Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

تطرف

عندما يكون القلم "سبباً" للقتل.. 10 كتاب طالتهم يد الإرهاب

20 أغسطس 2022

تعرض الكاتب البريطاني سلمان رشدي لحادثٍ بشع، عقب طعنه داخل قاعة كان يستعد لإلقاء محاضرة بها في نيويورك.

الأنباء المتداولة تكشف عن تعرُّض الكاتب البريطاني لـ"إصابة سيئة" في العنق والكبد، دفعت المستشفى التي يُعالج بها لوضعه على جهاز التنفس الصناعي.

نال رشدي شهرة عالمية، ليس فقط بسبب جودة رواياته أو موهبته الرفيعة ولكن بسبب الفتوى الشهيرة التي أصدرها المرشد الأعلى الإيراني آية الله الخميني عام 1989 بحقه، وأهدر فيها دمه بسبب روايته "آيات شيطانية".

ورغم مرور عقود على إصدار هذه الفتوى، لكن لعنتها تُطارد رشدي منذ لحظة صدورها وحتى اليوم، بعدما عاش أغلب فترات حياته متخفيًا.

ينضم ذلك الحادث إلى سلسلة طويلة من محاولات الاغتيال التي تعرّض لها كتّاب عرب. بعضها نجح في مهمته وأخرى فشل في إزهاق صوت القلم، فمن هم أبرز هؤلاء الذين ذاقوا من الكأس المرّ الذي تجرّعه رشدي؟

نجيب محفوظ

قبل وفاته بـ 12 عاما، تعرّض صاحب نوبل إلى محاولة اغتيال شهيرة أثارت اهتمام واستغراب العالم حينها. بعدما أقدم شاب يعمل في إصلاح الأجهزة الكهربائية، على طعن محفوظ في رقبته.

بعد القبض عليه، اعترف المجرم بأنه أصبح عضوا في "الجماعة الإسلامية" قبل الحادث بأربع سنوات، وقام بعمليته تلك بناءً على فتوى الشيخ عمر عبدالرحمن، مؤكداً أنه لم يقرأ لمحفوظ أي رواية في حياته لكن أمراءه في الجماعة أخبروه أنه "سبَّ الله والرٌسل" في رواية "أولاد حارتنا".

حينما طرح سلمان رشدي روايته الشهيرة "آيات شيطانية" وأثارت جدلاً عالميًا، قال الشيخ عبدالرحمن "لو كنّا قتلنا محفوظ منذ 30 عامًا، لم يكن رشدي تجرّأ على كتابة روايته".

نجى محفوظ من الموت، لكنه خرج من الحادث بإصابة بليغة في يده أثّرت على كتابته حتى أنه استعان بآخرين للكتابة بدلاً منه لأول مرة في حياته.

وعاش بقية حياته تحت حراسة مشددة فرضتها عليه الدولة، وهو ما حرمه من عادته في التجوّل منفردًا بجوار النيل وأعاقه عن اجتماعاته العامة التي اعتاد عقدها في مقاهي القاهرة.

ناهض حتر

في 2016، أثار ناهض جدلاً عارمًا في أنحاء الأردن بعدما نشر كاريكاتيرا يسخر فيه من "رب الدواعش"، وهو ما اعتبره آخرون مسّاً بالذات الإلهية.

اعتذر حتر لمُتابعيه عن الفهم الخاطئ للمنشور، ثم حذفه من صفحته قبل أن يُغلقها تماما، وبعدها أصدر بيانا أكد فيه أن الرسم الذي نشره "يسخر من الإرهابيين وتصوّرهم للرب والجنة، ولا يمس الذات الإلهية من قريب أو بعيد، بل هو تنزيه لمفهوم الألوهية عما يروّجه الإرهابيون".

كل هذا لم يحمِه من ردود الأفعال الغاضبة.

تفاعلت المؤسسات الحكومية الأردنية مع ذلك الجدل بعدما أمر هاني الملقى رئيس الوزراء -حينها- بالتحقيق مع حتر بتهمة "إثارة النعرات المذهبية والعنصرية"، وبعد أسبوعين من الاحتجاز أُفرج عنه بكفالة مالية.

بعد الإفراج عنه بـ17 يوما، وخلال طريقه لحضور جلسة محاكمة بشأن التُهم المنسوبة إليه، تلقّى حتر 3 رصاصات أمام قصر العدل وسط العاصمة عمان أودت بحياته.

خلال التحقيقات، أكّد القاتل -الذي يعمل مهندسا- أنه لم يسمع عن حتر من قبل ولم يقرأ له شيئًا لكنه قرّر قتله بسبب نشره ذلك الكاريكاتير.

بحسب التحقيقات، فإن المُتهم لم يكن منتميا إلى أي تنظيم إرهابي، وما قام به هو مجرد عمل فردي فقط. كان يعمل إماما لمسجد في عمان ثم فُصل منه، وصفه الصحافيون الذين حضروا جلسات محاكمته أنه "ملتحٍ يلبس دشداشة".

وفي عام 2017 نُفِّذ حُكم الإعدام بحقِّ قاتل حتر.

سمير قصير

في يونيو 2005  انفجرت سيارة الصحافي والمفكر اللبناني سمير قصير، ما أودى بحياته على الفور وأنهى مشاغباته الفكرية التي لا تنتهي مع سياسيي لبنان وسوريا.

وقعت تلك الجريمة بينما كان اللبنانيون يستعدّون للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات النيابية.

عُرف قصير بعدائه الشديد للنظام السوري وكان من أشد المؤيدين لانسحاب الجيش السوري من بيروت.

آنذاك، نظّم صحفيو لبنان عشرات الوقفات الاحتجاجية للتنديد بالحادث، كما أنشأ الاتحاد الأوروبي عام 2006 جائزة تحمل اسم "سمير قصير"، تُمنح للصحافيين الذين يتبنّون مواقف داعمة لحرية الرأي ونشر الديمقراطية.

مولود فرعون

أحد أشهر الكتاب الجزائريين الذين ظهروا في مرحلة ما قبل الاستقلال.

ألّف العديد من الروايات التي خلّدت عادات الجزائريين وتقاليدهم في هذه الفترة، واستعرض فيها معاناتهم مع الاستعمار الفرنسي ومحاولاته المستمرة لطمس هويتهم، مثل: "أشعار سي محند"، و"ابن الفقير"، و"الذكرى"، و"الدروب الوعرة"، و"الأرض الدم"، و"مدينة الورود"، و"رسائل إلى الأصدقاء".

وبعد فترة طويلة من العمل مدرسا، عمل فرعون في مركز اجتماعي يهدف إلى محو الأمية وتعزيز صحة الجزائريين.

هذا النشاط السلمي أزعج نشاط منظمة فرنسية إرهابية عُرفت باسم "منظمة الجيش السري" سعت لفرض تبعية الجزائر لفرنسا مهما كان الثمن.

اعتبرت المنظمة أن تلك المراكز التعليمية "بؤر استقلالية" لذا ناصبتها العداء.

وفي 15 مارس 1962 اقتحم عدد من عناصر المنظمة المتطرفة المركز واختطفوا فرعون بصحبة خمسة من رفاقه ثم أعدموهم جميعا رمياً بالرصاص في الشارع. 

تمت تلك الجريمة قبل ثلاثة أيامٍ فقط من توقيع جبهة التحرير "اتفاق إيفيان" التي أدت لوقف إطلاق النار مع فرنسا ومهّدت لاستقلال الجزائر لاحقا. 

يوسف السباعي

عقب اندلاع ثورة يوليو في مصر، أصبح "السباعي" أحد أبرز رموزها الثقافية بحُكم كونه ضابط جيش يكتب القصة ومهتماً بالشأن الثقافي. 

ترك السباعي العمل في الجيش وانخرط في ممارسة الكتابة؛ وتولّى رئاسة عددٍ كبير من المجلات والصحف المصرية، مثل "الأهرام" و"دار الهلال" و"روز اليوسف"، وفي عام 1977 أصبح نقيبا للصحافيين ووزيرا للثقافة.

منحه نجيب محفوظ لقب "جبرتي العصر" بعدما سجّلت كتاباته الأدبية تاريخ مصر بداية من اندلاع ثورة يوليو وحتى قيام حرب أكتوبر.

أيّد السباعي السادات في مبادرته الشهيرة لحل النزاع مع إسرائيل، وكان ضمن الوفد الذي سافر معه إلى القدس في نوفمبر عام 1977، وهي الزيارة التي رفضتها دول العربية كثيرة.

عقب إتمام تلك الزيارة بثلاثة أشهر، كان مقتل السباعي أول رد فعل عنيف على الرفض العربي لمبادرة السادات، بعدما اغتيل في قبرص على أيدي متطرفين من جماعة "أبو نضال" االفلسطينية، وهي جناح عسكري فلسطيني تمرّد على حركة فتح، وتلقى دعما كبيرا من حكومة العراق وعمل على أراضيه خلال حُكم صدام حسين.

حسين مروة

في جنوب لبنان، وُلِد حسين مروة لعائلة شيعية عام 1907. تمنّى والده أن يصير رجل دين فأرسله إلى العراق ليتلقّى العلوم الدينية في الحوزة العلمية بالنجف.

لمع نجمه في العراق، ليس كرجلٍ دين، ولكن كناشط يساري يُنادي بالعدالة الاجتماعية.

نتيجة لمواقفه السياسية وانتقاداته المتتالية للحكومة العراقية، أعاده رئيس وزراء العراق نوري السعيد، إلى بيروت حيث واصل كتاباته الصحافية ونشاطاته الفكرية.

أطلق مروة دعاوى متتالية لإعادة الرؤية للتراث وللتاريخ الإسلامي بنظرة أكثر إنسانية، وأصدر كتابه الشهير "النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية"، الذي اعتبره الباحثون قراءة فريدة للتاريخ الإسلامي بعيون ماركسية.

في فبراير 1987 أطلق مجهولون الرصاص على مروة -كان في الـ80 من عُمره- فسقط قتيلاً في الحال، وفي تأبينه قال أحد أصدقائه "قتلوك لأنك شيعي وشيوعي".

هشام الهاشمي

منذ عامين، اغتال مسلحون الكاتب والباحث العراقي هشام الهاشمي أمام منزله. واشتهر اسم الهاشمي بكتاباته المعمّقة في الفكر االتكفيري والجماعات المُسلحة وخاصة القاعدة وداعش.

في مرحلة سابقة من حياته اعتنق الهاشمي الفكر السلفي وذاع صيته حتى أن أحد المتردّدين على دروسه كان أبو بكر البغدادي قبل أن يُصبح زعيمًا لتنظيم داعش لاحقًا.

وبسبب قراره بالتخلّي عن هذا النهج المتطرف، أصبح الهاشمي هدفًا للجماعات المتشددة في العراق.

عندما سيطر تنظيم داعش على مساحات كبيرة من أرض العراق عام 2014، استعانت الحكومة العراقية بمشورة الهاشمي حينها، كما لجأ إلى مشورته عدد من قادة العالم مثل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومحمد بن سلمان ولي العهد السعودي.

أصبحت حياة الهاشمي على المحك عقب الحملة الحكومية ضد كتائب "حزب الله العراقي" بعد إطلاقه صواريخ كاتيوشا على المنطقة الخضراء التي تضمُّ المقرّات الحكومية والسفارات الأجنبية.

أيّد الهاشمي جهود الدولة لتصفية تلك الجماعة المتطرفة خلال ظهوره المتكرر في وسائل الإعلام العالمية.

قبل أسبوعين من وفاته، تلقّى الهاشمي تهديدات بالقتل لم يعبأ بها، لكن الجُناة نفذوا وعيدهم، وقتلوه أمام منزله. لاحقًا تبيّن أن القاتل ضابط في وزارة الداخلية برتبة مُلازم أول.

إبراهيم الخريط

قد تكون واحدة من أفجع حالات الاغتيال التي تعرّض لها كاتب عربي طيلة السنوات الفائتة. بعدما أُعدم الكاتب السوري إبراهيم الخريط وولديه في مدينة دير الزور شرق سوريا برصاص قوات محسوبة على الجيش النظامي عام 2012.

ألّف الخريط العديد من الروايات والقصص القصيرة التي نُشرت فصولها في الصحف والمجلات السورية، منها: "القافلة والصحراء"، و"الحصار"، و"الاغتيال".

وحسبما أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن الكاتب السوري الذي درس الفلسفة في جامعة دمشق، اقتيد ليلاً من منزله بصحبة ولديه خلال حملة أمنية داهمت الحي الذي يعيش فيه، ولاحقًا تبيّن اغتيالهم بالرصاص في الشارع.

كامل شياع

في عام 2008، اغتيل مستشار وزير الثقافة في قلب بغداد، وهي الخطوة التي أدانتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، واعتبرتها "جريمة ضد المجتمع العراقي، وخسارة كبيرة لمنظمة اليونسكو".

وكان مسلحون -لم يُكشف عن هويتهم- اعترضوا طريق الشياع وسط  بغداد وأطلقوا عليه النار فقتلوه، وهو سيناريو مُكرر لما جرى من قبل مع المفكر قاسم هجام الذي قُتل في مايو 2004.

تشابُه العمليتين وانتماء صاحبيها إلى التيار اليساري دفع أحد نواب البرلمان لاعتبار جريمة الاغتيال تلك بأنها "محاولة من الأطراف الأصولية الدينية في البلاد استهداف تيار اليسار الديمقراطي".

عاش شياع فترة طويلة من عُمره في بلجيكا، وعقب سقوط نظام صدام حسين عاد إلى بلاده للمساهمة في إعادة بنائها من جديد، ورفض مغادرة العراق رغم التحديات الأمنية الجمّة التي مرّ بها خلال تلك الفترة.

واجتهد في "إقامة نظام سياسي مدني، والوقوف ضد الميول الشعبوية المرشحة للاتجاه بالعراق نحو الديكتاتورية من جديد"، على حد تعبيره، لكن القتلة لم يمهلوه الفرصة لتحقيق تلك الأحلام.

استعصت جريمة اغتياله على الأجهزة الأمنية ولم تنجح في ضبط الجُناة، وهو ما دفع أنصاره إلى تنظيم وقفات احتجاجية من وقتٍ لآخر للتنديد بمرور سنوات على الجريمة دون العثور على مرتكبيها وعقابهم على أفعالهم.

وفي عام 2018 نعاه الحزب الشيوعي العراقي ببيان قال فيه إن "القضية ليست مجرد قضية اغتيال مثقف، بل هي أساساً، تجلٍ للصراع على إقامة البديل العراقي المنشود".

فرج فودة

مثّلت حقبة الثمانينات ذروة نجاح الإسلاميين في الترويج لمشروعهم السياسي في مصر. وفي محاولة منه للوقوف ضد مد الفكر الأصولي في مصر، تفرّد الصحافي والكاتب المصري فرج فودة بتأليف العديد من الكتب التي انتقدت تيار الإسلام السياسي في مصر.

وفي 1992 جرت في معرض الكتاب بالقاهرة مناظرة شهيرة خاضها فودة ضد الشيخ محمد الغزالي ومأمون الهضيبي نائب مرشد جماعة الإخوان.

وخلال المناظرة شن فودة هجوما عنيفا على الجماعات الإسلامية عامة وجماعة االإخوان بالأخص، وأكد أنها تتستّر بشعارات دينية لكنها في الواقع لا تمتلك أي برنامج سياسي حقيقي.

بعد الندوة، تسابقت العديد من المجلات الإسلامية على نشر فتاوى تكفير فودة باعتباره "مرتداً يستحق القتل".

كلّفت "الجماعة الإسلامية" اثنين من كوادرها بقتله حيث أمطراه بالرصاص لحظة خروجه من مكتبه في "الجمعية المصرية للتنوير" في حي مصر الجديدة.

 

المصدر: موقع "ارفع صوتك"

مواضيع ذات صلة

متشددون من تنظيم القاعدة (أرشيف)
متشددون من تنظيم القاعدة (أرشيف)

قبل حوالي عشرين عاماً نشر موقع "مركز البحوث والدراسات الإسلامية"  كتاباً بعنوان "إدارة التوحش" لكاتب مغمور يدعى أبو بكر ناجي والذي تبين لاحقاً أنه اسم حركي للقيادي في الجماعة الاسلامية المصرية محمد خليل الحكايمة. ولأن الكتاب نُشر في خضمّ زخم من الكتابات التنظيرية التي كان يشرف عليها آنذاك قادة تنظيم القاعدة في السعودية، وفي سياق ملتهب طبعته تداعيات هجمات 11 سبتمبر وإجتياح أفغانستان والعراق وحملة "القاعدة" في السعودية، لم يثر الكتاب حينها أي اهتمام.

لكن، بعد بضع سنوات من ظهوره، بدأ قادة الجماعات المسلحة يحيطونه بعناية خاصة، ووصلت نصوصه إلى أسامة بن لادن، بالتوازي مع انتباه دوائر محاربة الإرهاب في العالم إلى مضامينه الخطيرة، وبدء التوصيات بدراسته وترجمته من أجل فهم أعمق لفكر الإرهابيين، وأبعاده الاستراتيجية بعيدة المدى.

"إدارة التوحش"

خطة "إدارة التوحش" هي باختصار عبارة عن خريطة طريق عملية ومفصلة نحو إقامة "دولة إسلامية" كما يتصورها الجهاديون. مبدئيا، استبعدت الخطة كل الأساليب السلمية أو الشعبية  للوصول إلى الحكم، واعتبرتها من ضروب العبث، وحصرت تركيزها على العنف المسلح المفرط في الدموية.

ويقصد المؤلف بـ"التوحّش" حالة الفوضى العارمة وانهيار الدولة التام نتيجة الحرب والهجمات المتتالية التي ستشنها "التنظيمات الجهادية"، وهو الوضع الذي كانت تعيشه أفغانستان مثلاً قبل سيطرة حركة طالبان عليها سنة 1996. وبحسب ناجي، فإن حالة الفوضى العارمة ستجعل سكان الدولة يتعطشون لمن يدير هذا التوحش. وهنا يأتي دور "الجماعات الجهادية" لتقوم بهذه المهمة.

تقوم نظرية التوحش على ترشيح مجموعة من الدول باعتبارها مناطق مؤهلة لتطبيق فكرة التوحش. واقترح الكتاب كمثال عليها كل من السعودية وباكستان ونيجيريا والأردن والمغرب واليمن، وذكر أن من شروط اختيار هذه الدول أن يكون لها "عمق جغرافي وتضاريس تسمح في كل دولة على حدة بإقامة مناطق تدار بنظام إدارة التوحش" و"ضعف النظام الحاكم" وارتخاء قبضته الأمنية على مفاصل البلاد، و"وجود مد إسلامي" ومزاج عام يقبل باحتضان الوجود الجهادي، ثم "انتشار السلاح" بين أفراد المجتمع وسهولة الوصول إليه.

وانطلاقاً من هذه المناطق التي تحمل مقومات " إدارة التوحش" يمكن الوصول إلى "الدولة الإسلامية" عبر ثلاث مراحل أساسية وهي: مرحلة "شوكة النكاية والإنهاك" ثم مرحلة "إدارة التوحش" وأخيراً مرحلة "شوكة التمكين" التي تعني النجاح في تأسيس الدولة الإسلامية، وتتويج  الخطة بنهايتها المثالية كما تصورها أبوبكر ناجي.

 لكن، وعلى الرغم من حرص الرجل على سد كل الثغرات المحتملة في خطته، ومعالجة العيوب التي يمكن أن تعيق تطبيقها العملي على أرض الواقع إلا أنها في النهاية تحولت إلى نظرية كرّست الفوضى الدموية في ربوع العالم، واخفقت على امتداد السنوات العشرين الماضية في تحقيق الحد الأدنى من تطلعات صاحبها، رغم نجاحه المدهش في استشراف مستقبل المنطقة، وتوقعه دخولها في فوضى عارمة.

فشل مرحلة "النكاية"

رشح أبو بكر ناجي كما ذكرنا خمسة دول تتوفر فيها مقومات "إدارة التوحش" وهي الدول نفسها التي رشحها أسامة بن لادن في فبراير 2003 أي قبل سنة من ظهور الكتاب، واعتبرها دولا "مؤهلة للتحرير"، بحسب تعبيره. وكانت هذه الدول نماذج حية على فشل خطة التوحش في مراحلها الثلاث.

فالأردن والمغرب، أثبتا الفشل المبدئي في تصور المقومات والشروط المناسبة لإقامة مناطق التوحش كما تخيّلها بن لادن وناجي، والسعودية وباكستان أكدتا فشل مرحلة "شوكة النكاية والإنهاك"، بينما مثلت كل من اليمن ونيجيريا نموذجان على فشل مرحلة "إدارة التوحش" وإمكانية  الوصول  من خلالها إلى مرحلة "الدولة الإسلامية" التي أكدت مناطق أخرى مثل سوريا والعراق وليبيا فشلها الذريع أيضاً.

ابتداءا من العام 2003 صمّم تنظيم القاعدة على تحويل السعودية إلى دولة تعمها الفوضى ضمن خطة "شوكة النكاية والإنهاك"، وتقوم الخطة على تنفيذ عمليات صغيرة ومتوسطة على طول البلاد، هدفها تشتيت القوات الأمنية، وحرمانها من الفعالية، تتخذ طابعا تصاعديا، تتخللها عمليات نوعية من أجل جذب انتباه الناس واستقطاب الأعضاء، استناداً إلى عنصر الإبهار الذي يكتنف هذا النوع من العمليات.

يكون التركيز في هذه المرحلة على استهداف المنشآت الاقتصادية خاصة قطاع النفط، والقطاع السياحي والشخصيات السياسية والأمنية البارزة في البلاد. هذه العمليات بحسب خطة "النكاية والإنهاك"، ستضطر قوات الجيش والأمن إلى تركيز تواجدها في محيط المؤسسات والمنشآت الحيوية، وتترك مساحات شاسعة في الأطراف والهوامش تتحول تدريجيا إلى مناطق فوضى وتوحش، ما يعني نجاح مرحلة "النكاية" ودخول مرحلة "إدارة التوحش".

طبّق تنظيم القاعدة في السعودية خطة "النكاية والإنهاك" تطبيقاً حرفياً. ضرب المنشآت البترولية، والمجمعات السكنية التي يقطنها الأجانب، واعتمد نمط العمليات الصغيرة والمتوسطة كما حصل في تفجيرات الرياض والمحيّا. وواكب التنظيم نشاطه الدموي بزخم كثيف من المواد الدعاية، وحَشْد من المؤلفات والفتاوى الدينية. وبما أن نظرية "إدارة التوحش" في مرحلتها الأولى، تنصّ على ضرورة تأهيل الكوادر أمنياً وعسكرياً وإدارياً ليكونوا على استعداد لمرحلة "إدارة التوحش" فقد أصدر التنظيم مجموعة من المواد التعليمية والارشادية لرفع كفاءة عناصره، منها نشرة "البتّار" الالكترونية وعدد من الدوريات التي أطّرها قادته البارزون مثل عبد العزيز المقرن و يوسف العييري وغيرهم.

لم تمض على حملة القاعدة في السعودية سوى 3 سنوات حتى وصلت إلى نهايتها، مع نجاح السلطات الأمنية في زمن قياسي في تفكيك كل خلايا القاعدة، وقتل قادة التنظيم تباعاً، واعتقال منظّريها، وفرار من تبقى منهم إلى العراق واليمن.

العمليات النوعية التي راهنت عليها القاعدة لاستقطاب مزيد من الأفراد إلى صفوفها أتت بنتائج عكسية تماماً، إذ زادت فظاعة تفجيرات المحيا والرياض من عزلة التنظيم، ونفر المجتمع السعودي من خطاب القاعدة، وانشق بعض كوادر التنظيم، خصوصا  "الشرعيين" الذين لم يوافقوا على تفجير المجمعات السكنية. وطوق الأداء الأمني الناجح للسلطات السعودية خلايا القاعدة في الشقق السكنية والاستراحات. وفشل مخطط "النكاية والإنهاك" في السعودية فشلا ذريعاً، رغم ما رصدته قيادة القاعدة من موارد وإمكانات لدفعه قدماً نحو المراحل التالية.

فشل مرحلة "إدارة التوحش"

الملاحظة الأساسية هنا هي أن المناطق التي وصلت فعلاً إلى مرحلة "إدارة التوحش" لم تصل إليها بعد مرحلة "النكاية والإنهاك" كما يفترض بالمخطط أن يكون، بل وصلت إليها بفعل عوامل أخرى خارجة عن إرادة الجهاديين، كل ما فعلوه أنهم وجدوا "مناطق توحش" جاهزة فانخرطوا في إدارتها وفق تصور أبو بكر ناجي. وهذه العوامل قد تكون ثورات شعبية أطاحت بالسلطات الحاكمة كما هو الحال في اليمن وليبيا وسوريا، أو اجتياحا خارجياً للبلد كما حصل في العراق وأفغانستان، أو اضطرابات سياسية وانقلابات عسكرية كما هو الحال مع مالي ودول الساحل.

اندلعت الثورة اليمنية في 2011 وتنظيم القاعدة يحاول إيجاد موطئ قدم له في البلاد. نجحت الثورة في إسقاط نظام علي عبد الله الصالح، وعمّت الفوضى أغلب المحافظات اليمنية، كانت مقومات التوحش مكتملة في الحالة اليمنية، من حيث التضاريس الوعرة والقابلية لاحتضان "المد الجهادي" وانتشار السلاح، لقد كان اليمن بمثابة اختبار للمرحلة الثانية من "إدارة التوحش".

انسحب أفراد القاعدة من العاصمة صنعاء التي كانت تغلي على وقع المظاهرات الشبابية التي تطالب بحكم ديمقراطي كامل، وذهبوا إلى المناطق التي انحسرت فيها سلطة الدولة وأسسوا سلطة موازية لادارة التوحش وضبط الفوضى، وتقديم نموذج مصغر لـ"حكم الشريعة" كما تنص عليها أدبياتهم.

ما حصل أن "إدارة التوحش" التي أشرف عليها تنظيم القاعدة في مناطق سيطرته، فتحت جبهات جديدة أمام الجيش اليمني، وورطت القبائل والمجتمعات المحلية في صراعات داخلية. وحوّلت أنظار العالم إلى ما يحدث في اليمن، من ثورة شعبية تدور فعالياتها في صنعاء إلى بؤر إرهابية تتوسع في حضرموت وشبوة وغيرها.

من أهداف "مرحلة إدارة التوحش" بحسب أبو بكر ناجي: "نشر الأمن الداخلي والحفاظ عليه، وتوفير الطعام والعلاج، وتأليف أهل الدنيا بشيء من المال، أي احتواء المخالفين بواسطة الاغراءات المادية، وإقامة القضاء الشرعي، وتوسيع التحالفات مع من يجوز التحالف معهم"، وأخيراً "تأهيل الكوادر الإدارية وتأمين القيادات لتكون جاهزة لمرحلة إقامة الدولة".

في اليمن حدث العكس، زاد منسوب الفوضى في مناطق سيطرة تنظيم القاعدة، وانعدم الشعور بالأمن، وتفككت تحالفات التنظيم مع القبائل اليمنية. وهذه المرحلة التي يفترض بها أن تكون "مفرّخة" لإنتاج الكوادر والقيادات التي ستحكم "دولة التمكين" القادمة، تحولت إلى "محرقة" لهذه الكوادر، إذ قتل معظم قادة الصف الأول والثاني في القاعدة، وخسرت مواردها البشرية في قتالها مع الجيش اليمني، واعتزل قسم من التنظيم بفعل الخلافات الداخلية. وأخيراً ساهمت مناطق التوحش التي أقامها التنظيم في إرباك الجيش اليمني وتشتيت جهوده، فاستغلت جماعة الحوثي هذا المعطى وتقدمت نحو صنعاء وسيطرت على العاصمة، من دون أن تحقق القاعدة أيا من مشاريعها في اليمن، وتراجعت خططها إلى مرحلة "النكاية" من جديد.

من التوحش إلى الوحشية

يعتبر مبدأ "الشدة" من أركان خطة أبو بكر ناجي خصوصاً في مرحلة "إدارة التوحش"، وخصّص له فصلاً مستقلاً في كتابه. ويقصد بمبدأ "الشدة" اعتماد أقصى درجات الوحشية والدموية في التعامل مع خصوم التنظيم، وعدم التردد في استعمال أساليب انتقامية -وإن تحفظ عليها الشرع الاسلامي- لردع الأعداء مثل الذبح والتحريق بالنار وغيرها "إذ لا يمكن أن يستمر الجهاد في ظل الرخاوة، سواء الرخاوة في أسلوب الدعوة إليه أو الرخاوة في اتخاذ المواقف، أو في أسلوب العمليات"، كما جاء في فلسفة ناجي،  واعتبر أن الشدة والغلظة والدموية "تحقق البأس وتجلل التنظيم بهالة من الخوف والرعب"، وتمكنه من تحقيق أهدافه من خلال "سمعته الدموية وبأسه الشديد". ويلحق بمبدأ "الشدّة" مبدأ "الانتقام"، أي أن أي استهداف للتنظيم يجب أن يُردّ عليه بعنف مفرط يحول دون تكراره.

طبق تنظيم "داعش" هذا المبدأ خلال توسعه في العراق وسوريا، وعوض أن يساهم في ردع خصومه، ويفتح الطريق أمامه نحو مزيد من التمدد والسيطرة، فتح أبواب الجحيم عليه، إذ تأسس تحالف دولي لمحاربته، وأنشأت الفصائل في سوريا غرفاً مشتركة للتصدي له، وكانت مشاهد الذبح والحرق وتفجير المخالفين بالديناميت، وإغراقهم في أحواض زجاجية، ورميهم من أسطح المباني، عاملا أساسياً في تشكيل رأي عام عالمي أتفق على ضرروة القضاء على داعش قضاءً مبرما لا تردد فيه.

ما لم ينتبه إليه أبو بكر ناجي وهو يحرر فصل "اعتماد الشدة" في كتابه، هو أن هذه الشدة أو هذه الوحشية بتعبير أدق قد تولد وحشية مضادة، وهذا ما حصل في المناطق التي سيطر عليها داعش، حيث اعتمد كثير من خصومه أيضا مبدأ الوحشية، سواء في العراق من خلال أساليب فصائل من الحشد الشعبي قامت بحرق وذبح عناصر من داعش أثناء معارك تحرير المحافظات العراقية، أو في سوريا من خلال عمليات الإعدام الميداني التي نفذها فصيل "جيش الاسلام" في الغوطة الشرقية، وفصيل هيئة تحرير الشام في شمال غرب سوريا، وأساليب قوات حفتر في ليبيا وغيرها. إذن فبمدأ الوحشية التي يريد من خلاله أبو بكر ناجي تثبيت دولة الجهاديين، ساهم في الواقع في تقويضها والقضاء عليها.

ما يقال عن تنظيم القاعدة في اليمن والسعودية ينطبق على كل فروع التنظيم التي فشل أغلبها في تجاوز مرحلة "النكاية والانهاك" أو انتهى وجودها عند هذه المرحلة. أما الفروع التي نجحت في تخطي هذه المرحلة والوصول إلى مرحلة "إدارة التوحش" كما هو الحال في الصومال والساحل، فقد وصلت إليها بفعل عوامل موضوعية خارجة عن نطاق تخطيطها. ولا يزال الانتقال من "التوحش" إلى "التمكين" يشكّل تحدياً كبيراً لها. كما لا تزال إدارة مناطق التوحش عاملاً من عوامل انقسام الجماعات المتطرفة، بسبب الخلاف على السلطة والموارد وتباين المواقف حول الأحكام الشرعية والمعتمدة.

لا بدّ أن نتذكر في هذا السياق أن الخلاف الكبير الذي وقع بين تنظيم "داعش" وبين القاعدة في 2013 يعود في جزء منه إلى الخلاف حول تقدير الفترة الزمنية التي يجب أن تأخذها مرحلة "إدارة التوحش" في سوريا. "داعش" أرادت الانتقال إلى مرحلة "التمكين" وإعلان الدولة، والقاعدة وجبهة النصرة كانتا تريان أن مرحلة التوحش لا تزال في بداياتها الأولى.

 

المصدر: موقع "ارفع صوتك"