في هذا الحوار مع "أصوات مغاربية"، يتطرق مستشار العاهل المغربي محمد السادس، أندري أزولاي، لعلاقات المغرب مع اليهود المنحدرين منه المقيمين بإسرائيل عقب إعادة الرباط علاقاتها الرسمية مع تل أبيب، وتدبير المغرب للتعايش بين اليهودية والإسلام عبر التاريخ، ودور حوار الأديان في إنهاء الصراع .
إليكم نص المقابلة:
- بماذا يختلف المغرب عن باقي الدول التي أقامت علاقات رسمية مع إسرائيل؟
المغرب في هذا الإطار يمثل استثناء ويجسد حالة خاصة في التاريخ اليهودي، والتي لن تجدها في أي مكان آخر.
هناك مليون مغربي اختاروا، ولم يجبرهم أحد على ذلك، المحافظة على تاريخهم وهويتهم وعاداتهم ولغتهم وأدبهم وأيضا مطبخهم وموسيقاهم، مهما كانت البيئة حيث يعيشون.
وأنا جد منبهر بهذه المصالحة وخاصة قولهم إن المغرب، الذي هو بلدنا، ليس فقط الأرض التي تطأ أقدمانا ترابه، بل هو البلد الذي يسكن عقولنا وقلوبنا.
كنا نفضل ونحلم أن يبقى هؤلاء اليهود المغاربة هنا في وطنهم المغرب
نعم بالتأكيد، كنا نفضل ونحلم أن يبقى هؤلاء اليهود المغاربة هنا في وطنهم المغرب، ولكن في كل الحضارات الكبيرة، مسار التاريخ ليس متصلا وثابتا، بل متعرج ومتقطع كما علمتنا التجارب المختلفة السابقة، هناك دائما صعود وهبوط.
هذا الاختيار الذي قام به العديدون منا هو عبارة عن اتفاق جماعي قد انخرطوا فيه، فهو ليس فقط خيارا فُرض من الأعلى على من هم في الأسفل، بل نحن نعيش لحظة استثنائية، حيث هناك مقاربة تمت من أعلى إلى الأسفل وتفاعل من الأسفل إلى الأعلى، ما خلق توافقا نرى فيه أن صانع القرار يلتقي مع القاعدة في مستوى واحد من الرؤية في مجتمعنا. ومجتمعنا لم يسبق أن اتخذ موقفا على موضوع بهذا القدر من التوافق المطلوب. إنها لسعادة كبيرة.
لأن هذا الواقع لم يكن ممكنا قبل 20 أو 30 سنة الماضية، لم نكن نستطيع تصديق ذلك حينها، لكن تمكنا من تحقيقه لكونه خيارا منطقيا يقوم على حقائق تاريخية لا يمكننا التشكيك فيها. الأمر ليس تجميلا أو ركوبا على موجة معينة، فهذا ليس موقفا سياسويا أو ترجمة لخيار ديبلوماسي أو استراتيجي وليد اللحظة.
لكل هذا، أدعو قراءكم إلى تقبل الأمر من منظور الواقع المغربي أكثر من المنظور العالمي.
- هل يكون الاتفاق المغربي الإسرائيلي نقطة تحول تدعو جزءا من يهود المغرب إلى العودة إلى العيش بالمغرب؟
المشكل ليس هو معرفة إن كان هؤلاء المغاربة اليهود سيعودون يوما إلى الوطن حيث رأوا النور هم أو آباءهم أو أجدادهم. بالنسبة لي فالتحدي الأكبر هو أن تبقى هذه "التامغرابيت" المعلنة والقائمة في الحمض النووي لأكثر من مليون شخص، حية ومستمرة في الزمن من أجل أن تبقى أيضا رافدا لهذا الشعور والحس الوطني.
- هل ترون أن إعادة العلاقات مع إسرائيل بشكل رسمي هي فرصة لإعادة كتابة تاريخ اليهود المغاربة؟
تاريخ اليهودية بالمغرب لم يبدأ مع هذه الاتفاقيات الأخيرة، وليس عبرها يجب قراءة تاريخ اليهودية بالمغرب.
نحن لدينا قصة مختلفة كليا عن باقي الدول العربية الأخرى. فنحن هنا قبل آلاف السنين، فاليهودية جاءت إلى الأرض المغربية قبل حوالي ألف سنة من قدوم الإسلام. إذن فنحن نتحدث عن شيء ثقيل في ميزان التاريخ.
اليهودية جاءت إلى الأرض المغربية قبل حوالي ألف سنة من قدوم الإسلام. إذن فنحن نتحدث عن شيء ثقيل في ميزان التاريخ
وحتى عندما لم تكن قصتنا مختلفة كثيرا عن بعض الدول العربية، أتحدث هنا عن الاستمرارية في الوقت، خاصة عندما نذكر العراق وحضارة بابل، واليمن أيضا، فهذه بلدان عرفت تاريخا يهوديا أقدم من المغرب، لكن حينما نتحدث عن تطور اليهودية خلال تاريخ وجودها في البلدان العربية، فإن تطورها بالمغرب كان مختلفا جدا.
ومدينة الصويرة تعد أفضل نموذج لما أقول، فالصويرة كانت مكانا خاصا ونادرا في الإسلام، عرف لأكثر من قرن، تعايشا ودينامية خاصة بين اليهود والمسلمين، لم نرها في أي مكان آخر على أرض مسلمة.
بل أكثر من ذلك، دائما ما كان اليهود أقلية على أرض الإسلام، حسب القاعدة، ولكن الاستثناء الوحيد الذي أعرفه، هو الصويرة (موكادور) خلال نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر، حيث كانت غالبية السكان من اليهود والأقلية من المسلمين، وهذا لم يحدث في أي مكان على أرض مسلمة. وبالتالي فإن الأفراد الذين أنتجتهم هذه البقعة الجغرافية لا يمكن أن يكونوا بأي شكل من الأشكال مشابهين لليهود في مناطق أخرى.
فالسببية التاريخية بالمغرب لا يمكن أن تكون مماثلة لبلدان أخرى، لا على مستوى العلاقات، أو القرب أو الفهم أو الاحترام المتبادل أو أيضا في مظاهر الحياة اليومية، التي بنيت هنا بازدواجية عيش (مسلم – يهودي) منذ المدرسة مرورا بالمعبد أو المسجد.
نحن مغاربة الصويرة نشعر أننا حاملون لتاريخ مختلف، لأن ما حدث هنا مختلف وأفرز بطبيعة الحال أفرادا مختلفين، خاصة على مستوى العلاقات الثنائية (يهودي - مسلم)، وذلك نتاج البنية الديمغرافية وعامل الزمن، كما أشرت.
- في الصويرة، و"بيت الذاكرة" تحديدا، هل سجلتم إقبالا كبيرا وزيارات للمغاربة اليهود المقيمين بإسرائيل بعد إطلاق الرحلات المباشرة؟
يأتون بالمئات، وحتى خلال فترة تفشي وباء كورونا التي عشناها، جاءوا بالمئات والآلاف ويستمرون في القدوم، يمكنكم رؤية ذلك فهم يأتون كل يوم.
لم تنقطع صلاتهم بالمغرب. أود هنا أن أوضح شيئا، ما يحدث هنا ليس ظرفيا ولا يقاس بعدد الأشخاص الذي يزورون المكان.
هذا المكان قائم من أجل رواية التاريخ ببنط عريض، وهذه الرواية تقول إن عدد الزوار من المسلمين أكثر من الزوار اليهود. هم مسلمون من كل الفئات العمرية، عشت قصصا هنا معهم دفعتني للبكاء بسبب قوة اللحظة.
التقيت هنا بزوار تتجاوز أعمارهم الثمانين سنة، جاؤوا من بني ملال، دمنات، دبدو، طنجة وفاس، ببساطة من أجل أن يعيشوا هذه اللحظة، رأيت أيضا أطفالا أعمارهم تتراوح أعمارهم بين 5 و6 سنوات، كانوا منبهرين من ما حكي لهم عن أجدادهم.
- المغاربة اليهود المقيمون بإسرائيل أو بالعالم، كيف يسعى المغرب بعد إعادة العلاقات رسميا مع إسرائيل إلى تمكينهم من الانصهار مع مواطنيهم في المغرب، خصوصا الأجيال الصاعدة من الشباب؟
جواب واحد في كلمة واحدة: التعليم.
فهنا في الصويرة، تم التوقيع قبل سنتين تقريبا، على إدراج المناهج الدراسية الجديدة من أجل تعليم أبنائنا تاريخهم كاملا، تاريخ تنوع مجتمعهم، والأدوار التي لعبها المغاربة ممن يدينون باليهودية في هذا البلد.
من بين الزوار الذين نستقبلهم بشكل منتظم هنا في "بيت الذاكرة"، هناك طلاب الثانويات وتلاميذ المستويات الأولى من التعليم الأولي القادمين من كل مكان. وهنا أيضا تنظيم العشرات من الندوات واللقاءات بشكل مستمر. وهذا يجعلني متفائلا جدا.
- كيف يمكن جعل حوار الأديان قائما بشكل دائم وتحويله إلى قاعدة في تعاملنا مع الدين؟
التاريخ لا يبدأ مع الأديان ولا ينتهي مع الأديان. التاريخ شمولي وعام، إنه تاريخ حياة كاملة.
بالنسبة لي ديانتي تساعدني على رؤية الآخر وفهم أفضل للآخر وخلق علاقة معه، تلك المبنية على الكرامة والاحترام المتبادل.
ديانتي تفرض علي أن أطالب وأسعى إلى أن يستفيد الآخر أيضا من نفس حقوق الكرامة والعدل والحرية التي أتمتع بها. هذه هي قراءتي للدين الذي أعتنقه. فإن لم أنخرط في هذا التصور الذي أخذته من الحاخامات والمدرسين هنا بالصويرة، فإن يهوديتي وهويتي ستكونان في خطر.
من هذا المنطلق، فإن حوار الأديان يجب أن يكون رافعة تساعدنا على إعطاء فرص نجاح لهذا الحوار بين المكونات المتعددة للمجتمع.
ومع كل الأسف، الأمر لا يتعلق بهذا فقط، فهناك اليوم ملفات سياسية تفرض إجابة سياسية وليس للدين دور فيها. هناك أيضا تحديات جغرافية في بعض الأحيان صعبة، علينا مواجهتها والانتصار فيه. ويمكننا الانتصار فيها انطلاقا من هذه القراءة لخصوصياتنا الروحية المختلفة.
بالنسبة لي، الديانة التي أرحب بها على مائدتي هي تلك التي تدعو إلى الفكر والانفتاح وليس تلك التي تتميز بالدغمائية.
على ضوء ذلك، كيف يمكن إقناع الآخر المتطرف بالتعايش كحل وحيد لإنهاء الصراع والعيش المشترك بسلم وأمان؟
أنا لست هنا لإقناعهم، أنا هنا لأعيش حياتي مع قيمي والحياة التي لدي.
ما أراه من خلال البيئة المحيطة بي، أن قيمي التي أؤمن بها هي التي تنتصر، أقصد بقيمي قيم المغرب، تلك القيم الأساسية، هي التي تفرض نفسها وتعزز الوعي الوطني.
هذا لا يعني بالضرورة، أن كل شيء جميل وسهل. لا، بل أقول إنه يجب أن يتم تدبير الاختلافات والتعقيدات بالطريقة المثلى، لأننا لم نولد في هذه الحياة من أجل أن تكون لنا نفس وجهة النظر أو نفس القراءة.
لهذا، يتوجب أن نستمر في قدرتنا على السير إلى الأمام دون التغيير في التوجه على المستوى الفلسفي والأخلاقي، داخل مجتمعنا المختلف والمتعدد.
نحن أيضا، تعلمنا في الصويرة أنه يتعين علينا الاستماع إلى الآخرين الذين ليس لديهم نفس القناعات ولم يقوموا بنفس الاختيار الذي قمنا به نحن.
أنا أؤمن بأهمية الاستماع والحوار، وهنا في الصويرة نستمع ويمكن أن نعبر عن اختلافاتنا، وأعتقد أنه بهذا الفعل يكون لدينا حظ أكبر للتقارب مقارنة بسيناريو إدارة الظهر وعدم الاستماع للآخرين.
أي شخص يمكنه أن يلاحظ تطور مجتمعنا في هذا الاتجاه القائم على الرؤية التي ذكرت.
- هذه الرؤية التي تحدثت عنها، هل يمكن أن تكون حلا للصراعات على أساس ديني أو طائفي القائمة حاليا في بعض المناطق من العالم العربي على وجه الخصوص؟
نموذجنا المغربي القائم على الاحترام المتبادل والاستماع والحوار يمكن أن يساعدنا على خلق أجواء وبيئة صالحة للحوار المسالم بين دولتين، أقصد هنا إسرائيل وفلسطين، اللتين لعب المغرب دورا تاريخيا في علاقاتهما.
منهج المغرب المترسخ بعمق في المجتمع سيمكن من تعزيز ثقافة السلم التي تبخرت في منطقة المتوسط
كنا قريبين في عدة مرات من إيجاد حل عادل يأخذ بعين الاعتبار شرعية المسؤوليات والضغوط لدى كل طرف، لكن في فترة معينة تراجعنا ثم فقدنا المكاسب المحققة، ليصبح الميدان مفتوحا أمام المواجهات أكثر منه إلى سيادة ثقافة السلام، التي انبنت عليها آمال كبيرة من الجهتين. ونحن ساعدنا كثيرا على أن تستمر هذه الثقافة كقاعدة للحوار.
وأعتقد أنه كلما مضينا أكثر في رؤيتنا ونموذجنا، سنكون بذلك قادرين على المساهمة في المستقبل على إعطاء فرص لسلام مقبول ومحترم بين دولتين. وأعتقد أنه في اللحظة التي سيوافقان فيها على العيش جنبا إلى جنب، سيمنحان لأبنائهما معا فرصا أكثر للعيش بأمن وسلام وكتابة تاريخ في المستقبل يضمن الكرامة والحرية والأمن لأبناء إسرائيل وأبناء فلسطين.
أستطيع أن أقول إن منهج المغرب المترسخ بعمق في المجتمع سيمكن من تعزيز ثقافة السلم التي تبخرت في منطقة المتوسط. أؤكد أن المغرب موجود في مكانه وسيلعب دوره وفق هذا المنطق.
المصدر: أصوات مغاربية
