أعلنت فرنسا مقتل زعيم تنظيم داعش في الصحراء الكبرى، عدنان أبو الوليد الصحراوي، في غارة جوية شنتها قوات برخان ضمن مهمتها في منطقة الساحل بغرب أفريقيا.
وتعد هذه العملية الأبرز من نوعها، خلال السنوات الأخيرة، خصوصا وأن زعيم داعش، كان واحدا من قياديي التنظيم المتطرف المطلوبين للعدالة الدولية.
وارتبط اسم الصحراوي بارتكاب عدة جرائم، حيث ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية، أنه كان وراء عملية اختطاف إسبانيين وإيطالية في أكتوبر 2011، في مخيم اللاجئين الصحراويين قرب تيندوف، جنوب غرب الجزائر، وطالب بفدية بقيمة 15 مليون دولار لصالح "حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا" ليفرج عنهم في يوليو 2012.
ولطالما جمعت بين الجماعات المتشددة في منطقة الصحراء الكبرى والساحل وأخرى في شمال إفريقيا علاقات قوية، إذ تعمل هذه المجموعات على شن هجمات ضد الحكومات المحلية والمدنيين، وتسعى لزعزعة الاستقرار في المنطقة برمتها.
ويعيد مقتل أبو الوليد الصحراوي، تسليط الضوء على الجماعات الإرهابية في منطقة الصحراء الكبرى، ومدى ارتباطها فيما بينها بصحاري الدول المغاربية، ما يطرح تحديا بارزا لأمن هذه الدول.
أزمة قيادة
عن الأدوار التي كان يلعبها الصحراوي، وتداعيات الإعلان عن مقتله على قوة تنظيم داعش في المنطقة، يقول الباحث الموريتاني المتخصص في شؤون الجماعات المتشددة، اسماعيل الشيخ سيديا، في تصريحات لـ"أصوات مغاربية"، إن سر قوة زعيم داعش يعود إلى الاعتماد بشكل كبير على بعض الأشخاص من طائفة الفلان في بوركينا فاسو على الحدود مع مالي وبعض العرب في النيجر"، معتبرا أن "تنظيمه خالي من الطوارق بسبب الحرب الشخصية بين أبو الوليد وبعض قبائل الطوارق".
ويضيف الباحث الموريتاني أن التنظيم لا يزال يقوم بعمليات بدون قيادته، حتى بعد مقتل زعيمه، حيث لقي عنصران من الدرك في بوركينا فاسو مصرعهما قبل ثلاثة أيام في عملية شنها التنظيم.
ويشير سيديا إلى أن تنظيم داعش في منطقة الصحراء الكبرى، سيشهد أزمة قيادة، "لأن العرب لن يقبلوا بزعامة الفلان، كما أن العكس صحيح"، على حد تعبيره، في حين أن الصحراوي كان "سلطويا وذكيا ودرس علم الاجتماع"، لذلك فإن "خلافته ستكون صعبة".
ويسير الخبير الأمني الجزائري رابح لونيسي، في الاتجاه ذاته، ويقول إن مقتل أبو الوليد الصحراوي يمكن أن يؤثر سلبا على تنظيم داعش، في حال نشوب صراعات داخلية في التنظيم بشأن خلافته.
ويعتبر لونيسي في حديث لـ"أصوات مغاربية"، أن الإعلان عن مقتله، يعني أن تنظيم داعش لم يمت بعد في الصحراء الكبرى، وأن هناك مشروعا كبيرا جدا في المنطقة، "لإقامة إمارات إرهابية في الصحراء بحيث أن للإرهاب ارتباطا وثيقا بمواقع النفط والطاقة".
ويربط الخبير الجزائري وجود الجماعات الإرهابية في المنطقة بالانتشار العسكري الفرنسي هناك، مشيرا أن هذا الانتشار يعطي سبب للإيديولوجيا المتطرفة.
ويشدد لونيسي على أنه يجب أن تتولي جيوش المنطقة مهمة مواجهة الجماعات الإرهابية في الصحراء الكبرى من أجل القضاء على الإرهاب، "ولكن ما دام توجد قوات أجنبية، فمعنى ذلك أن هذه الجماعات ستكسب أنصارا جددا وتتغذى على الوجود الأجنبي".
خطوط التماس
حينما قتل زعيم حركة "بوكو حرام" المتشددة، أبو بكر شيكاو، انتقل الآلاف من مقاتلي الحركة إلى تنظيم داعش في غرب إفريقيا في منطقة البحيرات الكبرى، خصوصا في غابة "سمبيسا" في نيجيريا.
لكن الباحث الموريتاني، إسماعيل الشيخ سيديا، يتوقع حدوث العكس، وأن تكون هناك هجرة للمقاتلين التابعين لأبو الوليد إلى "جبهة تحرير ماسينا"، وأن عدد مقاتلي تنظيم داعش في الصحراء الكبرى سيتناقص.
ويرى الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، أن أمن موريتانيا ليس مهددا في الوقت الحالي، وذلك بالنظر إلى ما أسماه وجود "متاركة"، تقوم على عدم مشاركة الجيش الموريتاني في عمليات القبعات الزرق والهجوم ضد تنظيم القاعدة، في مقابل عدم استهداف التنظيم لموريتانيا. معتبرا أن "هذه المتاركة واضحة منذ 2011 حتى وإن لم تكن باتفاق، كما أن مناطق التماس مع مالي غير المأهولة بالسكان".
يفسر المتحدث ذاته بقاء موريتانيا في منأى هذه التجاذبات، بتوفرها على مقاربة أمنية ودينية وعقدية تتمثل في الحوار مع السجناء السلفيين، وإطلاق سراحهم من حين إلى آخر، بالإضافة إلى تمويل من تاب منهم، "وهذه الاستراتيجية نجحت في تجنيب موريتانيا للقلاقل الأمنية".
ويقول اسماعيل الشيخ سيديا إن استراتيجية داعش تقوم على استغلال الفراغ وخلق خطوط التماس بين تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى وفرع التنظيم في غرب إفريقيا، مشددا على أن "هذا التماس لا يمكن أن يكون إلا في الغابات بين النيجر ونيجيريا".
أما في الجزائر، فيشير سيديا إلى أن داعش يوجد عن طريق تنظيم "جند الشام"، وريث المنطقة الوسطى لـ"تنظيم الدولة في المغرب الإسلامي"، كما أنه الوصي على داعش في تونس، لكن لا توجد علاقات تنظيمية بين جند الشام وأبو الوليد الصحراوي.
ويعتبر المحدث ذاته أن استراتيجية داعش في الصحراء الكبرى لا تقوم بالضرورة على الامتداد غربا إلى المحيط الأطلسي، بقدر ما تهدف للامتداد جنوبا إلى خليج غينيا والالتحام بداعش غرب إفريقيا. "وفتح التنظيم لجبهتين في الجزائر وموريتانيا ليس في صالحه وسينهكه كثيرا"، على حد تعبيره.
المصدر: أصوات مغاربية
