مقاومة الاستعمار الفرنسي
"القصبة" غنّت للحب وللثورات ضد الاستعمار الفرنسي للجزائر

أعلن اليوم عن وفاة الحقوقية الفرنسية مونيك هيرفو (95 سنة)، والتي حصلت على الجنسبة الجزائرية في 2018 تكريما لما قدمته لهذا البلد المغاربي وشعبه من خدمات ومواقف خلال مرحلة الثورة ضد الاستعمار الفرنسي وحتى ما بعد الاستقلال في 1962.

واختارت الفقيدة، منذ شبابها، الاندماج مع الجزائريين داخل الأحياء القصديرية بفرنسا خلال معركة التحرير من أجل نقل معاناتهم عبر مؤلفات أصدرتها في فترات متلاحقة، كما شاركت في المسيرات التي دعت إليها جبهة التحرير الوطني في أكتوبر 1961، في فرنسا للتعريف بالقضية الجزائرية والتعبير عن رفض السياسات الاستعمارية.

وتحتفظ ذاكرة الجزائريين بأسماء العديد من الشخصيات الفرنسية، في مجالات مختلفة، آثروا مساندة الثوار بالرغم من الضغوطات والتهديدات الكبيرة التي واجهتهم، بل إن منهم من تعرض للاغتيال أو الإعدام بسبب موقفه الداعم للثورة الجزائرية ضد فرنسا.

وفي ما يلي أسماء شخصيات فرنسية ساندت الجزائر في حربها لنيل الاستقلال.

  1/فرناند إيفتون.. النقابي الثائر

عرف بنشاطه النقابي وبانتمائه إلى الحزب الشيوعي الجزائري، قبل أن يقرر في آخر المطاف الالتحاق بجبهة التحرير الوطني التي أُعلن عن تأسيسها في 1954 لقيادة ثورة استقلال الجزائر.

ولد فرناند إيفتون في العاصمة الجزائرية لأب فرنسي وأم إسبانية، لكنه كان كثير الاحتكاك بالجزائريين، الأمر الذي شجعه على الالتحاق بثورتهم خلال المراحل الأولى لانطلاقها.

فرناند إيفتون خلال استجوابه من طرف شرطة الاستعمار (أرشيف)

قام في سنة 1956 بوضع قنبلة بمصنع "غاز الجزائر" بالعاصمة، حيث كان يشتغل، إلا أن السلطات الاستعمارية كشفت مخططه وقامت بالقبض عليه، وأصدرت في حقه حكما بالإعدام جرى تنفيذه رغم مطالب العديد من الشخصيات القانونية والحقوقية بتخفيف هذه العقوبة.

تحولت قصة فرناند إيفتون إلى مصدر إلهام بالنسبة لعدد من المفكرين والأدباء، حيث صدرت في عام 2016 رواية "إخواننا الجرحي" للكاتب الفرنسي جوزيف أندراس تعرضت لحياة أول أوروبي يُعدم بالمقصلة في الجزائر في مرحلة الثورة.

  2/ موريس أودان.. اختفاء غامض

من الحزب الشيوعي الجزائري أيضا سيبزع اسم مناضل فرنسي آخر رفض الهيمنة الاستعمارية على هذا البلد المغاربي، وقرر التصدي لسياسات بلده.. إنه المناضل وأستاذ الرياضيات موريس أودان الذي تعرض إلى اختفاء مفاجئ ومحير في العاصمة الجزائرية سنة 1957، وسط سكوت رسمي فرنسي عما يكون قد جرى  له.

موريس أودان (1932-1957)

علعععلى عكس هذا الموقف أصدر الكثير من رفاق موريس أدوان، وقتها، بيانات أكدوا فيها  على أنه ربما تعرض إلى التعذيب والقتل بسبب مواقفه الداعمة للقضية الجزائرية.

وظل التضارب قائما في ملف هذا المناضل إلى غاية 2018، حيث توجّه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلى بيت أرملة موريس أودان السيدة جوزيت أودان، وسلّمها وأبناءها بيانا رسميا يؤكّد "مسؤولية الدولة الفرنسية في اختطاف وتعذيب وقتل وإخفاء موريس أودان سنة 1957".

ورحبت عائلة أودان بالاعتراف الرسمي، وقالت إنه يدخل في إطار "محاربة سياسة التعذيب التي استخدمت كأداة للقمع ونشر الرعب في العالم".

وفي شهر أبريل الماضي، أعلنت السلطات الجزائرية عن منح بيير أودان، النجل الأصغر للمناضل موريس أودان، جواز سفر جزائريا، بعد أكثر من سنة على منحه الجنسية الجزائرية.

  3/ جونسون.. و"حملة الحقائب"

هي عبارة عن شبكة، معروفة باسم "حملة الحقائب"، أسسها المناضل والفيلسوف الفرنسي، فرانسيس جونسون، أحد الأصدقاء المقربين من الفيلسوف جون بول سارتر في سنة 1957.

تمثلت المهمة الأساسية لهذه الشبكة في جمع الدعم اللوجيستكي للثورة الجزائرية والتعريف بها على نطاق واسع، بالإضافة إلى  تزوير جوازات سفر لقادة جبهة التحرير، وكذا توفير الأسلحة وتهريبها من أوروبا إلى الجزائر.

وقد بلغ عدد المجندين في هذا الشبكة ما بين ألفين و3 آلاف عنصر، وفق ما تذكره بعض الدراسات التاريخية.

ضمت هذه الشبكة نشطاء معروفين آنذاك، من كتاب وصحافيين، من بينهم جاك بارتليت، المكلف باستقبال الفارّين من الجيش الفرنسي، وجون ماري جوق، الصحفي الذي كان يؤمّن الحماية والتموين للجنود الفرنسيين المعارضين للحرب، وإتيان بالو، أستاذ الفلسفة ومن أوائل الناشطين، وغوبار بانيو وهو أستاذ مادة التاريخ.

تم اكتشاف أمر هذه الشبكة من طرف السلطات الفرنسية في بداية الستينات، حيث وجهت لأعضائها تهم الخيانة وأصدرت في حقهم مختلفة قبل أن تعفو عن بعضهم.

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

تونسيون يرفعون لافتة تطالب بـ'الجلاء التام' في مظاهرة أمام السفارة الفرنسية
تونسيون يرفعون لافتة تطالب بـ'الجلاء التام' في مظاهرة أمام السفارة الفرنسية- أكتوبر 1957

في مثل هذا اليوم من عام 1961، دخل التونسيون في مواجهة دامية مع آخر جيوش الاستعمار الفرنسي المتحصنة في عدد من القواعد العسكرية بمحافظة بنزرت (شمال) بهدف إجلائهم بشكل نهائي عن البلاد.

 تواصلت المواجهة التي تعرف بـ"معركة الجلاء" لمدة أربعة أيام قبل أن يصدر مجلس الأمن الدولي القرار القاضي بوقف إطلاق النار لتلي ذلك عدة أحداث. 

فما هي قصة هذه المعركة؟ وماذا كانت نتائجها؟ 

"ضغوط داخلية خارجية"

يقول أستاذ التاريخ المعاصر، محمد منصف الشابي، إن الحكومة التونسية التي كان يقودها الحبيب بورقيبة بعد استقلال تونس في 20 مارس 1956، واجهت ضغوطا داخلية قادها أحد رموز الحركة الوطنية التونسية صالح بن يوسف من خارج البلاد وضغوطا خارجية قادها الثوار الجزائريون طالبوا فيها الحكومة بطرد آخر جيوش الاستعمار من قواعده العسكرية بمحافظة بنزرت في الشمال وفي منطقة رمادة في أقصى الجنوب.

ويتابع الشابي حديثه لـ"أصوات مغاربية" موضحا أن بورقيبة كان ملتزما ببعض بنود وثيقة استقلال تونس والتي كانت تنص على بقاء بعض الجيوش الفرنسية في عدد من القواعد العسكرية فترة إضافية، غير أن تلك الضغوط دفعت الحكومة التونسية في 17 يوليو 1958 إلى إقرار بدء العمل على إجلاء الجيش الفرنسي.

ويذكر الشابي، أن أولى المواجهات بين الجيش التونسي والجيش الفرنسي اندلعت في منطقة "رمادة" في تلك السنة، وانتهت بطرد جيش الاستعمار وبسط سيطرة تونس على جنوب البلاد.

ويشير المتحدث إلى أن المفاوضات التي جرت بين الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة ونظيره الفرنسي شارل ديغول في الفترة ما بين 1958 و1961 لم تفض إلى اتفاق بشأن خروج الجيش الفرنسي من القواعد العسكرية ببنزرت، فعمل بورقيبة على الحشد والتعبئة الشعبية لخوض معركة جديدة مع المستعمر، لافتا إلى أن الشق المؤيد للسلطة التي يقودها بورقيبة كان يدعم فكرة خروج المستعمر على مراحل بينما رأت المعارضة ضرورة استكمال الاستقلال الذي كان يعتبر حتى ذلك الوقت منقوصا.

"أهم مواجهة"

وفي حديثه عن نتائج المعركة، يقول الشابي إن "كلفتها كانت باهظة حيث خلفت استشهاد المئات من المدنيين التونسيين وقوات الجيش التي لم تكن تملك عتادا عسكريا يضاهي ما يملكه جيش الاستعمار الفرنسي من دبابات وطائرات حربية عسكرية".

في هذا الصدد، وفي فيلم وثائقي أعدته وزارة الدفاع التونسية بمناسبة الذكرى 59 لعيد الجلاء في 2022، أفادت الوزارة بأن معركة الجلاء عن بنزرت "أسفرت عن مئات الشهداء من مدنيين وعسكريين".

من جانبه، يذكر المؤرخ محمد الحبيب عزيزي في مقال نشر بموقع "الشارع المغاربي" المحلي، في أكتوبر 2021 أن "الحرب أو المعركة التي كانت مدينة بنزرت ساحة لها صائفة 1961 هي أهم مواجهة بين الشعب التونسي والجيش التونسي الحديث العهد بالتأسيس من جهة وبين الجيش الفرنسي بكل قطاعاته البحرية والجوية والبرية" من جهة ثانية.

ويعتبر عزيزي أنها "حرب من قبيل وشاكلة حرب المجازر والإبادة التي ظل الجيش الفرنسي يقترفها في الجزائر على امتداد ثمان سنوات متتالية وأدت إلى سقوط أكثر من مليون شهيد وتشريد أغلبية السكان"، مشيرا إلى أن فرنسا استخدمت في عدوانها الجوي على الجزائر قاعدة بنزرت فيما اعتمدت على قاعدتي المدية والبليدة الجزائريتين في قصف بنزرت.

في اليوم الرابع من المواجهات وتحديدا في 22 يوليو 1961، أصدر مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة القرار 164 القاضي بوقف إطلاق النار في مدينة بنزرت، وبعد ذلك بثلاثة أيام وصل الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك، داغ هامرشولد، إلى مدينة بنزرت.

وفي 27 أغسطس 1961، صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة لفائدة فتح المفاوضات بين تونس وفرنسا من أجل تحقيق الجلاء عن بنزرت، ليتم بعد ذلك بنحو عامين جلاء آخر جندي فرنسي عن الأراضي التونسية بعد استعمار استمر أزيد من 7 عقود، ولتتحول هذه المناسبة إلى عيد وطني يحتفي به التونسيون سنويا.

  • المصدر: أصوات مغاربية / مواقع محلية