Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

عبد القادر مؤمن زعيم تنظيم داعش في الصومال
عبد القادر مؤمن زعيم تنظيم داعش في الصومال

في 31 ماي الماضي أعلنت القيادة الأميركية في إفريقيا تنفيذ غارة جوية استهدفت  قادة كبار ا في تنظيم داعش في الصومال، بينهم زعيم التنظيم هناك عبد القادر مؤمن. الغارة وقعت في منطقة نائية على بعد 50 ميلاً جنوبي شرق بوساسو، حيث يتركز الوجود المحدود لتنظيم داعش في الصومال.

ورغم أن القيادة الأميركية في إفريقيا لم تستطع الجزم بمصير مؤمن، وما إذا كان واحداً من الثلاثة الذين قتلوا في الغارة، إلا أن المفاجأة أتت من تصريحات المسؤولين الأميركيين الذين أكدوا بعد أسبوعين   لشبكة إن بي سي نيوز  أن " الغارة الجوية في شمال شرق الصومال استهدفت الزعيم العالمي الجديد لداعش".

ماذا نعرف عن عبد القادر مؤمن؟

صعد نجم عبد القادر مؤمن في السنوات الأخيرة داخل تنظيم "داعش"، وبات يتمتّع بنفوذ كبير وصلاحيات واسعة، فمن يكون هذا السبعيني المعروف بلحيته البرتقالية؟

ولد عبد القادر مؤمن بحسب المعلومات المتوفرة عنه  بين عامي  1951 و 1953 في بلدة قندلا في إقليم بونتلاند شمال الصومال.

أمضى الرجل قسطاً كبيراً من حياته في أوروبا، متنقلاً بين السويد التي قضى فيها أكثر من 10 سنوات، وبين  لندن وليستر، حيث أصبح خطيباً مفوها في مساجد المدينتين، واستقطبت كلماته الحماسية، التي تمجد العنف وتحرض على سفك الدماء، عدداً من المتطرفين . بعضهم ترك بصمة بارزة في السجل الدموي لداعش ،مثل محمد جاسم إموازي أو "الجهادي جون"، ذبّاح داعش سيء الصيت.

في العام 2010 فرّ مؤمن إلى الصومال، بعد شروع السلطات البريطانية في التحقيق معه على خلفية خطبه التحريضية، وعقب وصوله أحرق جواز سفره البريطاني وسط حشد من مؤيديه في أحد المساجد، وانضم إلى حركة الشباب المجاهدين التي كانت حينها في ذروة توسعها، وتسيطر فعلياً على معظم أجزاء العاصمة مقديشو.

استقر مؤمن في أقصى شمال شرق الصومال، وكلفه مختار أبو الزبير بقيادة خلايا حركة الشباب هناك، مستفيداً من علاقاته العشائرية ونفوذه الواسع في مسقط رأسه.

بعد حوالي عام ونصف من إعلان البغدادي قيام ما سماها "الخلافة الإسلامية" ودعوته كافة الجماعات المسلحة في العالم إلى مبايعته، وبالضبط في أكتوبر 2015 ، قرّر عبد القادر مؤمن إعلان ولائه لداعش. ولأن وجوده مع أتباعه منحصر في أقصى شمال بونتلاند في منطقة جبلية وعرة، فقد نجا بالتالي من حملات التصفية التي شنتها حركة الشباب ضد الموالين لداعش في وسط وجنوب الصومال.

في 11 من أغسطس 2016 صنفت الولايات المتحدة عبد القادر مؤمن كإرهابي من نوع خاص. وفي 17 من أبريل 2018 صنفت جماعته كمنظمة إرهابية تابعة لـ"داعش".

أدواره في "داعش"

شيئا فشيئا أخذ نجم عبد القادر مؤمن داخل "داعش" في الصعود، وأسندت إليه أدوار حيوية، رغم أن الفرع الصومالي يعتبر من أضعف الفروع من الناحية العملية، وأقلها قدرة  على تنفيذ هجمات مميتة في الوقت الراهن.

ساد مطولا اعتقاد مفاده أن مؤمن هو والي "داعش" في الصومال، لكن في الواقع تبدو أدواره وصلاحياته أكبر من  مجرد وال،  بل تشير  وثائق ومراسلات التنظيم الداخلية إلى  أن مؤمن  يوجه تعليماته وأوامره إلى وال لداعش هناك، ما يؤكد أن دوره  أكبر.

ويرأس مؤمن "مكتب الكرار"، وهو المكتب المسؤول عن إدارة نشاطات داعش في القرن الإفريقي ووسط إفريقيا وموزمبيق، وتوسّع مؤخراً نطاق سلطته ليشمل اليمن أيضاً. ولا يستبعد أن يشمل أيضا فرع داعش في غرب إفريقيا والساحل  بسبب الغموض الذي ما يزال يلف مصير أبي مصعب البرناوي زعيم داعش في نيجيريا.

وبالإضافة إلى سلطته على زعماء داعش في إفريقيا واليمن، يضطلع عبد القادر مؤمن بدور أساسي في اقتصاد الإرهاب الذي عوض نضوب ميزانية تنظيم داعش عقب هزيمته في العراق وسوريا، وتوقف الموارد التي يجنيها من تجارة النفط والآثار وغيرها.

فمن خلال ابتزاز التجار ورجال الأعمال والشركات، والانخراط في نشاطات التهريب وجباية الضرائب، وعمليات السلب التي يقوم بها رجاله في الصومال،  استطاع مؤمن تأمين موارد مالية طائلة، قام بوضعها  طيلة الفترة الماضية رهن إشارة القيادة العليا للتنظيم في العراق وسوريا، وشرع عبر شبكة معقدة من محلات الصيرفة والمحافظ الرقمية وغيرها من وسائل تحويل الأموال في ضخ فائض ميزانيته إلى ولايات داعش الأخرى.

فوفقا لتقرير صادر في فبراير 2023 عن فريق مراقبة وتعقب التهديد الجهادي العالمي التابع للأمم المتحدة فقد دأب" مكتب الكرار "الذي يرأسه مؤمن على إرسال دفعات مالية إلى عدد من ولايات داعش في أنحاء العالم منها ولاية خراسان التي "يرسل إليها شهريا حوالي 25 ألف دولار  بالعملات المشفرة".

وأضاف التقرير  أن مكتب الكرار "يجمع حوالي 100 ألف دولار شهرياً عن طريق الابتزاز .. والضرائب غير المشروعة".

وظل عبد القادر مؤمن  يتدخل في شؤون "الولايات" الأخرى، إما بوصفه إداريا مكلفا بالتنسيق بين قيادة داعش في العراق وسوريا وبين ولاياته في  إفريقيا واليمن،  أو بوصفه مفتياً في القضايا والنوازل  "الشرعية "التي تعرض لهذه الولايات.

وقد حظر  مؤمن على أفراد التنظيم في اليمن التواصل مع الشيوخ الذين لم يبايعوا داعش، وطلب من "والي اليمن" موافاته بتقرير مفصل عن ملابسات تواصل عناصره مع شيوخ غير محسوبين على "الخلافة".

هل يكون المؤمن الخليفة الجديد؟

هل يمكن أن تصل مؤهلات وأدوار عبد القادر مؤمن إلى المستوى الذي يصبح فيه "خليفة" وزعيماً لـ"داعش"؟

في الواقع، ورغم أن فكرة نقل  القيادة المركزية لداعش من العراق وسوريا  إلى أفريقيا تبدو غير مسبوقة، إلا أن قتل الزعماء الأربعة لداعش، وبشكل متتابع في سوريا، يجعل فكرة نقل القيادة إلى إفريقيا أمرا ممكنا.

فقد قتل أبو بكر البغدادي، بينما كان مختبئا في إدلب، معقل هيئة تحرير الشام، وفي عقر "دار الردة" التي حرم على أتباعه العيش فيها.

وقتل أبو الحسن الهاشمي، في أقصى الجنوب السوري، في قرية يتقاسم السيطرة عليها خليط هجين من المليشيات الموالية والمعارضة لبشار الأسد. حتى الذين أجهزوا عليه لم يكونوا يعلمون أنهم قتلوا لتوهم رأس "داعش".

مسؤول كبير في وزارة الدفاع صرح لشبكة  إن بي سي نيوز قائلا: "قيادات داعش رأت في إفريقيا المكان الذي يجيب أن يستثمروا فيه وحيث يمكنهم العمل بشكل أفضل وأكثر حرية، ويريدون توسيع خلايا التنظيم هناك، فأحضروا الخليفة إلى تلك المنطقة".

من جهة أخرى، قالت قناة "فضح عباد البغدادي"، التي يديرها منشقون عن داعش، أن عبد القادر مؤمن هو الزعيم الحالي لداعش. ونقلت القناة عمن أسمتهم "إخوة أتقياء من الصومال" أن  "أبا حفص الهاشمي القرشي هو عبد القادر مؤمن وأنه تولى الخلافة بعد مقتل أبي الحسين الحسيني".

وبالعودة إلى الحيثيات التي واكبت اعتراف داعش بمقتل زعيمها الرابع أبي الحسين الحسيني وتعيين أبي حفص الهاشمي خليفة له، نجد أن التنظيم استغرق أكثر من ثلاثة أشهر قبل أن يعلن عن أميره الجديد. فقد كان واضحا أن التنظيم يواجه أزمة نقل القيادة، فهل كان ذلك التأخير سببه المداولات العسيرة التي أفضت الى تنصيب عبد القادر مؤمن؟

نقل القيادة إلى إفريقيا قد يكون مرده إلى أن "ولاية الشام" باتت خارج حسابات قادة التنظيم الآن. وبات وصف "الولاية المخترقة" لصيقاً بها، بعد عمليات الاغتيال والاعتقال التي طالت جل زعماء التنظيم فيها بمن فيهم "الخلفاء" الأربعة.

أما مسألة النسب القرشي الذي يشترطه التنظيم لمن يريد أن يتولى زعامته، فيبدو متوفرا في شخص عبد القادر مؤمن الذي ينتمي إلى عشيرة المجرتين التي يمتد نسبها إلى عقيل بن أبي طالب، وهو بالتالي هاشمي قرشي النسب.

 في ظل هذه المعطيات، يبقى احتمال تولي عبد القادر مؤمن لزعامة داعش واردا،  فقد سبق أن عين تنظيم داعش عبد الله قرداش ذا الساق الواحدة  "خليفة" رغم عدم أهليته البدنية وفق أدبيات التنظيم، إذ تعد الأهلية البدنية من شروط استحقاق منصب " الخليفة".

وإذا كانت ولاية الشام مخترقة وولاية العراق غير آمنة وولاية اليمن آفلة وولاية خراسان مارقة، فلن يبقى لداعش سوى "ولايات" إفريقيا. ولا يوجد في إفريقيا من ينافس عبد القادر مؤمن في النفوذ والتأثير.

 

المصدر: موقع ارفع صوتك

 

مواضيع ذات صلة

متشددون من تنظيم القاعدة (أرشيف)
متشددون من تنظيم القاعدة (أرشيف)

قبل حوالي عشرين عاماً نشر موقع "مركز البحوث والدراسات الإسلامية"  كتاباً بعنوان "إدارة التوحش" لكاتب مغمور يدعى أبو بكر ناجي والذي تبين لاحقاً أنه اسم حركي للقيادي في الجماعة الاسلامية المصرية محمد خليل الحكايمة. ولأن الكتاب نُشر في خضمّ زخم من الكتابات التنظيرية التي كان يشرف عليها آنذاك قادة تنظيم القاعدة في السعودية، وفي سياق ملتهب طبعته تداعيات هجمات 11 سبتمبر وإجتياح أفغانستان والعراق وحملة "القاعدة" في السعودية، لم يثر الكتاب حينها أي اهتمام.

لكن، بعد بضع سنوات من ظهوره، بدأ قادة الجماعات المسلحة يحيطونه بعناية خاصة، ووصلت نصوصه إلى أسامة بن لادن، بالتوازي مع انتباه دوائر محاربة الإرهاب في العالم إلى مضامينه الخطيرة، وبدء التوصيات بدراسته وترجمته من أجل فهم أعمق لفكر الإرهابيين، وأبعاده الاستراتيجية بعيدة المدى.

"إدارة التوحش"

خطة "إدارة التوحش" هي باختصار عبارة عن خريطة طريق عملية ومفصلة نحو إقامة "دولة إسلامية" كما يتصورها الجهاديون. مبدئيا، استبعدت الخطة كل الأساليب السلمية أو الشعبية  للوصول إلى الحكم، واعتبرتها من ضروب العبث، وحصرت تركيزها على العنف المسلح المفرط في الدموية.

ويقصد المؤلف بـ"التوحّش" حالة الفوضى العارمة وانهيار الدولة التام نتيجة الحرب والهجمات المتتالية التي ستشنها "التنظيمات الجهادية"، وهو الوضع الذي كانت تعيشه أفغانستان مثلاً قبل سيطرة حركة طالبان عليها سنة 1996. وبحسب ناجي، فإن حالة الفوضى العارمة ستجعل سكان الدولة يتعطشون لمن يدير هذا التوحش. وهنا يأتي دور "الجماعات الجهادية" لتقوم بهذه المهمة.

تقوم نظرية التوحش على ترشيح مجموعة من الدول باعتبارها مناطق مؤهلة لتطبيق فكرة التوحش. واقترح الكتاب كمثال عليها كل من السعودية وباكستان ونيجيريا والأردن والمغرب واليمن، وذكر أن من شروط اختيار هذه الدول أن يكون لها "عمق جغرافي وتضاريس تسمح في كل دولة على حدة بإقامة مناطق تدار بنظام إدارة التوحش" و"ضعف النظام الحاكم" وارتخاء قبضته الأمنية على مفاصل البلاد، و"وجود مد إسلامي" ومزاج عام يقبل باحتضان الوجود الجهادي، ثم "انتشار السلاح" بين أفراد المجتمع وسهولة الوصول إليه.

وانطلاقاً من هذه المناطق التي تحمل مقومات " إدارة التوحش" يمكن الوصول إلى "الدولة الإسلامية" عبر ثلاث مراحل أساسية وهي: مرحلة "شوكة النكاية والإنهاك" ثم مرحلة "إدارة التوحش" وأخيراً مرحلة "شوكة التمكين" التي تعني النجاح في تأسيس الدولة الإسلامية، وتتويج  الخطة بنهايتها المثالية كما تصورها أبوبكر ناجي.

 لكن، وعلى الرغم من حرص الرجل على سد كل الثغرات المحتملة في خطته، ومعالجة العيوب التي يمكن أن تعيق تطبيقها العملي على أرض الواقع إلا أنها في النهاية تحولت إلى نظرية كرّست الفوضى الدموية في ربوع العالم، واخفقت على امتداد السنوات العشرين الماضية في تحقيق الحد الأدنى من تطلعات صاحبها، رغم نجاحه المدهش في استشراف مستقبل المنطقة، وتوقعه دخولها في فوضى عارمة.

فشل مرحلة "النكاية"

رشح أبو بكر ناجي كما ذكرنا خمسة دول تتوفر فيها مقومات "إدارة التوحش" وهي الدول نفسها التي رشحها أسامة بن لادن في فبراير 2003 أي قبل سنة من ظهور الكتاب، واعتبرها دولا "مؤهلة للتحرير"، بحسب تعبيره. وكانت هذه الدول نماذج حية على فشل خطة التوحش في مراحلها الثلاث.

فالأردن والمغرب، أثبتا الفشل المبدئي في تصور المقومات والشروط المناسبة لإقامة مناطق التوحش كما تخيّلها بن لادن وناجي، والسعودية وباكستان أكدتا فشل مرحلة "شوكة النكاية والإنهاك"، بينما مثلت كل من اليمن ونيجيريا نموذجان على فشل مرحلة "إدارة التوحش" وإمكانية  الوصول  من خلالها إلى مرحلة "الدولة الإسلامية" التي أكدت مناطق أخرى مثل سوريا والعراق وليبيا فشلها الذريع أيضاً.

ابتداءا من العام 2003 صمّم تنظيم القاعدة على تحويل السعودية إلى دولة تعمها الفوضى ضمن خطة "شوكة النكاية والإنهاك"، وتقوم الخطة على تنفيذ عمليات صغيرة ومتوسطة على طول البلاد، هدفها تشتيت القوات الأمنية، وحرمانها من الفعالية، تتخذ طابعا تصاعديا، تتخللها عمليات نوعية من أجل جذب انتباه الناس واستقطاب الأعضاء، استناداً إلى عنصر الإبهار الذي يكتنف هذا النوع من العمليات.

يكون التركيز في هذه المرحلة على استهداف المنشآت الاقتصادية خاصة قطاع النفط، والقطاع السياحي والشخصيات السياسية والأمنية البارزة في البلاد. هذه العمليات بحسب خطة "النكاية والإنهاك"، ستضطر قوات الجيش والأمن إلى تركيز تواجدها في محيط المؤسسات والمنشآت الحيوية، وتترك مساحات شاسعة في الأطراف والهوامش تتحول تدريجيا إلى مناطق فوضى وتوحش، ما يعني نجاح مرحلة "النكاية" ودخول مرحلة "إدارة التوحش".

طبّق تنظيم القاعدة في السعودية خطة "النكاية والإنهاك" تطبيقاً حرفياً. ضرب المنشآت البترولية، والمجمعات السكنية التي يقطنها الأجانب، واعتمد نمط العمليات الصغيرة والمتوسطة كما حصل في تفجيرات الرياض والمحيّا. وواكب التنظيم نشاطه الدموي بزخم كثيف من المواد الدعاية، وحَشْد من المؤلفات والفتاوى الدينية. وبما أن نظرية "إدارة التوحش" في مرحلتها الأولى، تنصّ على ضرورة تأهيل الكوادر أمنياً وعسكرياً وإدارياً ليكونوا على استعداد لمرحلة "إدارة التوحش" فقد أصدر التنظيم مجموعة من المواد التعليمية والارشادية لرفع كفاءة عناصره، منها نشرة "البتّار" الالكترونية وعدد من الدوريات التي أطّرها قادته البارزون مثل عبد العزيز المقرن و يوسف العييري وغيرهم.

لم تمض على حملة القاعدة في السعودية سوى 3 سنوات حتى وصلت إلى نهايتها، مع نجاح السلطات الأمنية في زمن قياسي في تفكيك كل خلايا القاعدة، وقتل قادة التنظيم تباعاً، واعتقال منظّريها، وفرار من تبقى منهم إلى العراق واليمن.

العمليات النوعية التي راهنت عليها القاعدة لاستقطاب مزيد من الأفراد إلى صفوفها أتت بنتائج عكسية تماماً، إذ زادت فظاعة تفجيرات المحيا والرياض من عزلة التنظيم، ونفر المجتمع السعودي من خطاب القاعدة، وانشق بعض كوادر التنظيم، خصوصا  "الشرعيين" الذين لم يوافقوا على تفجير المجمعات السكنية. وطوق الأداء الأمني الناجح للسلطات السعودية خلايا القاعدة في الشقق السكنية والاستراحات. وفشل مخطط "النكاية والإنهاك" في السعودية فشلا ذريعاً، رغم ما رصدته قيادة القاعدة من موارد وإمكانات لدفعه قدماً نحو المراحل التالية.

فشل مرحلة "إدارة التوحش"

الملاحظة الأساسية هنا هي أن المناطق التي وصلت فعلاً إلى مرحلة "إدارة التوحش" لم تصل إليها بعد مرحلة "النكاية والإنهاك" كما يفترض بالمخطط أن يكون، بل وصلت إليها بفعل عوامل أخرى خارجة عن إرادة الجهاديين، كل ما فعلوه أنهم وجدوا "مناطق توحش" جاهزة فانخرطوا في إدارتها وفق تصور أبو بكر ناجي. وهذه العوامل قد تكون ثورات شعبية أطاحت بالسلطات الحاكمة كما هو الحال في اليمن وليبيا وسوريا، أو اجتياحا خارجياً للبلد كما حصل في العراق وأفغانستان، أو اضطرابات سياسية وانقلابات عسكرية كما هو الحال مع مالي ودول الساحل.

اندلعت الثورة اليمنية في 2011 وتنظيم القاعدة يحاول إيجاد موطئ قدم له في البلاد. نجحت الثورة في إسقاط نظام علي عبد الله الصالح، وعمّت الفوضى أغلب المحافظات اليمنية، كانت مقومات التوحش مكتملة في الحالة اليمنية، من حيث التضاريس الوعرة والقابلية لاحتضان "المد الجهادي" وانتشار السلاح، لقد كان اليمن بمثابة اختبار للمرحلة الثانية من "إدارة التوحش".

انسحب أفراد القاعدة من العاصمة صنعاء التي كانت تغلي على وقع المظاهرات الشبابية التي تطالب بحكم ديمقراطي كامل، وذهبوا إلى المناطق التي انحسرت فيها سلطة الدولة وأسسوا سلطة موازية لادارة التوحش وضبط الفوضى، وتقديم نموذج مصغر لـ"حكم الشريعة" كما تنص عليها أدبياتهم.

ما حصل أن "إدارة التوحش" التي أشرف عليها تنظيم القاعدة في مناطق سيطرته، فتحت جبهات جديدة أمام الجيش اليمني، وورطت القبائل والمجتمعات المحلية في صراعات داخلية. وحوّلت أنظار العالم إلى ما يحدث في اليمن، من ثورة شعبية تدور فعالياتها في صنعاء إلى بؤر إرهابية تتوسع في حضرموت وشبوة وغيرها.

من أهداف "مرحلة إدارة التوحش" بحسب أبو بكر ناجي: "نشر الأمن الداخلي والحفاظ عليه، وتوفير الطعام والعلاج، وتأليف أهل الدنيا بشيء من المال، أي احتواء المخالفين بواسطة الاغراءات المادية، وإقامة القضاء الشرعي، وتوسيع التحالفات مع من يجوز التحالف معهم"، وأخيراً "تأهيل الكوادر الإدارية وتأمين القيادات لتكون جاهزة لمرحلة إقامة الدولة".

في اليمن حدث العكس، زاد منسوب الفوضى في مناطق سيطرة تنظيم القاعدة، وانعدم الشعور بالأمن، وتفككت تحالفات التنظيم مع القبائل اليمنية. وهذه المرحلة التي يفترض بها أن تكون "مفرّخة" لإنتاج الكوادر والقيادات التي ستحكم "دولة التمكين" القادمة، تحولت إلى "محرقة" لهذه الكوادر، إذ قتل معظم قادة الصف الأول والثاني في القاعدة، وخسرت مواردها البشرية في قتالها مع الجيش اليمني، واعتزل قسم من التنظيم بفعل الخلافات الداخلية. وأخيراً ساهمت مناطق التوحش التي أقامها التنظيم في إرباك الجيش اليمني وتشتيت جهوده، فاستغلت جماعة الحوثي هذا المعطى وتقدمت نحو صنعاء وسيطرت على العاصمة، من دون أن تحقق القاعدة أيا من مشاريعها في اليمن، وتراجعت خططها إلى مرحلة "النكاية" من جديد.

من التوحش إلى الوحشية

يعتبر مبدأ "الشدة" من أركان خطة أبو بكر ناجي خصوصاً في مرحلة "إدارة التوحش"، وخصّص له فصلاً مستقلاً في كتابه. ويقصد بمبدأ "الشدة" اعتماد أقصى درجات الوحشية والدموية في التعامل مع خصوم التنظيم، وعدم التردد في استعمال أساليب انتقامية -وإن تحفظ عليها الشرع الاسلامي- لردع الأعداء مثل الذبح والتحريق بالنار وغيرها "إذ لا يمكن أن يستمر الجهاد في ظل الرخاوة، سواء الرخاوة في أسلوب الدعوة إليه أو الرخاوة في اتخاذ المواقف، أو في أسلوب العمليات"، كما جاء في فلسفة ناجي،  واعتبر أن الشدة والغلظة والدموية "تحقق البأس وتجلل التنظيم بهالة من الخوف والرعب"، وتمكنه من تحقيق أهدافه من خلال "سمعته الدموية وبأسه الشديد". ويلحق بمبدأ "الشدّة" مبدأ "الانتقام"، أي أن أي استهداف للتنظيم يجب أن يُردّ عليه بعنف مفرط يحول دون تكراره.

طبق تنظيم "داعش" هذا المبدأ خلال توسعه في العراق وسوريا، وعوض أن يساهم في ردع خصومه، ويفتح الطريق أمامه نحو مزيد من التمدد والسيطرة، فتح أبواب الجحيم عليه، إذ تأسس تحالف دولي لمحاربته، وأنشأت الفصائل في سوريا غرفاً مشتركة للتصدي له، وكانت مشاهد الذبح والحرق وتفجير المخالفين بالديناميت، وإغراقهم في أحواض زجاجية، ورميهم من أسطح المباني، عاملا أساسياً في تشكيل رأي عام عالمي أتفق على ضرروة القضاء على داعش قضاءً مبرما لا تردد فيه.

ما لم ينتبه إليه أبو بكر ناجي وهو يحرر فصل "اعتماد الشدة" في كتابه، هو أن هذه الشدة أو هذه الوحشية بتعبير أدق قد تولد وحشية مضادة، وهذا ما حصل في المناطق التي سيطر عليها داعش، حيث اعتمد كثير من خصومه أيضا مبدأ الوحشية، سواء في العراق من خلال أساليب فصائل من الحشد الشعبي قامت بحرق وذبح عناصر من داعش أثناء معارك تحرير المحافظات العراقية، أو في سوريا من خلال عمليات الإعدام الميداني التي نفذها فصيل "جيش الاسلام" في الغوطة الشرقية، وفصيل هيئة تحرير الشام في شمال غرب سوريا، وأساليب قوات حفتر في ليبيا وغيرها. إذن فبمدأ الوحشية التي يريد من خلاله أبو بكر ناجي تثبيت دولة الجهاديين، ساهم في الواقع في تقويضها والقضاء عليها.

ما يقال عن تنظيم القاعدة في اليمن والسعودية ينطبق على كل فروع التنظيم التي فشل أغلبها في تجاوز مرحلة "النكاية والانهاك" أو انتهى وجودها عند هذه المرحلة. أما الفروع التي نجحت في تخطي هذه المرحلة والوصول إلى مرحلة "إدارة التوحش" كما هو الحال في الصومال والساحل، فقد وصلت إليها بفعل عوامل موضوعية خارجة عن نطاق تخطيطها. ولا يزال الانتقال من "التوحش" إلى "التمكين" يشكّل تحدياً كبيراً لها. كما لا تزال إدارة مناطق التوحش عاملاً من عوامل انقسام الجماعات المتطرفة، بسبب الخلاف على السلطة والموارد وتباين المواقف حول الأحكام الشرعية والمعتمدة.

لا بدّ أن نتذكر في هذا السياق أن الخلاف الكبير الذي وقع بين تنظيم "داعش" وبين القاعدة في 2013 يعود في جزء منه إلى الخلاف حول تقدير الفترة الزمنية التي يجب أن تأخذها مرحلة "إدارة التوحش" في سوريا. "داعش" أرادت الانتقال إلى مرحلة "التمكين" وإعلان الدولة، والقاعدة وجبهة النصرة كانتا تريان أن مرحلة التوحش لا تزال في بداياتها الأولى.

 

المصدر: موقع "ارفع صوتك"