Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تونسيون يرفعون شعارات مطالبة بإقرار العلمانية (2011)

529377 4

د. ابتهال الخطيب/

لم ينقطع الحوار، على إحراج استمراريته، حول العلمانية في عالمنا العربي الإسلامي في يوم، وهو ليس حوارا بالمعنى الدقيق، هو معركة، يتهم من خلالها المتدينون العلمانيين بالكفر والإلحاد، ويدافع من خلالها العلمانيون بشكل بائس ومثير للشفقة واعتذاري متخف خلف ألف عذر وتبرير عن هذه العلمانية رغم قدمها وانتهاء الحوار العالمي واقعيا حولها، فهي اليوم تحصيل حاصل، جزء لا يتجزأ من المنظومة المدنية الإنسانية، لا تحتاج تسمية ولا تحتمل نقاش.

أشارك في هذا الحوار المسكين من فترة لأخرى، أتناظر وأتناقش وأحاور، وطوال الوقت أشعر وكأنني خارج منظومة الزمن، كأنني ألوك وأجتر بلا هوادة، وبما أصبح مدعاة سخرية وشفقة، ما بلعه بقية العالم وتغذى عليه وكبر وقوى به.

قبل سنتين كنت طرفا مناظرا حول العلمانية، وقبل أشهر قدمت ندوة حولها، وقبل أيام دار صراع تويتري بشأنها ربط خلالها المتحاورون بشكل سريالي غريب بين العلمانية والفاشية والنازية وإلحاد هتلر (وهو غير حقيقي) ووحشية ستالين (وهي غير ذات علاقة)، بل إن إحداهن كتبت تقول ما معناه إنه بينما العلمانية "لا تأمر بالإجرام لكن لا تمنعه" وهي الجملة التي بقيت أتأملها مطولا دون أن أعرف كيف يمكن فعليا الرد عليها.

العادات والتقاليد والسلطة الاجتماعية تفوق قواها الردعية بمراحل قوى القانون والسلطة السياسية

وددت لو أقول لها إنه بذات المنطق يمكن القول بأن الأديان الحديثة (والقديمة كذلك) لا تأمر بالعبودية لكن لا تمنعها إلا أن هذه الجملة، بلا معنى حقيقي وبلا حجة ذات صلة، ستكون استعدائية وستقود إلى نقاش بعيد عن الفحوى.

وعليه، فقد قلت شيئا آخر؛ قلت إن العلمانية ليست حلا سحريا، هي لا تحل المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ولا تكشف المستقبل ولا تشفي العليل ولا توفق رأسين بالحلال، هي ببساطة فكرة سياسية، استُنبِطت من فكر فلسفي أسبق عميق، تشير إلى أن استقرار المجتمع يكمن في التعامل السياسي والقانوني العادل مع كل أطرافه، ولذا، على الدولة الحديثة أن تقف على بعد واحد من كل مواطنيها بدياناتهم، ولا يتحقق ذلك سوى بفصل السياسة والقانون عن السلطة الدينية.

ولقد كتبت الدكتورة مشاعل الهاجري في مقدمتها لكتابها المترجم "نظام التفاهة" تقول "لدينا مصطلحات يرفضها العقل الجمعي العربي ابتداء، حتى أن باب النقاش بشأنها صار يقفل من قبل أن يبدأ. من هنا، ولضمان السلامة، أصبح من الأسلم الاستعاضة عن كلمة "علمانية" بكلمة "مدنية"، وعن "الفلسفة" بـ "التفكير النقدي"، واحتالت بعض الدول العربية على الحساسية الدينية فاستبدلت كلمة "قانون" بكلمة "نظام" وكلمة "فائدة" تحولت إلى "مرابحة"، وهكذا دواليك" (44).

أتذكر قبل فترة أن تجمع عدد من الشباب والناشطين في محاولة لخلق تنظيم علماني واضح في الكويت، وكان أول ما فككه هو الاختلاف على التسمية، فمنا من أصر، وأنا واحدة من هؤلاء، على أن تكون التسمية واضحة مباشرة مع السعي الحثيث على تغيير فهم الناس لها ومَنطَقة معناها من خلال الأمثلة التاريخية والفلسفية؛ وجزء آخر منا من أصر على تغيير التسمية لتسهيل الحصول على تصريح إنشاء التنظيم أولا ولتخفيف وقع "فعلتنا" على الناس ثانيا، كيف سيكون هناك أعضاء راغبين بالانضمام لتكوين اسمه فيه كلمة تشير للإلحاد طبقا للعقلية العربية المسلمة؟ من هنا فشلت الفكرة قبل أن تبدأ.

بعد ذلك بفترة، أنشأ مجموعة من الأصدقاء الجمعية الليبرالية في الكويت، والتي ما انفكت المصائب تقع على رؤوس مؤسسيها منذ توقيت إنشائها، فمن مشاكلها مع وزارة الشؤون الاجتماعية التي حلت مجلس إدارتها ودفعت بهم لتغيير بعض شخوصه إلى متاعبها مع المعنى المتجذر لتسميتها في عقول الناس والذي يشير للانحلال والخروج عن كل الأعراف والتقاليد. تتصارع هذه الجمعية بشكل يومي مع محيطها، ويعاني منتسبيها كل يوم ومع كل محاولة منها لتقديم نشاط أو إثبات موقف.

كيف يا ترى تتصارع، بأخلاقية، مع فكرة هلامية، مع مفهوم غير موجود، مع معنى غير حقيقي، ومع طرف لا يريد أن يسمع أصلا ممن عنونهم كفار عبيد الإمبريالية الغربية؟ نأتي بأمثلة من التاريخ، نتحدث عن فلسفة ابن رشد كأحد أوائل منظري العلمانية بما يدل على أن هذه الفلسفة هي نتاج فكر إنساني تراكمي قديم.

نقدم حالات علمانية معاصرة كتركيا المسلمة وأميركا المسيحية (مع التحفظ على توصيف الدول دينيا فيم التوصيف الصحيح هو لقاطنيها)، نبين مسيحية هتلر التي أقرها هو بنفسه في كتاباته، نسوق مثال الحريات الدينية الموجودة في الدول الغربية العلمانية وما تتيحه هذه الحريات المحفوظة بعلمانية القوانين من فرص بناء المعابد ومن حرية ليس فقط ممارسة الدين ولكن نشره وتسويقه كذلك.

كيف يا ترى تتصارع، بأخلاقية، مع فكرة هلامية، مع مفهوم غير موجود

نخلق عالما خياليا لدولنا العربية بتحولها للعلمانية لنثبت من خلال هذه القراءة المتخيلة للوضع أن مجتمعاتنا لا يمكن أن تصبح متحررة في يوم بدرجة تحرر المجتمعات الغربية، حيث أن العادات والتقاليد والسلطة الاجتماعية تفوق قواها الردعية بمراحل قوى القانون والسلطة السياسية، مما سيبقي محافظة دولنا قيد العناية والتطبيق.

نزيد ونعيد ونجتر كلاما بائدا قديما، ما عاد أحد في العالم يقوله، نناقش ونناظر حول مفهوم هو بذاته أصبح تحصيلا حاصلا وشيئا من الماضي، نلف وندور ونغير العلمانية إلى مدنية، الليبرالية إلى "حرية مقننة" ونحاول بشتى الطرق، التي تبدو مسكينة أحيانا ومبتذلة أحايين أخرى، لنثبت محافظة العلمانيين، أنهم ليسوا منحلين، أنهم يصلون العصر في وقتها، كل ذلك ولا فائدة، نلف ونعود لرأس الاتهام: كلنا كفار.

تقول د. الهاجري في طرحها لحل لهذه المعضلة اللانهائية أنه "لا بد من تعلم لغة عالمية يتكلمها الجميع، هذه اللغة تسمى المنطق، وأبجديتها هي الأفكار، أما حروف العلة فيها التي تربط بين حروف هذه اللغة وكلماتها فيسمون فلاسفة وأدباء" (45)، ولكن السؤال الكوميدي يبقى ملحا: "نعرف إيه عن المنطق" يا ترى؟

اقرأ للكاتبة أيضا: سقطت التفاحة.. فكانت الفكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

 

كلنا كفار 7B6912F2-FE2C-4A1B-9CC7-DEFFDF6F7031.jpg AFP كلنا-كفار 538863 تونسيون يرفعون شعارات مطالبة بإقرار العلمانية (2011) 2020-01-14 17:48:16 1 2020-01-14 17:50:12 0

مواضيع ذات صلة

قاصفة B-2 أثناء تحليقها رفقة طائرتين F-117 شبحيتين في عام 2001
قاصفة B-2 أثناء تحليقها رفقة طائرتين F-117 شبحيتين في عام 2001

حذر خبراء عسكريون من عواقب خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الخاصة بتقليص ميزانية البنتاغون لعام 2021.

ويريد البنتاغون إخراج طائرات حربية، ومسيرة، وسفنا من الخدمة بالرغم أن بعضها لا يتعدى عمره عقدين من الزمن، وذلك لتوفير مليارات الدولارات من أجل تطوير وشراء أسلحة جديدة. ويقول مسؤولون بوزارة الدفاع إن تلك الإجراءات ضرورية للفوز في حرب ضد الصين وروسيا.

ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية هذا العام، قد تكون ميزانية عام 2021 هي آخر فرصة لإدارة الرئيس ترامب لتشكيل مستقبل القوات المسلحة الأميركية خلال العقد المقبل، بحسب موقع "ديفنس نيوز".

وتريد إدارة ترامب تخصيص مبلغ قدره 740.5 مليار دولار لشؤون الدفاع في ميزانية 2021، حيث سيتم تحويل 713 مليار دولار إلى البنتاغون (أقل بنسبة 1.1 بالمئة عن العام الماضي)، فيما سيتم تحويل الـ 35 مليار دولار المتبقية إلى مشاريع الأمن القومي التي تشرف عليها وزارة الطاقة وبقية المؤسسات الحكومية.

وكانت ميزانيتا الدفاع خلال العامين الماضيين ينفقان بشكل أساسي على الجهوزية العسكرية، خاصة التدريب وصيانة القوات. والآن سيكون الإنفاق مخصصا لتطوير جيل جديد من الأسلحة، إذ سيكون هناك 107 مليارات دولار مخصصة لذلك في ميزانية 2021، في حين ستنخفض المشتريات من 144 مليار دولار إلى 137 مليار دولار.

وقال مارك كانكان، مسؤول سابق في مكتب الإدارة والميزانية الأميركية، لموقع "ديفنس نيوز"، إن "الميزانية كانت في ارتفاع، لكن الآن أصبحت القوات أصغر، وهو الأمر الذي ستبنى على أساسه الميزانية الجديدة".

وأضاف تقرير "ديفنس نيوز"، أنه بموجب الميزانية الجديدة في حال إقرارها من جانب الكونغرس، ستحيل القوات الجوية وحدها مئات الطائرات الحربية خلال الأعوام الخمس القادمة، بما في ذلك قاذفات B-1، وطائرات A-10 الهجومية، ومقاتلات F-15 وF-16، وطائرات شحن 130H، وطائرات التزود بالوقود مثل KC-10، وKC-135K، وطائرات مسيرة للتجسس من طراز "غلوبال هوك"، إلى التقاعد.

وسيؤدي ذلك إلى تقليص عدد الأساطيل الجوية، وتقليص القدرة وزيادة الضغط على الطائرات بدون تقليص لنسبة الإمداد أو متطلبات التدريب، بحسب "ديفنس نيوز".

وقال الخبير بميزانية الدفاع في مؤسسة CSIS، تود هاريسون، "إنهم (البنتاغون) بذلك يضرون أنفسهم، لأنهم يضمنون أنهم سيحصلون على بنية لقوات أصغر في المستقبل من خلال إجراء تقليصات جزئية في الأسطول".

وأضاف هاريسون "إذ تمت إحالة جميع الأساطيل إلى التقاعد، فإنه بذلك سيتم توفير الكثير في الميزانية، ثم يمكنك شراء أسطول أكبر في المستقبل".

وكان المشرعون قد رفضوا أكثر من مرة طلب القوات الجوية الأميركية بإحالة طائرات A-10 الحربية على التقاعد، فيما تطالب البحرية الأميركية إحالة أربع سفن للتقاعد. ويريد الجيش الإميركي إلغاء 41 برنامجا وتأخير أو قطع تمويل 39 آخرين، ما سيوفر نحو 13.5 مليار دولار في الفترة بين 2021 و2025.

وينوي البنتاغون وضع الأموال التي سيتم توفيرها من إحالة الأسلحة القديمة إلى التقاعد، في أسلحة جديدة، بما في ذلك الأسلحة الطائرة الخارقة لسرعة الصوت، وأسلحة الذكاء الاصطناعي، والمئات من الأقمار الصناعية الجديدة الصغيرة الحجم.

وتسعى الميزانية الجديدة إلى تخصيص 29 مليار دولار للأسلحة النووية، أي بزيادة 18 بالمئة عن ميزانية 2020، ومن المقرر أن تذهب الأموال إلى برنامج الصواريخ البالستية العابرة للقارات الجديد، وقاذفات B-21 الشبحية، وغواصات الصواريخ البالستية من طراز كولومبيا، وشبكة حاسوبية جديدة لنقل رموز الإطلاق من الرئيس إلى الأطقم الموكلة بالإطلاق.

وأوضح هاريسون أن القوات الأميركية تسير بسرعة نحو المرحلة القادمة، بحيث يصعب العودة إلى الخلف في حال قدوم إدارة جديدة.

كما يريد البنتاغون في الميزانية الجديدة تخصيص 18 مليار دولار للأقمار الصناعية الجديدة، وسفن الفضاء، وتعزيز قوات الفضاء الأميركية التي تم تأسيسها مؤخرا.

 

المصدر: موقع الحرة