This January 2013 photo shows the Kasbah des Oudayas in Rabat, Morocco, high on a cliff over the Atlantic Ocean. Many historic…
اعتاد قراصنة سلا في بدايات نشاطهم دفع ما يعادل 10 في المائة من مداخيلهم للسلطان المغربي السعدي

على خلاف المهجرين من أبناء جلدتهم من إسبانيا من الذين استقروا شمال المغرب، اختارت عشيرة "الهورناتشوس" من الموريسكيين الاستقرار بالضفة الجنوبية لنهر أبي رقراق بسلا، نواحي الرباط، وشكلت جمهورية مستقلة امتهنت القرصنة البحرية وبرعت فيها وزرعت بذلك الخوف في نفوس الأوروبيين. 

وترجع مصادر تاريخية، بينها كتاب "موجز تاريخ سلا، 1000- 1800"، لكينيث براون،  استقرار الهورناتشوس في سلا إلى عام 1610، حيث اشتهروا بالمحافظة على الشعائر الدينية الإسلامية وامتهنوا القرصنة البحرية.

وقبل ذلك، حظي موريسكيو "الهورناتشوس"، بوضع اعتباري لدى السلطان السعدي مولاي زيدان (حكم في الفترة بين 1613 و1628)، على اعتبارهم أنهم وعلى خلاف من سبقهم للفرار إلى المغرب، كانوا متشبثين بالإسلام ولا يتكلمون غير العربية.

قدر كتاب "قراصنة سلا" لروجي كواندرو، عددهم بنحو 4000 شخص، مفيدا بأن استقرارهم في قرب الوادي راجع لاعتبارات جغرافية واستراتيجية.

"كان اختيار استقرار القراصنة بالضفة اليسرى لأبي رقراق تفرضه ظروف وعوامل جغرافية محضة فالأعماق الطبيعية كانت تحاذي الشاطئ الصخري بجانب الرباط".

وفي السياق نفسه، يوضح كينيث براون جانبا من تلك الظروف بالقول: "تكمن بعض عوامل نجاح هؤلاء القراصنة في الطبيعة الخاصة للحاجز الرملي لمدخل وادي أبي رقراق والذي لا تدخل مرساه سوى السفن الصغيرة نسبيا، كان يستحيل على السفن الأوروبية ذات الحمولة الهائلة مهاجمة القرصان إلا في أعالي البحار".

استغل "الهورناتشوس" تلك العوامل الطبيعية بحيث كانوا يهاجمون السفن الأوروبية المارة قبالة السواحل المغربية ويغنمون ما تحمله من بضائع ثم يعودون أدراجهم إلى سلا، واثقين أن السفن لن تتمكن من عبور واجهة الوادي.

وإلى جانب إتقانهم الملاحة البحرية وفنون الحرب في أعالي البحار، كان حقد هذه الطائفة على الإسبان وعلى الأوروبيين بشكل عام، أهم محرك لهم في "جهادهم البحري"، بحسب كثير من المصادر التاريخية التي اطلعت عليها "أصوات مغاربية".

جمهورية سلا أو "بورقراق"

اعتاد قراصنة سلا في بدايات نشاطهم دفع ما يعادل 10 في المائة من مداخيلهم للسلطان المغربي السعدي إلى حدود عام 1626، حين تمرد الهورناتشوس على السلطة المركزية وأغلقوا قصبة سلا في وجه السلطان فأسسوا سنة بعد ذلك "جمهورية سلا" برئاسة مراد رايس التي امتد نفوذها إلى بريطانيا.

في هذا الصدد، يشرح روجي كواندرو جوانبا من تلك الجمهورية، "أسسوا حكومة مستقلة  يسيرها ديوان مكون من 12 عضوا، وكان الرئيس يحمل لقب الأميرال الكبير، (...) وكانت مداخيل الخزينة تستقى أموالها من مداخيل الجمرك وضرائب الميناء ومن رسوم الصيد التي لم تكن بالطبع تؤدى للسلطان".

انفرد الهورناتشوس بمقاليد الحكم وكانت هذه الأقلية تمنع باقي الموريسكيين من تقلد مناصب الحكم القيادية إلا فيما ندر، بل كان أقصى ما يطمح به هؤلاء الأندلسيون "من الدرجة الثانية" الحصول على لقب قبطان إحدى السفن.

"كانوا (باقي الأندلسيين) يتألمون من إبعادهم عن الحكومة وبخاصة الإحباط الذي يشعرون به من حرمانهم من الأرباح التي تجنيها المدنية من مختلف الجبايات، وقد طالبوا بإلحاح بأخذ نصيبهم في الإدارة والاستفادة من مداخيل الجمرك، لكن الهورناتشوس رفضوا طلبهم مدعين أن موارد المدينة المغربية كانت مخصصة لإصلاح وصيانة القصبة والأسوار اللازم للأمن المشترك"، يوضح كاتب كتاب قراصنة سلا، روجي كواندرو.

بعيدا عن الصراع حول السلطة والمراكز القيادية، زاد نشاط قراصنة سلا، وباتوا ينشرون الرعب على طول السواحل المغربية من جنوب البلاد وصولا إلى مضيق جبل طارق وإيسلندا.

وفي هذا السياق، تحدث حسن أميلي، في كتاب "الجهاد البحري بمصب أبي رقراق خلال القرن السابع عشر الميلادي"، عن تلك المرحلة، قائلا "أضحت البحرية السلاوية أقوى البحريات العاملة في المحيط، ببلوغها عدد ستين قطعة مع تركز عمليات شمال مضيق جبل طارق في لحظة تضعضع فيها الأسطول الإسباني".

وتابع "كان اكتساح السفن الجهادية لبحر المانش كثيفا، مكن الرياس (رؤساء السفن) السلاويين من السيطرة على السفن المبحرة، ومن اجتذاب طواقمها للاستفادة من خبراتهم الملاحية (...) وفي نهاية 1627 سجل هؤلاء قفزة نوعية أخرى في سلسلة التطور الذي عرفته البحرية السلاوية بإقدام موراطور رايس على القيام بحملة مذهلة خرجت عن النطاق المألوف، ليضعها كأبعد حملة للرياس طوال القرن 17 والتي لن تعرف تكرارا ونعني بذلك توغله الجريئ نحو إيسلندا ومدينتها المركزية ريكجافيك وما تلا ذلك من حملات متكررة على إيرلندا".

دفع هذا النفوذ المتسارع لجمهورية قراصنة سلا، الأوروبيين إلى الإسراع إلى إبرام اتفاقيات معهم وإلى إرسال السفراء والقناصل درئا لشرهم، ما زاد من أطماعهم ومن سلطتهم في أعالي البحار، وفق غييرمو غوثالبيس بوستو، في كتابه "الموريسكيون في المغرب".

عودة الحكم المركزي

موازاة مع ما توسع جمهورية سلا في أعالي البحار، عاد الصراع حول الحكم من الجديد بين الهورناتشوس وباقي الأطياف الموريسكية المستقرة بسلا والرباط، وأسفر هذا الصراع عن توقيع اتفاق أفسح لتلك الأطياف المجال للمشاركة في الحكم وكان ذلك عام 1630.

ثلاثون سنة بعد ذلك، ونتيجة للصراع الداخلي في سلا وعودة السلطة المركزية، في شخص السلطان مولاي رشيد العلوي، إضافة إلى تزايد نفوذ الأطماع الأوروبية في السواحل المغربية، عجل كل ذلك بسقوط هذا النظام الفريد من نوعه والذي لم يدم أكثر من نصف قرن.

وعن عودة الحكم المركزي يوضح حسن أميلي "أتت سيطرة مولاي الرشيد العلوي على مصب أبي رقراق سنة 1666 في إطار إعادة الحياة إلى نظام تتركز فيه السلطات بيد السلطان، وإعادة الاعتبار إلى مؤسسات الدولة المحركة لذواليب الحكم".

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

تكريم الفنان القبائلي المغتال معطوب لوناس في باريس عام 1998

تمرّ الثلاثاء، الذكرى الـ 26 لرحيل الفنان القبائلي ورمز الثقافة الأمازيغية والنضال من أجل الحرية والهوية، معطوب لوناس، الذي راح ضحية عملية "اغتيال غامضة" يوم 25 يونيو 1998 عندما كان عائدا إلى بيته في بني دوالة قرب مدينة تيزي وزو شمال شرق الجزائر. 

يُلقب لوناس بـ"شي غيفارا" الأمازيغ، تشبيهاً له بأيقونة التمرد الأرجنتيني، بسبب جسارته ونضاله المُستميت من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية، ما جعله رمزا ملهما للأجيال المتعاقبة من الفنانين الأمازيغ، إذ لم تكن أغانيه مجرد موسيقى، بل كانت صرخة ثقافية ضد التهميش والظلم.

رحل معطوب لوناس جسداً، لكن إرثه النضالي، فكرياً وفنياً، لا يزال حاضراً بقوة. وفي ما يلي فنانون أمازيغ يواصلون مسيرة الرجل النضالية: 

لونيس آيت منقلات

يُعدّ لونيس آيت منقلات من أهمّ رواد الشعر الأمازيغي المُلتزم، حيث اعتبره الروائي الجزائري الشهير كاتب ياسين "أكبر شاعر لدينا، بدون منازع". 

رأى آيت منقلات النور في 17 يناير عام 1950، في قرية تدعى "إيغيل بواماس"، وسط هضاب جرجرة الخلابة بمنطقة تيزي وزو.

وُلد حاملا اسم "عبد النبي"، إلا أن جدته، اتّباعا لرؤيا منام، أصرت على تسميته "لونيس"، اسمٌ لمع فيما بعد وأصبح رمزًا للشعر الأمازيغي الملتزم.

الفنان الملتزم لويس ايت منقلات واحد من أبرز الشعراء الأمازيغ بالجزائر

​​بداياته في الأغنية القبائلية، ترجع إلى سنوات الستينيات، حيث كانت الساحة تعج بأصوات نجوم الشعبي أمثال الحاج امحمد العنقى في العاصمة (الذي يؤدي الأغنية القبائلية كذلك)، والشيخ الحسناوي، وشريف خدام الذي كان بمثابة الأب الروحي لآيت منقلات الشاب.

قدم آيت منقلات أغان سياسية جريئة مثل "أكن يخذع ربي" (الله يخدعكم)، "أكا آمي" (هكذا يا ابني تصبح حاكما)، "أدنوغال" (سنعود)، إلى غير ذلك من الأغاني التي أصبحت إرثا أمازيغيا جزائريا يتوارثه أبناء القبائل جيلا بعد جيل.

يناصر شعر هذا الفنان قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية، ويدافع عن حقوق الإنسان، خاصة حقوق الشعب الأمازيغي.

فاطمة تبعمرانت 

تُعدّ فاطمة تبعمرانت، واسمها الحقيقي فاطمة شاهو، من أبرز أيقونات الفن الأمازيغي في المغرب، إذ تتمتع بتجربة غنية تمتد لأكثر من 40 عاما في فن الروايس، ذلك النوع الموسيقي المُنتشر في جنوب المغرب والذي يعتمد على الشعر الموزون.

كرّست تبعمرانت مسيرتها الفنية للدفاع عن الهوية والثقافة الأمازيغيتين، ونضحت أعمالها بقيم المُقاومة والنضال من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية.

تبعمرانت

في حوار مع "أصوات مغاربية" العام الماضي، قالت إن "علاقة أخوية وصداقة قوية يصعب وصفها" جمعتها بالفنان معطوب لوناس، وأنه "سيظل فنانا استثنائيا في المنطقة لنضاله المستميت من أجل الأمازيغية ومن أجل تامازغا".

خصصت تبعمرانت أغنية " إكس أوزلاي إتفيلت" لرثائه، وحققت الأغنية ناجحا كبيرا، كما كرست أيضا إنتاجاتها الفنية للمطالبة بحقوق الشعب الأمازيغي، والتصدي لمسألة الغلو في الدين وانتقادها للتطرف وتهميش المرأة.

خاضت تبعمرانت تجربة قصيرة في المجال السياسي، إذ كانت أول نائبة برلمانية تطرح سؤالا باللغة الأمازيغية بالبرلمان المغربي عام 2012.

خالد إزري 

خالد إزري- واسمه الحقيقي خالد يشو - من أبرز الأصوات المعاصرة في الموسيقى الأمازيغية، وخصوصاً موسيقى الريف (شمال المغرب).

 وُلد في عام 1969 بمدينة مليلية الخاضعة للحكم الإسباني والمحاذية لمنطقة الريف، وترعرع في كنف عائلة موسيقية عريقة، حيث اكتشف موهبته الموسيقية منذ سن مبكرة، وتعلم العزف على العديد من الآلات الموسيقية.

بدأ مسيرته الفنية في أواخر الثمانينيات، وسرعان ما جذب الانتباه بأسلوبه الفريد الذي يمزج بين أصالة موسيقى الريف الأمازيغي وإيقاعات الحداثة.

تتميز أغاني إزري بتناولها العميق لقضايا الحرية والهوية الأمازيغية، حيث يعبر من خلالها عن معاناة وتطلعات الشعب الأمازيغي، وحققت أغانيه شهرة واسعة بين أمازيغ شمال أفريقيا، وشارك في العديد من المهرجانات الموسيقية الدولية في أوروبا والولايات المتحدة.

انطلق نجم خالد إزري مع إصداره لأول شريط له بعنوان "تاموات إنو"، الذي لاقى رواجا كبيرا وفتح له أبواب الشهرة، ولم يتوقف إبداعه عند هذا الحد، بل واصل مسيرته المُتميّزة بإصدار شريطه الثاني "إزري إينو" عام 1990.

عبد الله عشيني

يوصف الفنان الليبي عبد الله عشيني بـ"أب الأغنية الأمازيغية العصرية في ليبيا"، كما يعد أيضا واحد من أبرز الفنانين الذين تعرضوا للقمع والاعتقال في عهد نظام معمر القذافي بسبب أغانيه التي دافع فيها عن الهوية والثقافة الأمازيغيتين.

ولد عشيني في مدينة الزوارة (شمال غرب) في 30 يوليو عام 1956 وبها ترعرع وبرزت موهبته في العزف والغناء ليؤسس في بدايات سبعينيات القرن الماضي فرقة "إمزوارن" (الأوائل) التي غنت بالأمازيغية وعن هموم الأمازيغ في تحد لنظام القذافي.

عبد الله عشيني. المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي

وبسبب ذلك، اعتقل أكثر من مرة وسحب جواز سفره وأجبر على كتابة تعهد بعدم الحديث أو الغناء بالأمازيغية، لكنه واصل مع ذلك النضال ضد محاولات القذافي طمس وتهميش أمازيغ بلاده.

في حوار مع "أصوات مغاربية"، في يوليو الماضي، قال إن "الأمازيغية توحد الشعوب المغاربية وتشعرهم بفخر الانتماء إلى المنطقة، فالأمازيغي في ليبيا يحس إحساسا صادقا بأن المغربي أو الجزائري أخوه، ويحس الأمازيغي في الجزائر وفي المغرب بأنهما أخوة". 

سجّل هذا الفنان الليبي شريطه الشهير "ئدرفان" (الأحرار) في خضمّ ثورة 17 فبراير الليبية، التي سعت لإسقاط نظام العقيد معمر القذافي، ما جعلها واحدة من أبرز الإنتاجات الأمازيغية في 2011.

المصدر: أصوات مغاربية