Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

صورة أرشيفية لعناصر من تنظيم داعش الإرهابي
صورة أرشيفية لعناصر من تنظيم داعش الإرهابي

في ذات التوقيت الذي صادف الذكرى الخامسة لإنهاء "خلافته" على الأرض في سوريا بعث تنظيم داعش الإرهابي رسالة من نار للعالم، مفادها بأنه "لم ينته" ولم يعد نشاطه يقتصر على استهداف دورية هنا وتفجير مركز أمني والخوض باشتباكات هناك بل أصبح يتخطى الحدود.

وأسفر الهجوم الذي تبناه في مركز "كاركوس سيتي" بموسكو عن مقتل 130 شخصا وإصابة أكثر من 100 آخرين، ورغم إعلان أجهزة الأمن الروسية إلقاء القبض على المنفذين الأربعة نشرت وسائل إعلام مقربة من التنظيم صورا دعائية تشير إلى نيته تنفيذ المزيد من الهجمات، وخاصة في دول أوروبية.

على مدى السنوات الماضية كانت أنظار العالم والدول والمسؤولين الأممين تتجه على نحو كبير إلى سوريا والعراق و"مخيم الهول" الذي يضم عائلات وأبناء مقاتلي داعش الأسرى والقتلى. 

وبينما كانت تصدر التحذيرات من "قنبلة موقوتة" في الشمال الشرقي لسوريا لم يكن متوقعا أن تنفجر في موسكو بالسياق المفاجئ الذي جاءت فيه، أو حتى كما حصل في إيران عندما فجّر عنصران من داعش نفسيهما بجموع من الناس كانوا يحيّون ذكرى مقتل قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني في كرمان.

"خارطة تحذيرية"

وترسم خريطة نشرها "معهد واشنطن" حديثا صورة تحذيرية للشكل والنشاط الخاص بتنظيم داعش في الوقت الحالي، وتوضح كيف أن عملياته باتت تتصاعد بالتدريج ليس في سوريا فحسب كما يدور الحديث ويتركز الاهتمام دائما، بل في عموم المناطق التي ينتشر فيها أفراده بالعالم.

التنظيم تمكن من تنويع عمل أفرعه وفق المعهد الأميركي حيث تقود "ولاية خراسان" في أفغانستان العمليات الخارجية، وفي المقابل تبسط ولايات متعددة أخرى السيطرة الإقليمية في أفريقيا. 

وفي غضون ذلك يواصل أنصار "داعش" التخطيط لهجمات إرهابية كبرى أيضا، لا سيما في تركيا، ولكن سلطات إنفاذ القانون أحبطت معظمها (باستثناء تفجيرات يناير 2024 في كرمان بإيران). 

منذ مارس 2023 أعلنت إدارة الإعلام المركزية لـ"داعش" مسؤولية التنظيم عن 1121 هجوما، ووفقا للبيانات الصادرة عنه أدت هذه الهجمات إلى مقتل أو إصابة حوالي 4770 شخصا.

وصدرت معظم هذه الإعلانات عن "تنظيم الدولة - ولاية غرب أفريقيا" (المتمركز بشكل أساسي في نيجيريا وجنوب شرق النيجر) تليه ولايات "داعش" في سوريا والعراق وأفريقيا الوسطى (مقرها في جمهورية الكونغو الديمقراطية) وموزمبيق. 

وقد شهدت "ولاية خراسان" الهجمات الأكثر ضررا في المتوسط كما يورد "معهد واشنطن" إذ أودى كل حادث بحياة حوالي 14 شخصا.

"يجب اعتبار مؤامرات (تنظيم الدولة الإسلامية - ولاية خراسان) أكبر تهديد عالمي يطرحه التنظيم اليوم"، حسبما حذرت ورقة المعهد المذكور.

وتوضح أنه في العام الماضي خطط الفرغ الأفغاني لإحدى وعشرين مؤامرة أو هجوما خارجيا في تسع دول، مقارنةً بثماني مؤامرات أو هجمات في 2023 وثلاث فقط بين عام 2018 ومارس 2022.

وبعدما حصل إحداها بصدى كبير وقوي في موسكو وقبلها إيران تثار تساؤلات عن طبيعة المسار الذي يسلكه داعش الآن ونقاط توزع قوته حول العالم.

"الخلافة وما بعدها"

يعتبر شهر نوفمبر 2014 محطة فاصلة على صعيد الحياة المتعلقة بتنظيم داعش، ففي هذا التوقيت أعلن الناطق باسم "أبو محمد العدناني" عن قيام "الخلافة" وتنصيب أبو بكر البغدادي "كخليفة".

قبل عشر سنوات كسر داعش الحدود بين سوريا والعراق، وبالتزامن مع ذلك أيضا أعلن عن "ولايات" خارج أراضيه الأساسية في البلدين المذكورين، بما في ذلك مناطق مختلفة في أفريقيا والقوقاز وجنوب شرق آسيا. 

ووفق ما يوضح خبراء في شؤون الجماعات المتشددة لموقع "الحرة" اختلفت حدة وقوة كل فرع في داعش عن الآخر خلال السنوات الماضية، لاعتبارات تتعلق بالساحة الجغرافية من جهة وللسياسة التي كان يعتمدها التنظيم الإرهابي في السابق.

ينشط داعش الآن في سوريا بمجموعات تنتشر في منطقة البادية السورية مترامية الأطراف ويأخذ شكل المفارز في العراق، والمكونة من أعداد محدودة وشرسة في ذات الوقت، كما يقول الخبراء. 

وإلى ما هو أبعد من البلدين يتواجد في أفغانستان وباكستان وإيران تحت اسم "داعش-خرسان"، ووفق تقديرات الأمم المتحدة في عام 2021 لدى هذه الجماعة ما يصل إلى 2200 مقاتل أساسي متمركزين في مقاطعتي كونار ونانجارهار.

للتنظيم نفوذ واسع في القارة السمراء أيضا، وخلال السنوات الماضية "لم تسلم أي من المناطق الجيوسياسية الخمس كما حددها الاتحاد الأفريقي من نشاطه"، كما يقول الباحث في "معهد دراسات الأمن"، مارتن إيوي.

ويوضح بالقول: "شهدت 20 دولة على الأقل في أفريقيا نشاطا مباشرا لداعش. ويتم استخدام أكثر من 20 آخرين للخدمات اللوجستية، وحشد الأموال والموارد الأخرى".

إيوي أشار إلى وجود محاور إقليمية أصبحت ممرات لعدم الاستقرار في أفريقيا، وأضاف أنه "لا يزال حوض بحيرة تشاد أكبر منطقة عمليات للتنظيم، بينما الصومال هو النقطة الساخنة للقرن الأفريقي".

ويوضح الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، ماهر فرغلي لموقع "الحرة" أن "ولاية غرب إفريقيا" تعتبر من أهم المراكز التابعة لداعش، ويشير إلى أن الأخير ينتشر في دول الساحل والصحراء، وتصل حدوده إلى موزمبيق ومالي وبوركينا فاسو ومناطق صحراوية في جنوب ليبيا.

فرغلي يوضح أيضا أن التنظيم الإرهابي موجود في وسط آسيا كما هو حالة "داعش – خرسان"، ويتحدث عن تنظيمات تتبع له في أوزبكستان وفي "ولاية القوقاز" التي اندمجت في وقت سابق ضمن الجماعة التي نفذت هجوم موسكو.

"داعش خراسان اكتسب ويكتسب الصيت الآن بسبب عملياته الخارجية وهو الأكثر قوة في العمليات الخارجية في دول كبيرة مثل روسيا ويحاول تنفيذ عمليات في أوروبا"، حسبما يتابع الباحث فرغلي.

ويرى أن "داعش يحاول الآن نقل المركز إلى وسط آسيا وخاصة إلى المناطق التي تحظى بطبيعة جغرافية جيدة وتواجد إسلامي"، على حد تعبيره.

"ضعيف مركزيا قوي فرعيا"

قبل أن يخرج "داعش – خرسان" إلى دائرة الضوء وبقوة أخبر رئيس القيادة المركزية الأمريكية المشرعين في مارس 2023 أن الجماعة أصبحت أكثر جرأة، وأن أوروبا أو آسيا كانت أهدافا أكثر ترجيحا للهجمات الإرهابية التي تنطلق من أفغانستان.

وفي تقرير تقييم التهديدات لعام 2023 الصادر عن وكالات المخابرات الأمريكية، قال مكتب مدير المخابرات الوطنية إن داعش-خراسان "يكاد يكون من المؤكد أنه يحتفظ بنية تنفيذ عمليات في الغرب وسيواصل جهوده للهجوم خارج أفغانستان".

وفي وقت سابق من 2023 حذر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في تقرير له من أن تنظيم "داعش-خراسان" كان يخطط أو ينفذ "مؤامرات عملياتية" في أوروبا. 

وقال المجلس إن سبعة أشخاص مرتبطين بالجماعة اعتقلوا في ألمانيا العام الماضي بينما كانوا يخططون لهجمات إرهابية شديدة التأثير، بما في ذلك الحصول على أسلحة وأهداف محتملة.

يعتقد الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، محمد صفر أن "داعش ومن خلال هجوم موسكو أراد التأكيد على مواصلة النشاط، وإيصال فكرة وجود الشبكات التي تصل سوريا بتركيا بروسيا وأيضا أوكرانيا". 

ومن الواضح أن لديه الآن "شبكات" ولا يمكن القول إن نشاطه قائم على استراتيجية "الذئاب المنفردة"، كما كانت تذهب الترجيحات في السابق، وفق صفر.

ويضيف لموقع "الحرة": "العمليات الكبيرة التي تتجاوز الحدود لها ترتيب ودعم لوجستي ومالي وترتيب آخر على صعيد اختيار الأهداف"، وهو ما يقود إلى أن ما يحصل بعيدا عن أي قرار لمجموعة فردية.

ويوضح الباحث فرغلي أن داعش الآن بات ضعيفا في مركزه في إشارة إلى سوريا والعراق وقويا في "الولايات البعيدة".

ويقول: "المركز (في البادية السورية والحدود العراقية السورية) وبعض مناطق الشمال السوري. في هذه المناطق يتواجد على مستوى القيادات والعناصر لكن ليس مثل قوة الأفرع".

ويضيف: "سابقا كان قويا في مركزه وضعيفا في أفرعه.. الآن بات المشهد على العكس".

"استقطاب وتقديم غطاء"

ورغم التقدم المطرد الذي أحرزته الدول الأعضاء بالأمم المتحدة في الحد من القدرات العملياتية لتنظيم داعش، لا يزال لديه والجماعات التابعة له القدرة على شن هجمات تسفر عن خسائر كبيرة في صفوف المدنيين وعن معاناة إنسانية، وفق تقرير أصدره الأمين العام للأمم المتحدة، في فبراير 2024.

وجاء في التقرير أيضا أن "تنظيم والجماعات المنتسبة له ظلوا يواجهون استنزافا في القيادة ونكسات مالية، ومع ذلك احتفظوا بقدرتهم على شن هجمات إرهابية والتخطيط لتهديد خارج مناطق عملياتهم".

ويشير الباحث صفر إلى أن "داعش تمكن خلال السنوات الماضية من استقطاب مجموعات في أفريقيا وأفغانستان في مسار لافت".

ويقول إن هذه المجموعات انضمت إليه "مقابل الغطاء الذي قدمه له بالإضافة إلى التمويل، وهو ما حصل بالنسبة لحركة بوكو حرام وتنظيم داعش – ولاية غرب أفريقيا".

وفيما يتصل بالموارد المالية للتنظيم، يشير تقرير الأمين العام الصادر في فبراير الماضي إلى أنها ما تزال تعتمد على السياق.

ويوضح أن "التنظيم في غرب أفريقيا واصل جمع الأموال محليا من الأنشطة الإجرامية بما فيها ابتزاز الصيادين والمزارعين وسرقة الماشية والاختطاف طلبا للفدية".

وبدأ مؤخرا في استكشاف الأنشطة الزراعية مثل الفلفل الأحمر في البلدان المجاورة لبحيرة تشاد.

وبرغم أن الدول الأعضاء أوردت زيادة في استخدام العملات المشفرة، إلا أن وسيلة المعاملات المالية الغالبة المستخدمة من جانب داعش والجماعات المنتسبة إليه ظلت تتمثل في حاملي الأموال النقدية والأنظمة البديلة للتحويل المالي (الحوالة)، وفق التقرير.

وظلت معظم الجماعات المنتسبة لداعش مستقلة ماليا، وقيل حسب التقرير الأممي  إن "بعض هذه الجماعات تستعمل وسائل التواصل الاجتماعي لجمع الأموال عن طريق العملات المشفرة (العملات الرقمية)".

"روابط إيديولوجية"

من متابعة نشاطات التنظيم يبدو واضحا أنها تراجعت إلى أدنى مستوياتها في العراق، وتقدمت بشكل واضح في سوريا عدديا وفي ولايات أخرى نوعيا، حسبما يوضح الباحث في شؤون الجماعات الجهادية، رائد الحامد.

ومن بين الولايات "خرسان" التي نفذت هجوم كرمان في إيران، وهجمات عدة في أفغانستان، وهجوم المركز التجاري في موسكو.

الحامد يرى في حديثه لموقع "الحرة" أن "هذه العمليات (النوعية) ورغم أهميتها وحجم التداعيات المترتبة عليها لا تعكس حجم انتشار أو التوزيع الجغرافي لمراكز ثقل التنظيم عدديا".

وذلك لأن "عمليات كبرى مثل هجمات كرمان وموسكو لا تحتاج للتنسيق والإعداد لها، بينما تتم عملية تنفيذها بأعداد محددة قد تقل عن عشرة أشخاص على صلة مباشرة وعملية بالهجمات"، حسب الباحث.

ويعتقد الباحث أن "ولاية الشام هي المركزية للتنظيم وهي الأكثر أهمية من باقي الولايات بما فيها ولاية العراق التي ينحدر من مدنها قادة الصف الأول منذ إقدام ابو بكر البغدادي على (تعريق) القيادة، وإعطاء غير العراقيين مواقع قيادية أقل أهمية في مركز القرار الممثل بمجلس الشورى ومن بعده اللجنة المفوضة".

ويشير إلى أن "حجم الانتشار في ولاية الشام هو الأكبر عدديا لعوامل أهمها أن سوريا دولة هشة أمنيا، وأن مساحات شاسعة من البلاد خارج سيطرة أي من القوى المحلية أو الإقليمية أو الدولية أو قوات النظام".

 

المصدر: موقع الحرة

مواضيع ذات صلة

جنود موريتانيون من أفراد قوة الساحل خلال تأمينهم للحدود مع مالي شهر نونبر الماضي
جنود موريتانيون من أفراد قوة الساحل خلال تأمينهم للحدود مع مالي شهر نونبر الماضي

يكاد حصار جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" لتمبكتو شهره الثاني، دون أن يتمكن الجيش المالي وقوات فاغنر من فكّه، إذ تعيش المدينة الأثرية الواقعة شمال مالي في عزلة تامة منذ أن قرر فرع تنظيم القاعدة في الساحل بشكل مفاجئ قطع كل الطرق المؤدية إليها مطلع أغسطس الماضي.

وأمس الاثنين، أعلنت الجماعة، في بيان، فرض حصار جزئي على مدينة "غاو" الواقعة على ضفاف نهر النيجر وتبعد عن تمبكتو 320 كلم إلى الجنوب الشرقي، ويقطنها حوالي 86000 نسمة.

حصار المدن والقرى في مالي كان دائما تكتيكا عقابيا تلجأ إليه الجماعات المتشددة لتأكيد نفوذها، وعقاب من تتهمهم بالتعاون مع خصومها، لكن هذه المرة أخذ طابعا استثنائيا في دواعيه وملابساته. فماذا تريد القاعدة هذه المرة من حصارها لأشهر مدن الساحل الأفريقي؟

حصار تمبكتو

خلال السنوات الماضية أعلنت "نصرة الإسلام" في الساحل، مراراً، عن حصارها لبعض القرى والمدن في مناطق متفرقة من مالي، في سياق حربها على الحكومة والقوات المتحالفة معها سواء كانت فرنسية (قبل خروجها من البلد) أو تابعة لشركة فاغنر الروسية، كان آخرها ما أعلنت عنه الجماعة من فرضها حصارا خانقا أواخر يوليو الماضي على بلدة بوني.

آنذاك، بررت خطوتها في بيان أصدرته في أوائل أغسطس الماضي، بأن أهالي البلدة تعاونوا مع قوات فاغنر والجيش المالي. ولتبرير حصار بلدة كل أهلها من المسلمين وهو ما يتنافى حتى مع أدبيات التيار الجهادي نفسه، أكد البيان أن الذين رفضوا التعاون مع فاغنر قد "خرجوا من البلدة قبل تطويقها وقطع الإمدادات عنها، ولم يبق منها سوى المدانين بالتعاون".

نجاح تكتيك الحصار في إرغام القرى وأعيانها على الرضوخ لرغبات الجماعة، دفع بجماعة "نصرة الإسلام" إلى اتخاذه تكتيكا ناجعا لتوسيع سيطرتها ومد نفوذها على مساحات شاسعة في شمال ووسط البلاد، ليأتي حصار  تمبكتو منذ حوالي شهرين مؤكداً إصرار الجماعة على التمسك بتكتيكها رغم تداعياته الكارثية على المدنيين.

في 12 أغسطس الماضي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي رسائل صوتية منسوبة إلى المدعو "طلحة أبو هند" وهو قيادي بارز في "نصرة الإسلام"، ودرج على توقيع بياناته بـ"والي ولاية تمبكتو"، أعلن فيها أن المدينة العريقة التي يقطنها 35000 نسمة باتت تحت الحصار، وحذر الشاحنات القادمة من الجزائر وموريتانيا والمناطق الأخرى من دخولها. 

بعض أهالي المدينة حسب ما نقلته وكالة رويترز، ظنوا أن الأمر يتعلق فقط بتطور عسكري مؤقت كما كان يحدث في السنوات السابقة، لكن الأحداث اللاحقة واستمرار الحصار لأسابيع بدد آمالهم في عودة سريعة إلى حياتهم الطبيعية.

في الأيام اللاحقة لإعلان تطويق مدينة تمبكتو، وقعت تطورات أكدت أن الأمر لا يتعلق فقط بعقاب مؤقت لمدينة "المزارات والأضرحة" بل بخطة إعادة تمكين للجهاديين، وسيطرتهم على مدن إقليم أزواد الرئيسية.

بدأت "نصرة الاسلام" عمليات موسعة في محيط تمبكتو استهدفت الجيش المالي وقوات فاغنر في منطقة بير، كما استهدفت قوات حفظ السلام الأممية (مينوسما).

وفي 18 أغسطس الفائت، عادت قوافل من شاحنات محملة بالبضائع قادمة من الجزائر، أدراجها، بعد تهديدات باستهدافها. وعلى امتداد الشهر نفسه وقعت اشتباكات متعددة حاول فيها الجيش المالي وقوات فاغنر فتح طرق برية إلى داخل المدينة لكن دون جدوى.

في 28 الشهر نفسه، أعلن رئيس بلدية تمبكتو أن المدينة تعاني نقصا حادا في الأغذية والمواد الأساسية وارتفاعا كبيرا في الأسعار، مناشدا الجماعة فتح الطرق إلى المدينة أمام الإمدادات الغذائية.، وشكّل لجنة تضم 30 شخصية دينية وعرقية بارزة لرفع مناشدات الأهالي إليهم.

وتأكيدا على المضي قدما في خططها، هاجمت "نصرة الإسلام" مطار تمبكتو، ما أدى إلى إلغاء كافة الرحلات الجوية من وإلى المدينة اعتبارا من 11 سبتمبر الماضي. غير أن الحدث التراجيدي الأبرز وقع في 7  سبتمر، عندما تم استهداف عبّارة تمبكتو النهرية ثلاثية الطوابق قرب قرية زارهو (90 كلم شرق تمبكتو) أثناء نقلها مواطنين عبر خط غاو-موبتي على نهر النيجر، ما أسفر عن مقتل وإصابة العشرات ممن كانوا على متنها.

ورغم أن الجماعة المتطرفة نفت مسؤوليتها عن الحادث في بيان لها، إلا أن الحكومة المالية أشارت بأصابع الاتهام نحوها.

سباق النفوذ

معطيات كثيرة استجدت في مالي خلال الفترة التي أعقبت استيلاء الجيش على السلطة في مايو 2021 وتشكيل مجلس عسكري عيّن أسيمي غويتا رئيسا انتقالياً للبلاد، أبرزها خروج القوات الفرنسية في 15 أغسطس 2022 بإلحاح من السلطة العسكرية الحاكمة، وإحلال عناصر شركة فاغنر الروسية مكانها، وتصاعد هجمات القاعدة وداعش حتى خرجت مناطق واسعة من قبضة الحكومة، وإقرار دستور جديد في يونيو الماضي بنسبة مشاركة لا تتعدى 38%، مع تعذّر تصويت عدد من المناطق بما فيها مدينة غاو -معقل الحركات الأزوادية- بسبب تدهور الأوضاع الأمنية، وهو ما يعتبره ماليون طعنا في تمثيلية الدستور.

تحركات الجيش المالي وقوات فاغنر في شمال البلاد بعد خروج القوات الفرنسية والأممية، وقصفها مواقع محسوبة على الحركات الأزوادية، دفع الأخيرة إلى التنصل من اتفاق السلام الذي وقعته مع باماكو في الجزائر عام 2015، والبدء في حشد قواتها العسكرية، وتوحيد صفوفها تحت اسم "الجيش الوطني لأزواد" مع سحب كافة ممثليها من العاصمة، وشروعها في اقتحام القواعد العسكرية للجيش المالي، والسيطرة على قرى ومدن أزواد،  آخرها السيطرة على بلدة بمبا الواقعة بين تمبكتو وغاو، الاثنين.

هناك إذاً سباق محموم بين تنظيمي القاعدة وداعش والحركات الأزوادية للسيطرة على المدن والمواقع الإستراتيجية في إقليم أزواد، وكل منها يعتبر نفسه "دولة"، لها الحق في حكم الشمال وفرض نفوذها عليه.

من جانبه، عزز داعش مواقعه في منطقة ميناكا، وأعلن في 25 أغسطس الماضي عن مدّ نشاطات "الحسبة" إلى مناطق جديدة، سعياً لفرض "دولة" الأمر الواقع.

أما جماعة "نصرة الإسلام"، فترى نفسها "إمارة إسلامية شرعية"، وباتت بياناتها تحمل عناوين مثل "إمارة تمبكتو، ولاية غاو.."، بينما نسقت الحركات الأزوادية تحركاتها وأكدت في بياناتها أنها "الممثل الشرعي" لشعب أزواد، وشكلت تبعاً لذلك "الجيش الوطني لأزواد".

بالتالي، هناك ثلاثة مشاريع متضاربة في توجهاتها الفكرية وخلفياتها الأيديولوجية، وكل واحد منها يحاول قضم ما استطاع من المدن والقرى، ليفرض نفسه بديلا عن حكومة باماكو التي باتت سيطرتها تنحسر عن الشمال يوما بعد يوم، وملء الفراغ الذي خلفه انحساب القوات الفرنسية.

سيناريو 2012

المعطيات الميدانية والسياسية في مالي آخذة في التبلور لتشيكل مشهد مطابق تماما لمشهد 2012 مع تغييرات طفيفة على مستوى حضور فاعلين جدد، وواقع معقد يصعب التكهن بمآلاته، بعد انسحاب الجيش الفرنسي.

في 2012 اجتاح تحالف هش جمع الحركات الأزوادية وتنظيم القاعدة وحركة "التوحيد والجهاد" وتنظيم "أنصار الدين"، إقليم أزواد، وفرض سيطرته على المدن الرئيسية: غاو، وكيدال، وتمبكتو. وأعلن نظاما إسلاميا ما لبث أن تفكك على وقع خلافات حادة بين الفرقاء الأزواديين والجهاديين، ثم جاء التدخل الفرنسي وقوّض "الإمارة" وبدد أحلام الجهاديين.

هذا السيناريو يتكرر الآن إلى حد ما، فجماعة "نصرة الإسلام" هي فرع القاعدة في مالي وتضم أيضا جماعة "أنصار الدين" بزعامة إياد أغ غالي، وداعش هي نفسها حركة "التوحيد والجهاد"، وتنسيقية حركات أزواد (سيما) هي نفسها "الحركة الوطنية لتحرير أزواد" التي تحالفت مع القاعدة في 2012 مع توسع في مكوناتها.

صحيح أن هذه الجماعات والحركات لا يجمعها أي تحالف موثق كما هو الحال في 2012 لكن بوسع المراقب أن يلحظ أنها تتجنب الصدام مع بعضها البعض في الوقت الراهن، كما رجح متابعون للشأن المالي أن يكون هناك اتفاق بعدم الاعتداء بين الجيش الوطني لأزواد وبين "نصرة الإسلام والمسلمين".

وتعتبر مدينة غاو من المعاقل الرئيسة لتنسيقية الحركات الأزوادية، وقيام القاعدة بفرض الحصار عليها يعني أن السيطرة على المدن الكبيرة في أزواد يدخل في صميم خططها لبسط النفوذ في الشمال المالي.

والأسباب وراء ذلك: أولا، قطع الطريق على تنظيم داعش الذي يعتبر السيطرة على المدن خيارا إستراتيجيا، يعبر عن "التمكين" و"سلطة الخلافة". ثانيا، لأن القاعدة ستحتاج إلى أوراق ضغط وتفاوض في حال قررت تقاسم السلطة مع الحركات الأزوادية، وإعادة بعث "وثيقة أزواد"، وهي وثيقة كتبها زعيم القاعدة السابق في الدول المغاربية، المدعو "أبو مصعب عبد الودود"، وأشار فيها إلى إمكانية تقاسم السلطة مع الحركات الوطنية الأزوادية.

وكانت حسابات على تويتر، تداولت قبل أيام، أخباراً عن رفع جزئي للحصار عن مدينة تمبكتو، لكنّ بيان الجماعة الذي تلاها، أكد أن الحصار ما زال قائما وأنها لم تلتق أي وسيط في هذا الشأن.

ثم فاجأت "نصرة الإسلام"، الاثنين الماضي، الجميع، ببيان أعلنت فيه فرض حصار جزئي على مدينة غاو يشمل "منع تزويد المدينة بالمحروقات".

والعيون الآن على مدينة كيدال، ما يعني دخول إقليم أزواد برمته في دورة جديدة من الفوضى والمعارك، يختلط فيها الإرهاب بالتمرد العرقي، ويدفع المواطن البسيط قسطا كبيرا من ثمن كل ذلك.

 

المصدر: موقع ارفع صوتك