Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

داخل مسجد في الجزائر
داخل مسجد في الجزائر

527480 4

بابكر فيصل/

منذ دخول الحضارة الإسلامية طور الغيبوبة في القرن الثالث عشر الميلادي، ظلت محاولات البعث والإحياء المتقطعة تحقق اختراقات محدودة وتعجز عن بلوغ نقطة التحول المطلوب لإنجاز مهمة النهوض الحضاري التي طال غيابها بسبب الصراع المستمر بين "العقل والنقل" وأيهما سيقود قطار التغيير الهادف للحاق بركب الأمم المتقدمة.

وإذ ترتبط عملية التحول الفكري للأفراد بسياقات اجتماعية وسياسية عميقة، فإن الروايات الإسلامية التاريخية تجنح في أحيان كثيرة لإلحاق أبعاد متعالية لأسباب تلك التحولات وذلك بوضعها في إطار من الأسطرة التي تتسم بقدسية أو ماورائية فارقة يُعتقد أنها تعضد مصداقيتها وتؤكد شرعية المواقف المرتبطة بها.

في هذا الإطار أتناول في السطور التالية حادثتين متعاليتين "رؤى منامية" أوردتهما الروايات التاريخية وكان لهما أثرا كبيرا في إحداث تحولات جذرية في مسار الفكر والتطور الحضاري، بحيث ارتبطت الأولى منهما بالصعود الكبير الذي شهدته الحضارة الإسلامية بينما لعبت الثانية دورا حاسما في الانحدار الذي أدى لتدهور وأفول تلك الحضارة.

كرَّست الأشعرية على الصعيد السياسي الاستبداد واستمرار الظلم

ليس الغرض من تناول تلك الرؤى المنامية في هذه السطور تأكيدها أو نفيها، بل محاولة النظر في الكيفية التي تسعى من خلالها المرويات لتفسير التحولات الفردية والمجتمعية بعيدا عن أسبابها الاجتماعية والسياسية والتاريخية.

بلغت الحضارة الإسلامية أوجها في القرن العاشر الميلادي/الرابع الهجري، حيث أثمرت في العلم والفلسفة مذاهب ونظريات لها طابعها الخاص الذي يدعو لتفسير الحياة والوجود تفسيرا يستند إلى التوحيد الإلهي، ولا شك أنه لم يتأت لهذه الحضارة أن تبدع ما أبدعته إلا بعد قرون شغلت فيها بالنقل والاطلاع على تراث الأمم القديمة التي سبقتها خصوصا اليونان، الذين شكلت فلسفتهم الرافد الرئيسي الذي نهلت منه حضارة الإسلام.

كان الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور أول من اعتنى بالعلوم ولكن الخليفة العباسي السابع عبد الله المأمون بن هارون الرشيد كان أكبر من دعم الحركة العلمية، حيث أنشأ "بيت الحكمة" وأمر بترجمة الكتب في مختلف الفنون والعلوم، وكان يُعطي وزن ما يُترجم ذهبا مما أدى إلى توافد العلماء والمترجمين ورواج صناعة العلم والأدب والفنون والنقل والترجمة.

ذكر ابن النديم في كتابه "الفهرست" السبب الذي دفع المأمون للاهتمام بالفلسفة والعلوم والإعلاء من شأن العقل في مقابل النقل قائلا:

"إن أحد الأسباب في كثرة كتب الفلسفة وغيرها في البلاد الإسلامية أن المأمون رأى في منامه كأن رجلا أبيض اللون مُشربا بالحمرة، واسع الجبهة مقرون الحاجب، أجلخ الرأس أسهل العينين حسن الشمائل جالسا على سريره، قال المأمون: وكأني بين يديه قد ملئت له هيبة فقلت من أنت؟ قال: أرسطاطاليس، فسررت به وقلت أيها الحكيم أأسألك، قال: سل، قلت ما الحسن؟ قال: ما حسن في العقل، قلت ثم ماذا: قال ما حسن في الشرع، قلت ثم ماذا: قال ما حسن عند الجمهور، قلت ثم ماذا؟ قال ثم لا ثم".

الرؤيا المنامية التي أوردها ابن النديم فتحت المجال لخلق جو علمي زاهر في بغداد وبرز العلماء في شتى أنحاء الدولة العباسية، كما ظهر فلاسفة مسلمين كبار أمثال، يعقوب الكندي، الذي خلّف آثارا علمية في الفلسفة والفلك والرياضيات والطب وعلم الحيوان والجغرافيا والموسيقى والتشفير وعلوم كثيرة غيرها، ومضت القرون الإسلامية حُبلى بالعلماء والفلاسفة الذين لم يكتفوا بنقل علوم اليونان، بل شرحوها وطوروها وأنتجوا مفاهيم ومعارف جديدة.

ومثلما كانت رؤيا الخليفة المأمون سببا في ازدهار الحضارة الإسلامية بإعلاء شأن العقل، فإن رؤيا أخرى للفقيه، أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، مثلت ركنا أساسيا من أركان التدهور الذي أصاب تلك الحضارة حتى وصلت حالة الجمود والموت السريري.

نشأ الأشعري في رعاية شيخ المعتزلة أبي علي الجبائي، وظل معتنقا لمذهب الاعتزال مدافعا عنه بالمناظرة والمناقشة حتى بلغ سن الأربعين حيث كان يشار إليه بأنه رأس المعتزلة، ثم حدث له تحول فكري شكل علامة فارقة في الحياة الإسلامية الاعتقادية.

يروي الإمام تاج الدين السبكي في كتابه "طبقات الشافعية الكبرى" قصة التحول العقيدي الذي وقع للأشعري، حيث غاب الأخير عن الناس في بيته خمسة عشر يوما ثم خرج إلى الجامع وصعد المنبر وقال:

"معاشر الناس، إنما تغيبت عنكم هذه المرة، لأني نظرت فتكافأت عندي الأدلة، ولم يترجح عندي شيء على شيء، فاستهديت الله تعالى، فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده، كما انخلعت من ثوبي هذا، وانخلع من ثوب كان عليه ورمى به، ودفع الكتب التي ألفها على مذاهب أهل السنة إلى الناس".

وحكى عن مبدأ رجوعه أنه كان نائما في شهر رمضان، فرأى النبي (ص) فقال له: يا علي أنصر المذاهب المروية عني، فإنها الحق. فلما استيقظ دخل عليه أمر عظيم، ولم يزل مفكرا مهموما من ذلك وكانت هذه الرؤيا في العشر الأول، فلما كان العشر الأوسط، رأى النبي (ص) في المنام ثانيا فقال: ما فعلت فيما أمرتك به؟

فقال: يا رسول الله، وما عسى أن أفعل وقد خرجت للمذاهب المروية عنك محامل صحيحة؟! فقال لي: انصر المذاهب المروية عني فإنها الحق.. فاستيقظ وهو شديد الأسف والحزن، وأجمع على ترك الكلام، واتباع الحديث وملازمة تلاوة القرآن.

فلما كانت ليلة سبع وعشرين، وكان من عادته سهر تلك الليلة أخذه من النعاس ما لم يتمالك معه السهر، فنام وهو يتأسف على ترك القيام فيها فرأى النبي (ص) ثالثا، فقال له: ما صنعت فيما أمرتك به؟ فقال: تركت الكلام يا رسول الله، ولزمت كتاب الله وسنتك.

فقال له: أنا ما أمرتك بترك الكلام، إنما أمرتك بنصرة المذاهب المروية عني، فإنها الحق. قال: قلت يا رسول الله، كيف أدع مذهبا تصورت مسائله، وعرفت دلائله منذ ثلاثين سنة، لرؤيا؟

قال: فقال لي: لولا أني أعلم أن الله يمدك بمدد من عنده، لما قمت عنك حتى أبين لك وجوهها، فجدّ في ذلك، فإن الله سيمدك بمدد من عنده فاستيقظ وقال: ما بعد الحق إلا الضلال، وأخذ في نصرة الأحاديث في الرؤية والشفاعة والنظر وغير ذلك. وكان يفتح عليه من المباحث والبراهين لما لم يسمعه من شيخ قط، ولا اعترضه به خصم، ولا رآه في كتاب.

العالم الإسلامي اليوم في حاجة ماسة لاستعادة دور العقل في ريادة عملية التغيير

أطلق الأشعري بعد تلك الرؤيا نظرية في العقيدة هيمنت على العقل المسلم وأعلت من شأن النقل وبلورت طريقة في التفكير تقوم على الاستدلال بالخبر وتعتبر النص أصلا لكل معرفة، ولم يقتصر أثرها السلبي في تعطيل دور العقل على قضايا العقيدة أو الأمور الفقهية بل امتدت إسقاطاته لتشمل كافة النواحي المعرفية والعلمية والسياسية والاجتماعية في المجتمعات العربية والإسلامية.

قد كرَّست الأشعرية على الصعيد السياسي الاستبداد واستمرار الظلم، وذلك عبر إنكارها لحرية إرادة الإنسان وفاعليته، ودعوتها إلى الصبر على الحاكم ولو كان ظالما مستبدا. كما أنها عملت على تقويض العلم بنفيها لمبدأ السببية في ظواهر الطبيعة، وهو المبدأ الذي يمثل ركنا أساسيا من أركان العلم.

لا شك أن العالم الإسلامي اليوم في حاجة ماسة لاستعادة دور العقل في ريادة عملية التغيير بعد أن ساد النقل لقرون طويلة أدت لحالة الجمود الحضاري التي أقعدت بالمسلمين وجعلتهم يقبعون في مؤخرة ركب الأمم بعد أن بلغوا شأوا كبيرا في التطور كانت ذروته في القرن الرابع الهجري.

اقرأ للكاتب أيضا: ماذا حققت الثورة السودانية في عامها الأول؟

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

رؤيا ورؤيا 75ED02EF-1CC2-4C3D-A6A6-19E284CF2D64.jpg AFP رؤيا-ورؤيا 538324 داخل مسجد في الجزائر 2020-01-01 16:18:12 1 2020-01-01 16:28:58 0

مواضيع ذات صلة

قاصفة B-2 أثناء تحليقها رفقة طائرتين F-117 شبحيتين في عام 2001
قاصفة B-2 أثناء تحليقها رفقة طائرتين F-117 شبحيتين في عام 2001

حذر خبراء عسكريون من عواقب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخاصة بتقليص ميزانية البنتاغون لعام 2021.

ويريد البنتاغون إخراج طائرات حربية، ومسيرة، وسفنا من الخدمة بالرغم أن بعضها لا يتعدى عمره عقدين من الزمن، وذلك لتوفير مليارات الدولارات من أجل تطوير وشراء أسلحة جديدة. ويقول مسؤولون بوزارة الدفاع إن تلك الإجراءات ضرورية للفوز في حرب ضد الصين وروسيا.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية هذا العام، قد تكون ميزانية عام 2021 هي آخر فرصة لإدارة الرئيس ترامب لتشكيل مستقبل القوات المسلحة الأميركية خلال العقد المقبل، بحسب موقع "ديفنس نيوز".

وتريد إدارة ترامب تخصيص مبلغ قدره 740.5 مليار دولار لشؤون الدفاع في ميزانية 2021، حيث سيتم تحويل 713 مليار دولار إلى البنتاغون (أقل بنسبة 1.1 بالمئة عن العام الماضي)، فيما سيتم تحويل الـ 35 مليار دولار المتبقية إلى مشاريع الأمن القومي التي تشرف عليها وزارة الطاقة وبقية المؤسسات الحكومية.

وكانت ميزانيتا الدفاع خلال العامين الماضيين ينفقان بشكل أساسي على الجهوزية العسكرية، خاصة التدريب وصيانة القوات. والآن سيكون الإنفاق مخصصا لتطوير جيل جديد من الأسلحة، إذ سيكون هناك 107 مليارات دولار مخصصة لذلك في ميزانية 2021، في حين ستنخفض المشتريات من 144 مليار دولار إلى 137 مليار دولار.

وقال مارك كانكان، مسؤول سابق في مكتب الإدارة والميزانية الأميركية، لموقع "ديفنس نيوز"، إن "الميزانية كانت في ارتفاع، لكن الآن أصبحت القوات أصغر، وهو الأمر الذي ستبنى على أساسه الميزانية الجديدة".

وأضاف تقرير "ديفنس نيوز"، أنه بموجب الميزانية الجديدة في حال إقرارها من جانب الكونغرس، ستحيل القوات الجوية وحدها مئات الطائرات الحربية خلال الأعوام الخمس القادمة، بما في ذلك قاذفات B-1، وطائرات A-10 الهجومية، ومقاتلات F-15 وF-16، وطائرات شحن 130H، وطائرات التزود بالوقود مثل KC-10، وKC-135K، وطائرات مسيرة للتجسس من طراز "غلوبال هوك"، إلى التقاعد.

وسيؤدي ذلك إلى تقليص عدد الأساطيل الجوية، وتقليص القدرة وزيادة الضغط على الطائرات بدون تقليص لنسبة الإمداد أو متطلبات التدريب، بحسب "ديفنس نيوز".

وقال الخبير بميزانية الدفاع في مؤسسة CSIS، تود هاريسون، "إنهم (البنتاغون) بذلك يضرون أنفسهم، لأنهم يضمنون أنهم سيحصلون على بنية لقوات أصغر في المستقبل من خلال إجراء تقليصات جزئية في الأسطول".

وأضاف هاريسون "إذ تمت إحالة جميع الأساطيل إلى التقاعد، فإنه بذلك سيتم توفير الكثير في الميزانية، ثم يمكنك شراء أسطول أكبر في المستقبل".

وكان المشرعون قد رفضوا أكثر من مرة طلب القوات الجوية الأميركية بإحالة طائرات A-10 الحربية على التقاعد، فيما تطالب البحرية الأميركية إحالة أربع سفن للتقاعد. ويريد الجيش الإميركي إلغاء 41 برنامجا وتأخير أو قطع تمويل 39 آخرين، ما سيوفر نحو 13.5 مليار دولار في الفترة بين 2021 و2025.

وينوي البنتاغون وضع الأموال التي سيتم توفيرها من إحالة الأسلحة القديمة إلى التقاعد، في أسلحة جديدة، بما في ذلك الأسلحة الطائرة الخارقة لسرعة الصوت، وأسلحة الذكاء الاصطناعي، والمئات من الأقمار الصناعية الجديدة الصغيرة الحجم.

وتسعى الميزانية الجديدة إلى تخصيص 29 مليار دولار للأسلحة النووية، أي بزيادة 18 بالمئة عن ميزانية 2020، ومن المقرر أن تذهب الأموال إلى برنامج الصواريخ البالستية العابرة للقارات الجديد، وقاذفات B-21 الشبحية، وغواصات الصواريخ البالستية من طراز كولومبيا، وشبكة حاسوبية جديدة لنقل رموز الإطلاق من الرئيس إلى الأطقم الموكلة بالإطلاق.

وأوضح هاريسون أن القوات الأميركية تسير بسرعة نحو المرحلة القادمة، بحيث يصعب العودة إلى الخلف في حال قدوم إدارة جديدة.

كما يريد البنتاغون في الميزانية الجديدة تخصيص 18 مليار دولار للأقمار الصناعية الجديدة، وسفن الفضاء، وتعزيز قوات الفضاء الأميركية التي تم تأسيسها مؤخرا.

 

المصدر: موقع الحرة