام التفاهة" لمؤلفه آلان دونو ولمترجمته الدكتورة مشاعل الهاجري، مترجمة مقال "أخلاق الطوارئ" الذي كان موضوع مقالي السابق والذي كان عنوانه "الأنانية الأخلاقية". في ظني سيكون هذا الكتاب مصدر عدد من المقالات القادمة والتي سأبدأها اليوم مع بداية قراءتي لمقدمة المترجمة والتي أراها بأهمية مادة الكتاب بحد ذاته إن لم تضف إليها في الواقع خصوصا للقارئ العربي الحديث القراءة للمترجمات الأجنبية. لنعطي فكرة عن موضوع الكتاب، أنقل هنا أول تقديم للمترجمة لمادته حيث تقول:

يدور موضوع هذا الكتاب حول فكرة محورية: نحن نعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة، تتعلق بسيادة نظام أدى، تدريجياً، إلى سيطرة التافهين على جميع مفاصل نموذج الدولة الحديثة.

بذلك، وعبر العالم، يلحظ المرء صعوداً غريباً لقواعد تتسم بالرداءة والانحطاط المعياريين: فتدهورت متطلبات الجودة العالية، وغيب الأداء الرفيع، وهمشت منظومات القيم، وبرزت الأذواق المنحطة، وأبعد الأكفاء، وخلت الساحة من التحديات، فتسيدت إثر ذلك شريحة كاملة من التافهين والجاهلين وذوي البساطة الفكرية، وكل ذلك لخدمة أغراض السوق بالنهاية، ودائماً تحت شعارات الديموقراطية والشعبوية والحرية الفردية والخيار الشخصي، حتى صار الأمر يذكر بما كانت مونتسكيو Montesquieu يحذر منه من وجوب صون الحرية من الابتذال، عندما قال إن "ممارسة الحرية من قبل أكثر الشعوب تمسكاً بها تحملني على الاعتقاد بوجود أحوال ينبغي أن يوضع فيها غطاء يستر الحرية مثلما تستر تماثيل الآلهة". (13-14)

كتبت بعد قراءة هذا المقطع مباشرة ومصاحبة لنشره على تويتر أقول "هل واتتكم غصة بكاء؟" وفي حين أن تسيد التفاهة هذا يمكن أن يكون ظاهرة عالمية، ولربما هذا ما سيدلل عليه المؤلف لاحقاً وأوافيكم به أنا في مقالات قادمة، إلا أن هذا التسيد له مقام إمبراطوري في عالمنا الشرق أوسطي، حيث يبعد الأكفاء وتهمش القيم وتبرز الأذواق المنحطة ويسود التافهون، ولا لفظ أنسب لوصفهم من "تافهين" رغم قسوة التوصيف والصعوبة الشخصية التي أجدها في استخدامه، ليحددوا لنا كل شيئ، ما نرى بأم أعيننا أنهم يحددونه وما لا نتصور في يوم أنهم قادرون على تحديده. هؤلاء يحددون لنا من سعر عبوة الجبن على رف الجمعية إلى طبيعة ونوعية عاداتنا وقيمنا بل ومعتقداتنا الدينية، وحين يحدد لك التافهون طعامك، يصبح مائعاً، فكيف بقيمك ومعتقداتك التي يسعرونها بالدولار؟

بكل تأكيد، ظاهرة تحكم التفاهة هي ظاهرة عالمية، إلا أن مظاهرها، آثارها ونتائجها هي "نموذجية" في عالمنا العربي. ففي حين يتسيد التافهون أحياناً خارج حدود الشرق الأوسط، داخل حدوده هم السائد وليس العرضي، هم القاعدة لا الاستثناء. في المجال الأكاديمي التعليمي مثلاً، بما أنني أعمل فيه، هناك استخفاف ملحوظ ليس فقط بنوعية المادة العلمية بل وبنوعية مقدمها، لم يعد هناك تطلع للجودة العالية، فهذه تستهلك جهدا ووقتا ومالا يمكن أن يوضعوا جميعا للدفع بالأثرياء لأن يصبحوا أكثر ثراء عوضاً عن بذلها كلها في خلق معلمين أفضل ومادة تعليمية أكثر قيمة. ضاعت معايير الجودة إلا أن الساحة لم تخلُ من تنافس، إنما هو تنافس من نوع ثان، تنافس على التنافس إن صح التعبير. في مدارسنا الكويتية مثلاً، حيث يعاني التعليم الحالي من درجة مريبة من التدني الأدائي والتحصيلي، أصبح هناك تنافس على اجتياز المقررات الدراسية بأقل قدر من الجهد وأكبر قدر من الدرجات، استخداماً للوساطة أو ممارسة الغش، والتي أصبحت ظاهرة خطرة على الساحة التعليمية الكويتية، المهم أن يتم النجاح بأي طريقة عدا طريقة تحقيق تلقي معرفي حقيقي وفاعل. لا أعتقد أن المدارس الخليجية أو العربية عموماً في حال أفضل من المدارس الكويتية، وهو ما خلق حالة من اللامبالاة وعدم الاكتراث في المدارس العربية عامة، ليسود التافهون الجاهلون الذين يمتلك أهاليهم النفوذ و/أو الأموال لإنجاحهم وشراء الإجازات العلمية لهم، وليتصدروا هم المشهد اليوم، قياديين ومسؤولين ونوابا ومشرعين. إن ظاهرة شراء الشهادات العلمية المزورة هي كارثة تعليمية كويتية لا يزال المسؤولون حائرين في طريقة التعامل معها ومع أصحابها النافذين، ولا أخطر منها سوى ظاهرة بيع الشهادات المزورة المنتشرة في أنحاء العالم العربي القريب من الكويت والبعيد، هنا يشترون وهنا يبيعون، ليتحول التعليم إلى سلعة يبيعها ويشتريها التافهون.

نظرة سريعة على التعليم في العالم العربي تظهر لنا بوضوح خطوات "الصعود الى التفاهة": تسيد قواعد الانحطاط، فالسماح بالوساطة وتفعيل النفوذ، فتدهور متطلبات الجودة وغياب الأداء الرفيع، فانهيار القيم وتحييد الأكفاء وصولاً إلى تسيد التافهين تماماً كما تقول د الهاجري، قس على ذلك خطوات "الصعود" في كافة الجوانب الحياتية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الأخرى. في رأيي، التعليم هو المنطقة الأشد وجعاً، لربما أطرح هذا الرأي بغير موضوعية لأن المجال التعليمي هو مجال عملي، ولربما بقمة الموضوعية لأن التعليم هو البداية وهو المنتهى الأخير. في زمن ثوران المعارضة في الكويت بعد سنة 2012، كان أن قلت في حوار على تويتر أن الفساد السائد في الكويت أقل مظاهره هي سرقات المال العام الذي خرج الناس ليتظاهروا بسببه، الفساد الذي يجب أن يقلقوا منه هو فساد الواسطة والذي كان أحد أبرز وجوهه هو أحد أبرز وجوه المعارضة بحد ذاتها. قامت الدنيا وقتها بسبب اتهامي لرمز المعارضة بالمساهمة في الفساد، واليوم أزيد، لم يضف هو وأنماطه للفساد فقط، ولكن كذلك لنظام التفاهة الذي تسيد المشهد وهبط بالمعايير وحيد الأكفاء وأنعش سوق الأثرياء. إنه زمن التفاهة، زمن يرى في التزامك بقيمك ومعاييرك مبالغة وتزمتا، زمن يقول "فوت ولا تدقق حتى تعيش"، فهل نحن فعلاً نعيش؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
الصعود إلى تفاهة 32A5840E-D396-487C-9CF6-C08D7020A576.jpg Web Screenshot الصعود-الى-تفاهة 538116 غلاف كتاب "نظام التفاهة" 2019-12-24 18:06:39 1 2019-12-24 18:07:40 0

مواضيع ذات صلة

كيف يعمل "كلوروكوين"؟.. دواء الملاريا الذي أقرته أميركا لعلاج كورونا؟
كيف يعمل "كلوروكوين"؟.. دواء الملاريا الذي أقرته أميركا لعلاج كورونا؟

بعد أن أصبح تطوير لقاح ضد فيروس كورنا المستجد عملية تحتاج إلى مزيد من الوقت ربما أكثر من عام، بحسب ما صرح به الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أصبحت الحاجة إلى علاج فوري لإنقاذ حياة المصابين به أولوية ملحة.

ويوم الخميس أعلن ترامب عن موافقة إدارته على دواء للملاريا يسمى "هيدروكسي كلوروكوين" لاستخدامه لعلاج المصابين بكورونا وقال إن النتائج مبشرة.

وقال الرئيس الأميركي خلال مؤتمر صحافي عقده في البيت الأبيض: "سيكون بوسعنا توفير هذا الدواء بشكل فوري"، معتبرا أن ذلك قد "يبدل الوضع" بالنسبة لمكافحة فيروس كورونا المستجد.

  • فما هو هذا العلاج المستخدم أساسا لعلاج الملاريا وكيف يمكن أن يساهم في علاج المصابين بكورونا؟

المعلومات المتوافرة حول هذا العلاج تشير إلى أنه يتم تجربته حاليا في الولايات المتحدة والصين وأستراليا وفرنسا من أجل معرفة مدى فائدته لعلاج وباء كوفيد-19 الناتج عن الفيروس المستجد.

مؤسس شركة تسلا الملياردير الأميركي إيلون ماسك كان قد أشاد به قبل أيام ودعا إلى دراسته لأنه أنقذ حياته عام 2000 عندما كان مصابا بالملاريا.

وبالفعل هناك دراسات في الولايات المتحدة، من بينها دراسة يقوم بها فريق طبي من جامعة مينيسوتا في الغرب الأوسط الأميركي بمشاركة نحو 1500 مريض.

  • لكن ما العامل المشترك بين الملاريا التي يسببها طفيلي، ومرض كوفيد-19 الذي يسببه فيروس؟

التجارب المعملية أثبتت أن هذه العقار المستخدم منذ عام 1944 لعلاج الملاريا يمكن أن يستخدم لعلاج الفيروسات أيضا.

تشير الأبحاث العلمية إلى قدرة هذا العقار على منع وعلاج مرض متلازمة الالتهاب التنفسي الحاد (سارس) التي تصيب الجهاز التنفسي وأعراضها شبيهة بمرض كوفيد-19، وكلاهما ينتمى لعائلة كورونا.

تشمل أعراض "سارس" في المراحل الأولية الحمى والقشعريرة والآلام والصداع، والإسهال في بعض الأحيان، ثم تتطور إلى حمى شديدة وضيق التنفس، وقد تؤدي إلى الوفاة تماما مثلما يحدث مع المرض الجديد.

ونظرا لأن دواء الملاريا ثبتت فعاليته مع "سارس" كان بالأحرى دراسة تأثيره أيضا على مرضى كوفيد-19 .

وتبين أن "هيدروكسي كلوروكوين" يستطيع تقليص الجزيئيات الفيروسية عندما يصاب الشخص بفيروس، إذ يقوم هذا العقار بتثبيط عمل البروتينات المسؤولة عن الالتهابات التي تحدث بسبب الفيروس.

وتفسير ذلك أنه عندما يصاب شخص بعدوى فيروسية تتعلق النتوءات البروتينية الخاصة بالفيروس بمستقبلات على السطح الخارجي للخلايا البشرية. 

ويقوم "كلوروكوين" بالتدخل في عمل هذه المستقبلات، أي يعطل قدرة الفيروس على التعلق بالخلايا.

ووجد باحثون في الصين أنه باستخدام هذا العقار مع مرضى كوفيد-19 الذين يعانون من التهاب رئوي تمكنوا من تخفيف إصابتهم واستطاعوا الخروج مبكرا من المستشفى.

ويسعى الباحثون أيضا لمعرفة ما إذا كان بالإمكان استخدام هذا العقار أيضا للوقاية، أي منع حدوث الفيروس.

وحتى الآن تشير النتائج الواعدة أن هذا العقار يجب أن يستخدم فقط للمرضى أصحاب الحالات المتطورة، أي الأعراض الشديدة للفيروس، وليس من يعانون فقط من أعراض عادية شبيهة بالأنفلونزا.

 

المصدر: موقع الحرة