Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

Andre Azoulay, adviser to the Moroccan king, poses for a picture at the "Bayt Dakira" (House of Memory) Jewish museum, in…
أندري أزولاي

في هذا الحوار مع "أصوات مغاربية"، يتطرق مستشار العاهل المغربي محمد السادس، أندري أزولاي، لعلاقات المغرب مع اليهود المنحدرين منه المقيمين بإسرائيل عقب إعادة الرباط علاقاتها الرسمية مع تل أبيب، وتدبير المغرب للتعايش بين اليهودية والإسلام عبر التاريخ، ودور حوار الأديان في إنهاء الصراع .

إليكم نص المقابلة:

  • بماذا يختلف المغرب عن باقي الدول التي أقامت علاقات رسمية مع إسرائيل؟ 

المغرب في هذا الإطار يمثل استثناء ويجسد حالة خاصة في التاريخ اليهودي، والتي لن تجدها في أي مكان آخر.

هناك مليون مغربي اختاروا، ولم يجبرهم أحد على ذلك، المحافظة على تاريخهم وهويتهم وعاداتهم ولغتهم وأدبهم وأيضا مطبخهم وموسيقاهم، مهما كانت البيئة حيث يعيشون.

وأنا جد منبهر بهذه المصالحة وخاصة قولهم إن المغرب، الذي هو بلدنا، ليس فقط الأرض التي تطأ أقدمانا ترابه، بل هو البلد الذي يسكن عقولنا وقلوبنا.

كنا نفضل ونحلم أن يبقى هؤلاء اليهود المغاربة هنا في وطنهم المغرب

نعم بالتأكيد، كنا نفضل ونحلم أن يبقى هؤلاء اليهود المغاربة هنا في وطنهم المغرب، ولكن في كل الحضارات الكبيرة، مسار التاريخ ليس متصلا وثابتا، بل متعرج ومتقطع كما علمتنا التجارب المختلفة السابقة، هناك دائما صعود وهبوط.

هذا الاختيار الذي قام به العديدون منا هو عبارة عن اتفاق جماعي قد انخرطوا فيه، فهو ليس فقط خيارا فُرض من الأعلى على من هم في الأسفل، بل نحن نعيش لحظة استثنائية، حيث هناك مقاربة تمت من أعلى إلى الأسفل وتفاعل من الأسفل إلى الأعلى، ما خلق توافقا نرى فيه أن صانع القرار يلتقي مع القاعدة في مستوى واحد من الرؤية في مجتمعنا. ومجتمعنا لم يسبق أن اتخذ موقفا على موضوع بهذا القدر من التوافق المطلوب. إنها لسعادة كبيرة.

لأن هذا الواقع لم يكن ممكنا قبل 20 أو 30 سنة الماضية، لم نكن نستطيع تصديق ذلك حينها، لكن تمكنا من تحقيقه لكونه خيارا منطقيا يقوم على حقائق تاريخية لا يمكننا التشكيك فيها. الأمر ليس تجميلا أو ركوبا على موجة معينة، فهذا ليس موقفا سياسويا أو ترجمة لخيار ديبلوماسي أو استراتيجي وليد اللحظة. 

لكل هذا، أدعو قراءكم إلى تقبل الأمر من منظور الواقع المغربي أكثر من المنظور العالمي.  

  • هل يكون الاتفاق المغربي الإسرائيلي نقطة تحول تدعو جزءا من يهود المغرب إلى العودة إلى العيش بالمغرب؟

المشكل ليس هو معرفة إن كان هؤلاء المغاربة اليهود سيعودون يوما إلى الوطن حيث رأوا النور هم أو آباءهم أو أجدادهم. بالنسبة لي فالتحدي الأكبر هو أن تبقى هذه "التامغرابيت" المعلنة والقائمة في الحمض النووي لأكثر من مليون شخص، حية ومستمرة في الزمن من أجل أن تبقى أيضا رافدا لهذا الشعور والحس الوطني.

  • هل ترون أن إعادة العلاقات مع إسرائيل بشكل رسمي هي فرصة لإعادة كتابة تاريخ اليهود المغاربة؟

تاريخ اليهودية بالمغرب لم يبدأ مع هذه الاتفاقيات الأخيرة، وليس عبرها يجب قراءة تاريخ اليهودية بالمغرب.

نحن لدينا قصة مختلفة كليا عن باقي الدول العربية الأخرى. فنحن هنا قبل آلاف السنين، فاليهودية جاءت إلى الأرض المغربية قبل حوالي ألف سنة من قدوم الإسلام. إذن فنحن نتحدث عن شيء ثقيل في ميزان التاريخ.

اليهودية جاءت إلى الأرض المغربية قبل حوالي ألف سنة من قدوم الإسلام. إذن فنحن نتحدث عن شيء ثقيل في ميزان التاريخ

وحتى عندما لم تكن قصتنا مختلفة كثيرا عن بعض الدول العربية، أتحدث هنا عن الاستمرارية في الوقت، خاصة عندما نذكر العراق وحضارة بابل، واليمن أيضا، فهذه بلدان عرفت تاريخا يهوديا أقدم من المغرب، لكن حينما نتحدث عن تطور اليهودية خلال تاريخ وجودها في البلدان العربية، فإن تطورها بالمغرب كان مختلفا جدا.

ومدينة الصويرة تعد أفضل نموذج لما أقول، فالصويرة كانت مكانا خاصا ونادرا في الإسلام، عرف لأكثر من قرن، تعايشا ودينامية خاصة بين اليهود والمسلمين، لم نرها في أي مكان آخر على أرض مسلمة. 

بل أكثر من ذلك، دائما ما كان اليهود أقلية على أرض الإسلام، حسب القاعدة، ولكن الاستثناء الوحيد الذي أعرفه، هو الصويرة (موكادور) خلال نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر، حيث كانت غالبية السكان من اليهود والأقلية من المسلمين، وهذا لم يحدث في أي مكان على أرض مسلمة. وبالتالي فإن الأفراد الذين أنتجتهم هذه البقعة الجغرافية لا يمكن أن يكونوا بأي شكل من الأشكال مشابهين لليهود في مناطق أخرى.

فالسببية التاريخية بالمغرب لا يمكن أن تكون مماثلة لبلدان أخرى، لا على مستوى العلاقات، أو القرب أو الفهم أو الاحترام المتبادل أو أيضا في مظاهر الحياة اليومية، التي بنيت هنا بازدواجية عيش (مسلم – يهودي) منذ المدرسة مرورا بالمعبد أو المسجد.

نحن مغاربة الصويرة نشعر أننا حاملون لتاريخ مختلف، لأن ما حدث هنا مختلف وأفرز بطبيعة الحال أفرادا مختلفين، خاصة على مستوى العلاقات الثنائية (يهودي - مسلم)، وذلك نتاج البنية الديمغرافية وعامل الزمن، كما أشرت.

  • في الصويرة، و"بيت الذاكرة" تحديدا، هل سجلتم إقبالا كبيرا وزيارات للمغاربة اليهود المقيمين بإسرائيل بعد إطلاق الرحلات المباشرة؟

يأتون بالمئات، وحتى خلال فترة تفشي وباء كورونا التي عشناها، جاءوا بالمئات والآلاف ويستمرون في القدوم، يمكنكم رؤية ذلك فهم يأتون كل يوم.

لم تنقطع صلاتهم بالمغرب. أود هنا أن أوضح شيئا، ما يحدث هنا ليس ظرفيا ولا يقاس بعدد الأشخاص الذي يزورون المكان.

هذا المكان قائم من أجل رواية التاريخ ببنط عريض، وهذه الرواية تقول إن عدد الزوار من المسلمين أكثر من الزوار اليهود. هم مسلمون من كل الفئات العمرية، عشت قصصا هنا معهم دفعتني للبكاء بسبب قوة اللحظة.

التقيت هنا بزوار تتجاوز أعمارهم الثمانين سنة، جاؤوا من بني ملال، دمنات، دبدو، طنجة وفاس، ببساطة من أجل أن يعيشوا هذه اللحظة، رأيت أيضا أطفالا أعمارهم تتراوح أعمارهم بين 5 و6 سنوات، كانوا منبهرين من ما حكي لهم عن أجدادهم.  

  • المغاربة اليهود المقيمون بإسرائيل أو بالعالم، كيف يسعى المغرب بعد إعادة العلاقات رسميا مع إسرائيل إلى تمكينهم من الانصهار مع مواطنيهم في المغرب، خصوصا الأجيال الصاعدة من الشباب؟

جواب واحد في كلمة واحدة: التعليم.

فهنا في الصويرة، تم التوقيع قبل سنتين تقريبا، على إدراج المناهج الدراسية الجديدة من أجل تعليم أبنائنا تاريخهم كاملا، تاريخ تنوع مجتمعهم، والأدوار التي لعبها المغاربة ممن يدينون باليهودية في هذا البلد.

من بين الزوار الذين نستقبلهم بشكل منتظم هنا في "بيت الذاكرة"، هناك طلاب الثانويات وتلاميذ المستويات الأولى من التعليم الأولي القادمين من كل مكان. وهنا أيضا تنظيم العشرات من الندوات واللقاءات بشكل مستمر. وهذا يجعلني متفائلا جدا.

  • كيف يمكن جعل حوار الأديان قائما بشكل دائم وتحويله إلى قاعدة في تعاملنا مع الدين؟

التاريخ لا يبدأ مع الأديان ولا ينتهي مع الأديان. التاريخ شمولي وعام، إنه تاريخ حياة كاملة.

بالنسبة لي ديانتي تساعدني على رؤية الآخر وفهم أفضل للآخر وخلق علاقة معه، تلك المبنية على الكرامة والاحترام المتبادل. 

ديانتي تفرض علي أن أطالب وأسعى إلى أن يستفيد الآخر أيضا من نفس حقوق الكرامة والعدل والحرية التي أتمتع بها. هذه هي قراءتي للدين الذي أعتنقه. فإن لم أنخرط في هذا التصور الذي أخذته من الحاخامات والمدرسين هنا بالصويرة، فإن يهوديتي وهويتي ستكونان في خطر.

من هذا المنطلق، فإن حوار الأديان يجب أن يكون رافعة تساعدنا على إعطاء فرص نجاح لهذا الحوار بين المكونات المتعددة للمجتمع.

ومع كل الأسف، الأمر لا يتعلق بهذا فقط، فهناك اليوم ملفات سياسية  تفرض إجابة سياسية وليس للدين دور فيها. هناك أيضا تحديات جغرافية في بعض الأحيان صعبة، علينا مواجهتها والانتصار فيه. ويمكننا الانتصار فيها انطلاقا من هذه القراءة لخصوصياتنا الروحية المختلفة.

بالنسبة لي، الديانة التي أرحب بها على مائدتي هي تلك التي تدعو إلى الفكر والانفتاح وليس تلك التي تتميز بالدغمائية.

على ضوء ذلك، كيف يمكن إقناع الآخر المتطرف بالتعايش كحل وحيد لإنهاء الصراع والعيش المشترك بسلم وأمان؟ 

أنا لست هنا لإقناعهم، أنا هنا لأعيش حياتي مع قيمي والحياة التي لدي.

ما أراه من خلال البيئة المحيطة بي، أن قيمي التي أؤمن بها هي التي تنتصر، أقصد بقيمي قيم المغرب، تلك القيم الأساسية، هي التي تفرض نفسها وتعزز الوعي الوطني.

هذا لا يعني بالضرورة، أن كل شيء جميل وسهل. لا، بل أقول إنه يجب أن يتم تدبير الاختلافات والتعقيدات بالطريقة المثلى، لأننا لم نولد في هذه الحياة من أجل أن تكون لنا نفس وجهة النظر أو نفس القراءة.

لهذا، يتوجب أن نستمر في قدرتنا على السير إلى الأمام دون التغيير في التوجه على المستوى الفلسفي والأخلاقي، داخل مجتمعنا المختلف والمتعدد.

نحن أيضا، تعلمنا في الصويرة أنه يتعين علينا الاستماع إلى الآخرين الذين ليس لديهم نفس القناعات ولم يقوموا بنفس الاختيار الذي قمنا به نحن.

أندري أزولاي في كلمة بالبرلمان البرتغالي سنة 2015

أنا أؤمن بأهمية الاستماع والحوار، وهنا في الصويرة نستمع ويمكن أن نعبر عن اختلافاتنا، وأعتقد أنه بهذا الفعل يكون لدينا حظ أكبر للتقارب مقارنة بسيناريو إدارة الظهر وعدم الاستماع للآخرين.

أي شخص يمكنه أن يلاحظ تطور مجتمعنا في هذا الاتجاه القائم على الرؤية التي ذكرت.

  • هذه الرؤية التي تحدثت عنها، هل يمكن أن تكون حلا للصراعات على أساس ديني أو طائفي القائمة حاليا في بعض المناطق من العالم العربي على وجه الخصوص؟

نموذجنا المغربي القائم على الاحترام المتبادل والاستماع والحوار يمكن أن يساعدنا على خلق أجواء وبيئة صالحة للحوار المسالم بين دولتين، أقصد هنا إسرائيل وفلسطين، اللتين لعب المغرب دورا تاريخيا في علاقاتهما. 

منهج المغرب المترسخ بعمق في المجتمع سيمكن من تعزيز ثقافة السلم التي تبخرت في منطقة المتوسط

كنا قريبين في عدة مرات من إيجاد حل عادل يأخذ بعين الاعتبار شرعية المسؤوليات والضغوط لدى كل طرف، لكن في فترة معينة تراجعنا ثم فقدنا المكاسب المحققة، ليصبح الميدان مفتوحا أمام المواجهات أكثر منه إلى سيادة ثقافة السلام، التي انبنت عليها آمال كبيرة من الجهتين. ونحن ساعدنا كثيرا على أن تستمر هذه الثقافة كقاعدة للحوار.

وأعتقد أنه كلما مضينا أكثر في رؤيتنا ونموذجنا، سنكون بذلك قادرين على المساهمة في المستقبل على إعطاء فرص لسلام مقبول ومحترم بين دولتين. وأعتقد أنه في اللحظة التي سيوافقان فيها على العيش جنبا إلى جنب، سيمنحان لأبنائهما معا فرصا أكثر للعيش بأمن وسلام وكتابة تاريخ في المستقبل يضمن الكرامة والحرية والأمن لأبناء إسرائيل وأبناء فلسطين.

أستطيع أن أقول إن منهج المغرب المترسخ بعمق في المجتمع سيمكن من تعزيز ثقافة السلم التي تبخرت في منطقة المتوسط. أؤكد أن المغرب موجود في مكانه وسيلعب دوره وفق هذا المنطق.

 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

حوار

بوشهوة: لابد من قرارات رسمية لحماية اللغة الأمازيغية من الاندثار بتونس

07 فبراير 2024

تقود الجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية جهودا على أكثر من صعيد لإعادة الاعتبار للثقافة واللغة الأمازيغيتين في تونس منذ تأسيسها أواخر يوليو عام 2011 كأول جمعية من نوعها في تاريخ البلاد. 

في هذا الحوار يتحدث رئيس الجمعية، كيلاني بوشهوة، عن الواقع والتحديات التي تواجه الأمازيغية في تونس وعن موقف الجمعية من مطالبة بعض النشطاء بتأسيس حزب بمرجعية أمازيغية لـ"رفع التهميش" عن الموروث الأمازيغي في بلاده. 

كيلاني بوشهوة، رئيس الجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية. المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي

نص المقابلة: 

مرت 13 سنة على تأسيس الجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية، الجمعية الأمازيغية الأولى في تاريخ البلاد، ما الذي تحقق خلال هذه السنوات وما هي أبرز التحديات التي واجهتكم كنشطاء أمازيغ؟ 

في الحقيقة الحراك الأمازيغي في تونس حراك جيني وما يزال في بداياته لأنه لم يبدأ إلا بعد ثورة عام 2011، على اعتبار أن النظام السابق كان يعارض إنشاء جمعيات ثقافية أمازيغية، ولم يبدأ هذا الحراك إلا بعد الثورة  بتأسيس جمعيتنا كأول جمعية في تونس ثم تلى ذلك تأسيس جمعيات أخرى في أنحاء الجمهورية. 

كان لابد من نشر الوعي لدى الشعب التونسي بضرورة الاعتراف مجتمعيا بمبدأ التنوع والاختلاف وبضرورة رد الاعتبار للثقافة والهوية الأمازيغية، وخلال فترة بين 2011 و2016 استطاعت الجمعيات الثقافية الأمازيغية إنجاز العديد من الأشياء ولاحظنا كيف بدأ المجتمع التونسي يراجع نفسه ويكتشف مع مرور الوقت كيف أن التاريخ الذي يُدرس في المناهج التونسية تاريخ مزيف وبدأت الطبقة الواعية تستفيق وتكتشف ثقافة أصلية تم طمسها وتغييبها عن التونسيين لسنوات. 

حاولنا عام 2014 الضغط من أجل دسترة اللغة الأمازيغية، ولكن جل الأحزاب التي كانت تمثل الشعب التونسي في المجلس التأسيسي حينها كانت رافضة للفكرة ولم تتم الاستجابة لمطلبنا.

وفي عام 2016 طرحنا من خلال مشاركة الجمعية في اجتماع لجنة أممية واقع المسألة الأمازيغية في تونس واستطعنا فرض توصيات على الدولة التونسية من بينها تدريس اللغة الأمازيغية ودعم الجمعيات وإلغاء مرسوم كان يمنع لعقود على الوالدين إطلاق أسماء غير عربية على مواليدهم، وباستثناء منع المرسوم الذي استجابت له الدولة التونسية عام 2019 لم يتحقق شيء من التوصيات الأخرى إلى اليوم. 

أعتقد أن استمرار رفض الاستجابة لباقي التوصيات يعرض اللغة الأمازيغية لخطر الاندثار لأن أعداد الناطقين بها في تونس مقارنة بالمغرب والجزائر أقل وتراجع خاصة بعد هجرة الكثير من الأسر الناطقة بالأمازيغية إلى المدن، لذلك لابد من تدارك هذا الأمر ولابد من قرارات رسمية لإنقاذ هذه اللغة وحمايتها من الاندثار. 

في هذا السياق، هل تعتقد أن هناك مقاومة أو تردد من قبل السلطات التونسية تجاه دعم الأمازيغية وما هي الأسباب المحتملة لهذا التوجه خصوصا في ظل المكاسب التي حققها أمازيغ المغرب والجزائر في السنوات الأخيرة؟ 

أعتقد أن هناك خوف مبالغ فيه تجاه المسألة الأمازيغية في تونس، مع العلم أن المؤسسات الرسمية غير رافضة للوجود الأمازيغي وسبق لي شخصا أن شاركت في برامج في قنوات وطنية وتحدثت بحرية عن مطالب أمازيغ تونس كما تقبل مؤسسات أخرى تنظيم أنشطة ثقافية أمازيغية. 

مع ذلك، لا أفهم صراحة السبب وراء هذا الخوف، ربما الطبقة السياسة خائفة من طرح هذه المسألة ما يعطل اللحظة التي سنرى فيها المؤسسات الرسمية تعترف بالهوية الأمازيغية.

ربما لم ينجح بعد الحراك الأمازيغي في تونس في إقناع الطبقة السياسية بإعادة الاعتبار للأمازيغية على غرار إخواننا في الجوار. 

لطالما تصدرت تونس دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مؤشرات الديمقراطية وحقوق الإنسان، ما الذي يحول في نظرك دون انعكاس هذه المؤشرات على واقع الأمازيغية في البلاد؟ 

على مستوى الممارسة، نحن نمارس أنشطتنا بكل حرية ولم نتعرض لأي مضايقات أو عراقيل منذ 2011، لأن الحركة الأمازيغية في تونس حركة ثقافية وليست لا سياسية ولا دينية وبالتالي نعمل في جو من الحرية في كامل أنحاء الجمهورية. 

مسألة الاعتراف والدسترة كما قلت مسألة سياسية بالأساس وتحتاج لعمل طويل ولحراك قوي كما حدث بالمغرب والجزائر، حيث قضى أيضا نشطاء الحركة الأمازيغية عشرات السنين قبل أن تتحقق مطالبهم، بينما الحراك في تونس ما يزال جنينيا ولكننا في الطريق إلى ذلك. 

ماذا عن الشعب التونسي، هل لامستم مقاومة أو استعدادا شعبيا لقبول دسترة اللغة الأمازيغية؟

طبعا هذه المقاومة موجودة كما كانت موجودة أيضا في الجزائر والمغرب، إذ كان الزعيم المرحوم بورقيبة يدعو إلى خلق وحدة قومية وطنية لبناء الدولة وتم في هذا الإطار وضع المسألة الامازيغية على الجانب وتم طمسها إلى حدود عام 2011. 

هناك طبعا تحفظ من بعض التيارات بناء على أيديولوجياتها وهناك أيضا ضعف الوعي الشعبي بالمسألة الأمازيغية وخوف من انقسام أو فتنة في حال اعترفت البلاد باللغة الأمازيغية وهذا دور الجمعيات لتفسير وتوضيح أن الاختلاف مبدأ كوني لا يعني البتة الانقسام وأن الاعتراف بالهوية الأمازيغية هو مكسب لتونس وثراء لوحدتها الوطنية. 

هل من معطيات رسمية حول عدد الناطقين باللغة الأمازيغية في تونس؟ 

لا نتوفر على إحصائيات رسمية دقيقة ولكن عددهم يقدر بنحو 500 ألف شخص ينتشرون في 6 قرى وهي تاوجوت، زراوة، وتمزرت، التي تقع في ولاية قابس، وقرى شناني ودويرات في ولاية تطاوين وقرية قلالة في جزيرة جربة، إلى جانب ناطقين في المدن الكبرى نتيجة هجرة الكثيرين إلى المدن. 

كما قلت سابقا، نشعر بخوف من احتمال اندثار اللغة الأمازيغية في تونس نتيجة غياب الإرادة السياسية لإعادة الاعتبار إليها ولتراجع الناطقين بها بسب النزوح إلى المدن. 

تراسل الجمعية من حين لآخر السلطات التونسية حول بعض مظاهر تجاهل الأمازيغية في الملتقيات الرسمية والوطنية، هل تتجاوب السلطات مع تلك المراسلات؟ 

يتم استدعاؤنا من حين لآخر لحضور اجتماعات مع رئاسة الحكومة لإبداء الرأي ومناقشة التقارير الأممية إلى جانب باقي الجمعيات، ولكن نادرا ما نتلقى الرد على بعض المراسلات التي نرفعها من حين لآخر. 

كانت هناك محاولة لتأسيس حزب سياسي بمرجعية أمازيغية عام 2019، حزب أكال، ولكنها لقيت رفضا من السلطة هل تعتقد أن الحركة الأمازيغية في تونس قد تتجه مستقبلا للعمل السياسي كخطوة للضغط من أجل دسترة اللغة الأمازيغية؟ 

في الحقيقة الجمعيات الأمازيغية في تونس حسمت هذه المسألة منذ عام 2018، في اجتماع ضم كل الجمعيات الأمازيغية وفتح النقاش حينها حول إمكانية تأسيس حزب سياسي وأكد الحاضرون في ذلك اللقاء بالإجماع على أن الحركة الأمازيغية في تونس حركة ثقافية ولن تكون غير ذلك. 

أما خطوة عام 2019، فهي خطوة اتخذها مجموعة من الشباب ولقت الفكرة رفضا من النشطاء الأمازيغ أنفسهم، كما قلت نعتبر الحراك الأمازيغي في تونس حراكا ثقافيا بالأساس ولا دخل لنا في السياسة.

إلى جانب الجمعية التونسية للثقافة الأمازيغية يزيد عدد الجمعيات الناشطة في مجال الدفاع عن الأمازيغية في تونس عن 10 جمعيات، ما تقييمك لنشاطها وهل نجحتم في رفع الوعي بالأمازيغية مقارنة بفترة ما قبل الثورة؟ 

الحقيقة عدد الجمعيات المعترف بها في تونس لا يزيد عن 7 أو 8 جمعيات، وهناك جمعيات أخرى لم يتم الاعتراف بها بعد، بالمجمل قد يصل مجموع الجمعيات الأمازيغية في البلاد إلى 13 جمعية. 

معظم هذه الجمعيات غير ناشطة وهذا من بين أسباب تراجع النشاط الأمازيغي في السنوات الأخيرة مقارنة بالفترة الممتدة بين 2011 و2016 وهذا ربما من أسباب التفاوت الملحوظ مقارنة بالمغرب والجزائر. 

هل هناك تعاون وتنسيق مع جمعيات من باقي بلدان المنطقة في مجال تبادل الخبرات وبرامج النهوض بالأمازيغية في المنطقة؟ 

وقعنا العام الماضي اتفاقية مع جمعية مغربية لتبادل الخبرات ولكن إلى حدود اليوم لم يتم بعد ترجمة بنودها على أرض الواقع ونتبادل من حين لآخر الزيارات مع إخواننا في ليبيا والجزائر والمغرب. 

ما أبرز المطالب التي تراها ضرورية اليوم لإعادة الاعتبار إلى اللغة الأمازيغية في تونس؟ 

ننادي أولا بإنقاذ اللغة الأمازيغية وهو مطلب رئيسي ومستعجل وذلك بتكوين مكونين وإدراجها في المناهج التعليمية حتى كلغة اختيارية على اعتبار أن تونس تدرس كل لغات العالم إلا اللغة الأصلية للشعب التونسي. 

ثانيا، نطالب بالاعتراف الدستوري بالهوية والثقافة الأمازيغية، كمطلب مشروع، إذ لا يستقيم ألا تعترف تونس بالأمازيغية كلغة وطنية ولا يستقيم ألا يجد التونسيين أنفسهم في دستور بلدهم. 

ثالثا، لابد من إعادة الاعتبار إلى المعمار الأمازيغي التونسي الآيل للسقوط في الكثير من القرى الأمازيغية ونطالب بتأسيس هيكل لتشجيع البحث والدراسات حول اللغة الأمازيغية. 

  • المصدر: أصوات مغاربية