Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تنظيمات متشددة تشكل خطرا في منطقة الساحل
تنظيمات متشددة تشكل خطرا في منطقة الساحل

في مقابلة مع "أصوات مغاربية"، يقول الخبير النرويجي في الجماعات المتشددة، توماس هيغهامر، إن فكر عبد الله عزام هو الذي أدّى إلى "عولمة الجهاد" وظهور الحركات الإرهابية مثل القاعدة وداعش. 

وأضاف أن كتابه الأخير "القافلة.. عبد الله عزام ورحلة الفكر الجهادي العالمي" يُظهر كيف غيّر عزام "مفهوم الجهاد" لدى الكثير من الشباب في العالم الإسلامي، ما سهّل على التنظيمات المتطرفة - في فترة لاحقة - اصطيادهم. 

وتحدث هيغهامر - وهو خبير في مؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية (FFI) - أيضا عن التهديدات المحدقة بالدول المغاربية، مشيرا إلى أن العنف والفوضى في منطقة الساحل يوفر بيئة خصبة للمنظمات المتشددة، فـ"الإرهاب يتغذى على غياب الديمقراطية والحكامة وانتشار الفقر"، على حد قوله. 

نص المقابلة: 

  • مؤخرا، ألّفت كتابا عن "عولمة الجهاد" تحت عنوان "القافلة...عبد الله عزام ورحلة الفكر الجهادي العالمي"، وركزت فيه على نقطة محورية وهي انتقال شخصية عبد الله عزام من كونه الأب الروحي لـ"العرب الأفغان" إلى التأثير فكريا على الحركات الإرهابية في العالم الإسلامي برمته. كيف أثّر فكر عزام على التنظيمات المتشددة في شمال أفريقيا مثلا؟ 

عبد الله عزام لعب دورا مهما في عولمة الفكر الإسلامي المتشدد. طبعا، التطرف الديني ظهر مبكرا في سوريا ومصر خلال الستينات والسبعينات من القرن الماضي. لكن مع بداية الثمانينات، أصبح هذا الفكر عابرا للحدود. والسبب الأساسي في ذلك هم المقاتلون الذين يعبرون الحدود بين البلدان العربية للقتال في جبهات الصراع تحت شعار الجهاد. والمثال البارز هنا هو أفغانستان التي استقطبت الآلاف من المقاتلين من بلدان إسلامية منها بلدان شمال أفريقيا.

عبد الله عزام لعب دورا أساسيا في التأثير على الشباب آنذاك ودفعهم إلى القتال تحت راية الدين. ألّف كتبا كثيرة وأشرف على إصدار مجلة دورية، كما أسس منظمة في باكستان تعمل على تجنيد الشباب للقتال في أفغانستان، وكان يسافر بكثرة لإلقاء المحاضرات، ليس فقط إلى الشرق الأوسط وإنما إلى دول أوروبية وأميركية.  كانت رسالته في كل هذه الأنشطة واحدة: يجب على كل مسلم القتال في أفغانستان للدفاع عن إخوانهم المسلمين.

  • ما ركّزت عليه أيضا في الكتاب هو أن فكرة القتال تحت ذريعة "الجهاد" مسألة روجّها عزام حتى أصبح البعض يعتبرها بديهية، وهي ليست كذلك. كيف استطاع عزام إقناع المئات بهذه الفكرة؟

وجوب قتال المسلمين في جبهات صراع بعيدة عنهم وفي مناطق جغرافية لا تهمهم، هي فكرة قدمّها عبد الله عزام، وروّجها عبر كتبه في العالم الإسلامي حتى أضحت في غضون سنوات قليلة فكرة عادية لدى البعض. 

عبد الله عزام هو الأب الروحي لكل الحركات المتشددة اليوم، بدءا من سوريا والعراق وأفغانستان إلى الجزائر ومنطقة الساحل

لكن يجب أن نعلم أيضا أن عزام لم يكتف بنشر الكتب وإلقاء المحاضرات، فالرجل عمل عبر شبكة من العلاقات ومن خلال تنظيمات في باكستان وأفغانستان لإقناع وإغراء الشباب بتفسير جديد للجهاد. إذن، عبد الله عزام هو الذي أسس للفكر الجهادي العابر للحدود، وهو بالتالي الأب الروحي لكل الحركات المتشددة اليوم، بدءا من سوريا والعراق وأفغانستان إلى الجزائر ومنطقة الساحل.

لقد قدّم فكرا غيّر مفهوم الجهاد لدى الكثير من الشباب، ما سهّل لاحقا على التنظيمات الإرهابية اصطيادهم. 

  • تؤكد أيضا باستمرار أن عبد الله عزام أثّر بشدة على الحركات الإرهابية، لكن فكره "يناقض" أيضا إلى حد ما الانتهاكات التي اقترفتها القاعدة ثم داعش لاحقا، كيف يختلف فكر عزام عن فكر أسامة بن لادن وأبو بكر البغدادي في هذا الصدد؟ 

صحيح أن عبد الله عزام كان أبرز منظّر لـ"عولمة الجهاد"، لكن المتشددين أخذوا فكرَه إلى مستوى آخر من العنف والقتل والتدمير.

بعد مقتله في نوفمبر 1989، بدأ تنظيم القاعدة يهاجم الدول الغربية. أعتقد أنه لو ظل على قيد الحياة، كان سيرفض بعض ما اقترفته التنظيمات الجهادية بعده. 

خلال التسعينات، أقدمت "الجماعة الإسلامية المسلحة" GIA في الجزائر على ارتكاب أعمال عنف غير مسبوقة ضد المسلمين في بلد إسلامي. ومؤخرا أخذ تنظيم الدول الإسلامية (داعش) العنف إلى مستويات جديدة ضد كل من يخالفه في توجهه.

إذن فأنت ترى أن عزام كان يريد فقط إخراج غير المسلمين من البلدان الإسلامية، لكن أحفاده أخذوا مفهومه للجهاد إلى حد قتال جماعات سلفية جهادية أخرى تخالفهم في تفسيرات بسيطة وتفاصيل دقيقة داخل الدين. وبالتالي، فإن عبد الله عزام هو الأب الروحي، لكنه قد يكون أبا ساخطا على بعض ما اقترفه أبناءه في وقت لاحق. 

  • البعض ذهب إلى حد الاعتقاد بأن أسامة بن لادن هو الذي قتل عزام بسبب رفض الأخير تفسيره المتشدد للجهاد. طبعا، أنت عبّرت في الكتاب عن عدم اقتناعك بهذه النظرية. لماذا؟ 

لنرجع قليلا إلى الوراء لشرح بعض الأمور. عبد الله عزام شخص متأثر بفكر سيد قطب، لكن الأخير كان منشغلا بالتنظير لقلب الأنظمة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتطبيق الشريعة وفق تفسيره للدين. عبد الله عزام هو أيضا مؤيد لتطبيق الشريعة الإسلامية، لكن الثورة على الأنظمة داخل بلدان العالم الإسلامي لم تكن أساسية بالنسبة له. كان هدفه هو خلق التضامن الإسلامي العابر للحدود. إذن فعبد الله عزام كان يسعى إلى عولمة الفكر الجهادي في مناطق الصراع، بينما سيد قطب انغمس كثيرا في السياسة الداخلية ونظّر أساسا للثورة على الأنظمة التي يعتبرها علمانية. 

أسامة بن لادن تأثر مبكرا بفكر عبد الله عزام، ثم احتضن لاحقا فكر قطب. كان بن لادن تلميذ عزام لمدة أعوام طويلة. لكن نشب بينهما خلاف، قاد إلى الاستقلال التنظيمي والعقدي لبن لادن عن معلمه. وقد أسس معسكرات لتدريب المقاتلين العرب في أفغانستان، ومن هناك أسس تنظيم القاعدة، الذي سيتبنى قتال الدول الغربية داخل عقر دارها. ورغم الخلاف بينهما إلا أنني لا أعتقد أن بن لادن قتل عبد الله عزام، وقد تطرقت إلى هذا بالتفصيل في الكتاب الأخير. 

  • تسببت التنظيمات الإرهابية بمقتل نحو 6200 شخص ونزوح ما يقرب من مليوني آخر في منطقة الساحل. برأيك، هل تحوّلت هذه المنطقة إلى بؤرة جديدة للإرهاب أو ما يعتبره البعض "أفغانستان غرب أفريقيا"؟  

شيء واحد واضح الآن هو أن الحركات الجهادية في تصاعد مستمر في منطقة الساحل. هي أكثر منطقة جغرافية بالعالم تعاني اليوم بشدة من الإرهاب. لكن بروز منطقة الساحل في الإعلام مؤخرا سببه أيضا هو هزيمة داعش في معاقله في العراق وسوريا. 

شيء واحد واضح الآن هو أن الحركات الجهادية في تصاعد مستمر في منطقة الساحل

ومع ذلك، يجب التحذير من أن هذه المنطقة تحوّلت إلى بيئة حاضنة للمتطرفين بسبب وجود الكثير من العوامل التي ساعدت في ظهور تنظيم داعش بالعراق وسوريا، منها التمردات القبلية، والرد العنيف للأنظمة على هذه التمردات، بالإضافة طبعا إلى الفقر وغياب الديمقراطية وعوامل أخرى. 

  • بعض الخبراء يعتقدون أن الحركات الإرهابية في منطقة الساحل تهدد بنشر الفوضى في البلدان المغاربية التي يعد استقرارها أمرا مهما لأوروبا. هل تعتقد أن دول شمال أفريقيا في مأمن من حروب الجهاديين، خاصة وأن البعض يعتقد أن الإرهاب لا يضرب قلب العالم الإسلامي دائما، إنما ينتعش في دول هامشية مثل مالي في أفريقيا وأفغانستان في آسيا؟ 

لا أعتقد أن الأمر متعلق بقلب العالم الإسلامي أو هوامشه. الإرهاب وليد مجموعة من الظروف ويتغذى من العنف والحرب.

اليوم، يضرب الإرهاب منطقة الساحل، لأن الظروف هناك مواتية لتغلغل هذه التنظيمات. لقد ضرب الإرهاب العراق وسوريا أيضا، لأن أسباب ظهوره توفرت فجأة. وفي شمال أفريقيا، خلال الحرب الأهلية الجزائرية ضرب الإرهاب المنطقة المغاربية.

إذن، أعتقد أن المشكل الأساسي هو غياب الاستقرار والديمقراطية والحكامة واحترام حقوق الإنسان في العديد من دول منطقة الساحل، وهذا ما يجعلها بؤرة للمتشددين في الوقت الرهن. 


 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

متشددون من تنظيم القاعدة (أرشيف)
متشددون من تنظيم القاعدة (أرشيف)

قبل حوالي عشرين عاماً نشر موقع "مركز البحوث والدراسات الإسلامية"  كتاباً بعنوان "إدارة التوحش" لكاتب مغمور يدعى أبو بكر ناجي والذي تبين لاحقاً أنه اسم حركي للقيادي في الجماعة الاسلامية المصرية محمد خليل الحكايمة. ولأن الكتاب نُشر في خضمّ زخم من الكتابات التنظيرية التي كان يشرف عليها آنذاك قادة تنظيم القاعدة في السعودية، وفي سياق ملتهب طبعته تداعيات هجمات 11 سبتمبر وإجتياح أفغانستان والعراق وحملة "القاعدة" في السعودية، لم يثر الكتاب حينها أي اهتمام.

لكن، بعد بضع سنوات من ظهوره، بدأ قادة الجماعات المسلحة يحيطونه بعناية خاصة، ووصلت نصوصه إلى أسامة بن لادن، بالتوازي مع انتباه دوائر محاربة الإرهاب في العالم إلى مضامينه الخطيرة، وبدء التوصيات بدراسته وترجمته من أجل فهم أعمق لفكر الإرهابيين، وأبعاده الاستراتيجية بعيدة المدى.

"إدارة التوحش"

خطة "إدارة التوحش" هي باختصار عبارة عن خريطة طريق عملية ومفصلة نحو إقامة "دولة إسلامية" كما يتصورها الجهاديون. مبدئيا، استبعدت الخطة كل الأساليب السلمية أو الشعبية  للوصول إلى الحكم، واعتبرتها من ضروب العبث، وحصرت تركيزها على العنف المسلح المفرط في الدموية.

ويقصد المؤلف بـ"التوحّش" حالة الفوضى العارمة وانهيار الدولة التام نتيجة الحرب والهجمات المتتالية التي ستشنها "التنظيمات الجهادية"، وهو الوضع الذي كانت تعيشه أفغانستان مثلاً قبل سيطرة حركة طالبان عليها سنة 1996. وبحسب ناجي، فإن حالة الفوضى العارمة ستجعل سكان الدولة يتعطشون لمن يدير هذا التوحش. وهنا يأتي دور "الجماعات الجهادية" لتقوم بهذه المهمة.

تقوم نظرية التوحش على ترشيح مجموعة من الدول باعتبارها مناطق مؤهلة لتطبيق فكرة التوحش. واقترح الكتاب كمثال عليها كل من السعودية وباكستان ونيجيريا والأردن والمغرب واليمن، وذكر أن من شروط اختيار هذه الدول أن يكون لها "عمق جغرافي وتضاريس تسمح في كل دولة على حدة بإقامة مناطق تدار بنظام إدارة التوحش" و"ضعف النظام الحاكم" وارتخاء قبضته الأمنية على مفاصل البلاد، و"وجود مد إسلامي" ومزاج عام يقبل باحتضان الوجود الجهادي، ثم "انتشار السلاح" بين أفراد المجتمع وسهولة الوصول إليه.

وانطلاقاً من هذه المناطق التي تحمل مقومات " إدارة التوحش" يمكن الوصول إلى "الدولة الإسلامية" عبر ثلاث مراحل أساسية وهي: مرحلة "شوكة النكاية والإنهاك" ثم مرحلة "إدارة التوحش" وأخيراً مرحلة "شوكة التمكين" التي تعني النجاح في تأسيس الدولة الإسلامية، وتتويج  الخطة بنهايتها المثالية كما تصورها أبوبكر ناجي.

 لكن، وعلى الرغم من حرص الرجل على سد كل الثغرات المحتملة في خطته، ومعالجة العيوب التي يمكن أن تعيق تطبيقها العملي على أرض الواقع إلا أنها في النهاية تحولت إلى نظرية كرّست الفوضى الدموية في ربوع العالم، واخفقت على امتداد السنوات العشرين الماضية في تحقيق الحد الأدنى من تطلعات صاحبها، رغم نجاحه المدهش في استشراف مستقبل المنطقة، وتوقعه دخولها في فوضى عارمة.

فشل مرحلة "النكاية"

رشح أبو بكر ناجي كما ذكرنا خمسة دول تتوفر فيها مقومات "إدارة التوحش" وهي الدول نفسها التي رشحها أسامة بن لادن في فبراير 2003 أي قبل سنة من ظهور الكتاب، واعتبرها دولا "مؤهلة للتحرير"، بحسب تعبيره. وكانت هذه الدول نماذج حية على فشل خطة التوحش في مراحلها الثلاث.

فالأردن والمغرب، أثبتا الفشل المبدئي في تصور المقومات والشروط المناسبة لإقامة مناطق التوحش كما تخيّلها بن لادن وناجي، والسعودية وباكستان أكدتا فشل مرحلة "شوكة النكاية والإنهاك"، بينما مثلت كل من اليمن ونيجيريا نموذجان على فشل مرحلة "إدارة التوحش" وإمكانية  الوصول  من خلالها إلى مرحلة "الدولة الإسلامية" التي أكدت مناطق أخرى مثل سوريا والعراق وليبيا فشلها الذريع أيضاً.

ابتداءا من العام 2003 صمّم تنظيم القاعدة على تحويل السعودية إلى دولة تعمها الفوضى ضمن خطة "شوكة النكاية والإنهاك"، وتقوم الخطة على تنفيذ عمليات صغيرة ومتوسطة على طول البلاد، هدفها تشتيت القوات الأمنية، وحرمانها من الفعالية، تتخذ طابعا تصاعديا، تتخللها عمليات نوعية من أجل جذب انتباه الناس واستقطاب الأعضاء، استناداً إلى عنصر الإبهار الذي يكتنف هذا النوع من العمليات.

يكون التركيز في هذه المرحلة على استهداف المنشآت الاقتصادية خاصة قطاع النفط، والقطاع السياحي والشخصيات السياسية والأمنية البارزة في البلاد. هذه العمليات بحسب خطة "النكاية والإنهاك"، ستضطر قوات الجيش والأمن إلى تركيز تواجدها في محيط المؤسسات والمنشآت الحيوية، وتترك مساحات شاسعة في الأطراف والهوامش تتحول تدريجيا إلى مناطق فوضى وتوحش، ما يعني نجاح مرحلة "النكاية" ودخول مرحلة "إدارة التوحش".

طبّق تنظيم القاعدة في السعودية خطة "النكاية والإنهاك" تطبيقاً حرفياً. ضرب المنشآت البترولية، والمجمعات السكنية التي يقطنها الأجانب، واعتمد نمط العمليات الصغيرة والمتوسطة كما حصل في تفجيرات الرياض والمحيّا. وواكب التنظيم نشاطه الدموي بزخم كثيف من المواد الدعاية، وحَشْد من المؤلفات والفتاوى الدينية. وبما أن نظرية "إدارة التوحش" في مرحلتها الأولى، تنصّ على ضرورة تأهيل الكوادر أمنياً وعسكرياً وإدارياً ليكونوا على استعداد لمرحلة "إدارة التوحش" فقد أصدر التنظيم مجموعة من المواد التعليمية والارشادية لرفع كفاءة عناصره، منها نشرة "البتّار" الالكترونية وعدد من الدوريات التي أطّرها قادته البارزون مثل عبد العزيز المقرن و يوسف العييري وغيرهم.

لم تمض على حملة القاعدة في السعودية سوى 3 سنوات حتى وصلت إلى نهايتها، مع نجاح السلطات الأمنية في زمن قياسي في تفكيك كل خلايا القاعدة، وقتل قادة التنظيم تباعاً، واعتقال منظّريها، وفرار من تبقى منهم إلى العراق واليمن.

العمليات النوعية التي راهنت عليها القاعدة لاستقطاب مزيد من الأفراد إلى صفوفها أتت بنتائج عكسية تماماً، إذ زادت فظاعة تفجيرات المحيا والرياض من عزلة التنظيم، ونفر المجتمع السعودي من خطاب القاعدة، وانشق بعض كوادر التنظيم، خصوصا  "الشرعيين" الذين لم يوافقوا على تفجير المجمعات السكنية. وطوق الأداء الأمني الناجح للسلطات السعودية خلايا القاعدة في الشقق السكنية والاستراحات. وفشل مخطط "النكاية والإنهاك" في السعودية فشلا ذريعاً، رغم ما رصدته قيادة القاعدة من موارد وإمكانات لدفعه قدماً نحو المراحل التالية.

فشل مرحلة "إدارة التوحش"

الملاحظة الأساسية هنا هي أن المناطق التي وصلت فعلاً إلى مرحلة "إدارة التوحش" لم تصل إليها بعد مرحلة "النكاية والإنهاك" كما يفترض بالمخطط أن يكون، بل وصلت إليها بفعل عوامل أخرى خارجة عن إرادة الجهاديين، كل ما فعلوه أنهم وجدوا "مناطق توحش" جاهزة فانخرطوا في إدارتها وفق تصور أبو بكر ناجي. وهذه العوامل قد تكون ثورات شعبية أطاحت بالسلطات الحاكمة كما هو الحال في اليمن وليبيا وسوريا، أو اجتياحا خارجياً للبلد كما حصل في العراق وأفغانستان، أو اضطرابات سياسية وانقلابات عسكرية كما هو الحال مع مالي ودول الساحل.

اندلعت الثورة اليمنية في 2011 وتنظيم القاعدة يحاول إيجاد موطئ قدم له في البلاد. نجحت الثورة في إسقاط نظام علي عبد الله الصالح، وعمّت الفوضى أغلب المحافظات اليمنية، كانت مقومات التوحش مكتملة في الحالة اليمنية، من حيث التضاريس الوعرة والقابلية لاحتضان "المد الجهادي" وانتشار السلاح، لقد كان اليمن بمثابة اختبار للمرحلة الثانية من "إدارة التوحش".

انسحب أفراد القاعدة من العاصمة صنعاء التي كانت تغلي على وقع المظاهرات الشبابية التي تطالب بحكم ديمقراطي كامل، وذهبوا إلى المناطق التي انحسرت فيها سلطة الدولة وأسسوا سلطة موازية لادارة التوحش وضبط الفوضى، وتقديم نموذج مصغر لـ"حكم الشريعة" كما تنص عليها أدبياتهم.

ما حصل أن "إدارة التوحش" التي أشرف عليها تنظيم القاعدة في مناطق سيطرته، فتحت جبهات جديدة أمام الجيش اليمني، وورطت القبائل والمجتمعات المحلية في صراعات داخلية. وحوّلت أنظار العالم إلى ما يحدث في اليمن، من ثورة شعبية تدور فعالياتها في صنعاء إلى بؤر إرهابية تتوسع في حضرموت وشبوة وغيرها.

من أهداف "مرحلة إدارة التوحش" بحسب أبو بكر ناجي: "نشر الأمن الداخلي والحفاظ عليه، وتوفير الطعام والعلاج، وتأليف أهل الدنيا بشيء من المال، أي احتواء المخالفين بواسطة الاغراءات المادية، وإقامة القضاء الشرعي، وتوسيع التحالفات مع من يجوز التحالف معهم"، وأخيراً "تأهيل الكوادر الإدارية وتأمين القيادات لتكون جاهزة لمرحلة إقامة الدولة".

في اليمن حدث العكس، زاد منسوب الفوضى في مناطق سيطرة تنظيم القاعدة، وانعدم الشعور بالأمن، وتفككت تحالفات التنظيم مع القبائل اليمنية. وهذه المرحلة التي يفترض بها أن تكون "مفرّخة" لإنتاج الكوادر والقيادات التي ستحكم "دولة التمكين" القادمة، تحولت إلى "محرقة" لهذه الكوادر، إذ قتل معظم قادة الصف الأول والثاني في القاعدة، وخسرت مواردها البشرية في قتالها مع الجيش اليمني، واعتزل قسم من التنظيم بفعل الخلافات الداخلية. وأخيراً ساهمت مناطق التوحش التي أقامها التنظيم في إرباك الجيش اليمني وتشتيت جهوده، فاستغلت جماعة الحوثي هذا المعطى وتقدمت نحو صنعاء وسيطرت على العاصمة، من دون أن تحقق القاعدة أيا من مشاريعها في اليمن، وتراجعت خططها إلى مرحلة "النكاية" من جديد.

من التوحش إلى الوحشية

يعتبر مبدأ "الشدة" من أركان خطة أبو بكر ناجي خصوصاً في مرحلة "إدارة التوحش"، وخصّص له فصلاً مستقلاً في كتابه. ويقصد بمبدأ "الشدة" اعتماد أقصى درجات الوحشية والدموية في التعامل مع خصوم التنظيم، وعدم التردد في استعمال أساليب انتقامية -وإن تحفظ عليها الشرع الاسلامي- لردع الأعداء مثل الذبح والتحريق بالنار وغيرها "إذ لا يمكن أن يستمر الجهاد في ظل الرخاوة، سواء الرخاوة في أسلوب الدعوة إليه أو الرخاوة في اتخاذ المواقف، أو في أسلوب العمليات"، كما جاء في فلسفة ناجي،  واعتبر أن الشدة والغلظة والدموية "تحقق البأس وتجلل التنظيم بهالة من الخوف والرعب"، وتمكنه من تحقيق أهدافه من خلال "سمعته الدموية وبأسه الشديد". ويلحق بمبدأ "الشدّة" مبدأ "الانتقام"، أي أن أي استهداف للتنظيم يجب أن يُردّ عليه بعنف مفرط يحول دون تكراره.

طبق تنظيم "داعش" هذا المبدأ خلال توسعه في العراق وسوريا، وعوض أن يساهم في ردع خصومه، ويفتح الطريق أمامه نحو مزيد من التمدد والسيطرة، فتح أبواب الجحيم عليه، إذ تأسس تحالف دولي لمحاربته، وأنشأت الفصائل في سوريا غرفاً مشتركة للتصدي له، وكانت مشاهد الذبح والحرق وتفجير المخالفين بالديناميت، وإغراقهم في أحواض زجاجية، ورميهم من أسطح المباني، عاملا أساسياً في تشكيل رأي عام عالمي أتفق على ضرروة القضاء على داعش قضاءً مبرما لا تردد فيه.

ما لم ينتبه إليه أبو بكر ناجي وهو يحرر فصل "اعتماد الشدة" في كتابه، هو أن هذه الشدة أو هذه الوحشية بتعبير أدق قد تولد وحشية مضادة، وهذا ما حصل في المناطق التي سيطر عليها داعش، حيث اعتمد كثير من خصومه أيضا مبدأ الوحشية، سواء في العراق من خلال أساليب فصائل من الحشد الشعبي قامت بحرق وذبح عناصر من داعش أثناء معارك تحرير المحافظات العراقية، أو في سوريا من خلال عمليات الإعدام الميداني التي نفذها فصيل "جيش الاسلام" في الغوطة الشرقية، وفصيل هيئة تحرير الشام في شمال غرب سوريا، وأساليب قوات حفتر في ليبيا وغيرها. إذن فبمدأ الوحشية التي يريد من خلاله أبو بكر ناجي تثبيت دولة الجهاديين، ساهم في الواقع في تقويضها والقضاء عليها.

ما يقال عن تنظيم القاعدة في اليمن والسعودية ينطبق على كل فروع التنظيم التي فشل أغلبها في تجاوز مرحلة "النكاية والانهاك" أو انتهى وجودها عند هذه المرحلة. أما الفروع التي نجحت في تخطي هذه المرحلة والوصول إلى مرحلة "إدارة التوحش" كما هو الحال في الصومال والساحل، فقد وصلت إليها بفعل عوامل موضوعية خارجة عن نطاق تخطيطها. ولا يزال الانتقال من "التوحش" إلى "التمكين" يشكّل تحدياً كبيراً لها. كما لا تزال إدارة مناطق التوحش عاملاً من عوامل انقسام الجماعات المتطرفة، بسبب الخلاف على السلطة والموارد وتباين المواقف حول الأحكام الشرعية والمعتمدة.

لا بدّ أن نتذكر في هذا السياق أن الخلاف الكبير الذي وقع بين تنظيم "داعش" وبين القاعدة في 2013 يعود في جزء منه إلى الخلاف حول تقدير الفترة الزمنية التي يجب أن تأخذها مرحلة "إدارة التوحش" في سوريا. "داعش" أرادت الانتقال إلى مرحلة "التمكين" وإعلان الدولة، والقاعدة وجبهة النصرة كانتا تريان أن مرحلة التوحش لا تزال في بداياتها الأولى.

 

المصدر: موقع "ارفع صوتك"