أطفال مغاربة يهود يدرسون في مدرسة تابعة للرابطة الإسرائيلية العالمية بالمغرب، المصدر: متحف ذكرى الهولوكوست بواشنطن
أطفال مغاربة يهود يدرسون في مدرسة تابعة للرابطة الإسرائيلية العالمية بالمغرب، المصدر: متحف ذكرى الهولوكوست بواشنطن

عملت السلطات المغربية في السنوات الأخيرة على مراجعة المناهج الدراسية وخصصت حيزا مهما في هذا الإصلاح، لإبراز التسامح والتعايش الذي ميز الحياة اليومية للمغاربة، مسلمين ويهودا على مر العصور.

وقبل استقلال المغرب وإرساء الدولة الحديثة، كان النظام التعليمي في البلاد تقليديا، سواء في المدارس العتيقة والكتاتيب القرآنية، أو في مدارس "أصْلا" و"تلمود تورة"، التابعتين للطوائف اليهودية المغربية.

غير أن تقارير أجراها مستشرقون أوروبيون بالمغرب، سنوات قليلة قبل تأسيس الرابطة الإسرائيلية العالمية بباريس عام 1860، تحدثت عن معاناة اليهود المغاربة وعن تدهور أوضاعهم الاجتماعية، وأرجعت السبب في ذلك إلى التعليم الديني.

عامان بعد تأسيس الرابطة، أُعلن في تطوان (شمال) عن تأسيس أول مدرسة للأطفال تابعة للشبكة الدولية، ثم بعدها في طنجة عام 1865 فالصويرة عام 1868 وفاس 1881، لتنتشر بعد ذلك سلسلة هذه المدارس بالمغرب، في خطوة أثارت حفيظة اليهود المحافظين.

مميزات وصراع 

كان الهدف من تأسيس هذه المدارس بالمغرب وفي مناطق أخرى في الشرق الأوسط، هو إعداد اليهود لاندماج أفضل داخل مجتمعاتهم ولتحمل مسؤوليات ومراكز قيادية، بحسب مصادر تاريخية اطلعت عليها "أصوات مغاربية".

في هذا الصدد، يوضح المؤرخ المغربي المتخصص في تاريخ اليهود المغاربة، أحمد شحلان، في كتابه، "اليهود المغاربة من منبت الأصول إلى رياح الفرقة"، بعض أهداف هذه المدارس، قائلا: "تأسيس هذه المدارس في أماكن معينة، هي تطوان وطنجة والصويرة والدار البيضاء والرباط والجديدة، كان له مغزى، إذ تعتبر هذه المدن أبوابا للمغرب وهي بالتالي شريان تجاري يربط المغرب بدول ما وراء البحار وهذا الاختيار يؤكد ما كان لليهود من دور أساسي في العلاقات التجارية سواء عل المستوى الرسمي أو على مستوى الأفراد".

وتابع، "كان للاتحاد آمال في أن يستولي خريجوها على الوظائف والموارد المهمة، لذلك لم يدع إلى الهجرة، بل حث على الإقامة في البلاد".

أطفال مغاربة يهود يدرسون في مدرسة تابعة للرابطة الإسرائيلية العالمية بالمغرب، المصدر: متحف ذكرى الهولوكوست بواشنطن

وضعت المناهج الدراسية في المدارس التابعة للرابطة اليهودية العالمية وفق النمط الغربي الأوروبي، فإلى جانب اللغة الفرنسية، لغة التدريس الرئيسية، يتلقى التلاميذ تكوينا في اللغة الإسبانية والإنجليزية، وفي الدارجة المغربية وفي اللغة الأمازيغية أيضا، كما ركزت المناهج على تعليم التلاميذ علوم الحياة والأرض وهو ما لم يكن متاحا لهم في المدارس الدينية التابعة للطوائف اليهودية.

زاد إقبال الأسر اليهودية الميسورة والقريبة من السلطة على مدارس الرابطة الإسرائيلية، ورأت فيها وسيلة للرقي الاجتماعي، بعدما اقتنعت أن آفاق المدارس التقليدية محدودة ولن تفتح أمام الخريجين سوى أبواب بعض الحرف التي ظلت عبر تاريخ المغرب مقرونة باليهود.

وصل عدد هذه المدارس إلى 46 عام 1939، تضم 15 ألفا و761 طالبا، وأثار نموها وإقبال اليهود عليها حفيظة اليهود المغاربة المحافظين والذين يشكلون في ذلك الوقت، غالبة الطائفة اليهودية في البلاد، خصوصا بعد إصرار هذه المدارس على إقصاء أو تهميش العلوم الدينية.

في هذا السياق، يقول أحمد شحلان، "على الرغم من الجهود التي بذلها الاتحاد في تعليم أبناء اليهود المغاربة، فإنه لم يستقبل لدى الغالبية منهم بالترحاب، إذ رأوا فيه بداية الطريق نحو الانسلاخ عن اليهودية الحقة، والابتعاد عن التقاليد التي حافظوا عليها"، مضيفا"، "كان اليهود يطلقون على هذه المدارس إشكويله، أي المدرسة بالإسبانية، وقد قرب الأحبار المعارضون (لمدارس الاتحاد) هذه اللفظة إلى العبارة العبرية إشلكه، أي النار".

الحماية والاستقلال

وومع بداية الحماية الفرنسية (1912) واندلاع الحرب العالمية الأولى (1914)، وبسبب صعوبة التمويل، أُلحقت هذه المدارس بمصلحة التعليم العمومي التابعة للحماية الفرنسية بالمغرب، وتغير اسمها إلى "المدارس الفرنسية الإسرائيلية"، لكنها حافظت على المناهج وعلى الفلسفة نفسها.

وسعت السلطات الفرنسية خلال تلك الفترة إلى استغلال هذه المدارس في الحماية، رغم تأكيد السلطات المغربية في أكثر من مناسبة أن من مسؤوليتها رعاية المؤمنين باختلاف ديانتهم.

في المقابل، زاد إقصاء التعليم الديني خلال تلك الفترة من توجس اليهود المغاربة من أن تتسبب هذه المدارس في فقدان الأطفال هويتهم الروحية المغربية، ما دفع الكثير منهم إلى توجيه أطفالهم إلى المدارس التقليدية بعد انتهاء حصصهم الدراسية.
وبعد استقلال المغرب عام 1956، بدأت أعداد مدارس الرابطة الإسرائيلية العالمية في التراجع حيث قررت السلطات المغربية دمجها في النظام التعليمي الحكومي، وبسبب هجرة آلاف المغاربة اليهود إلى إسرائيل.

تبعا لذلك، انتقل عدد التلاميذ من 30 ألفا و123 طالبا عام 1959 إلى 8054 تلميذا عام 1968، وفق معطيات تضمنها مقال للباحث المغربي المتخصص في التاريخ، سفيان أحدو، نشره موقع "معلمة" المغربي.
وأضاف المقال "حاليا، تدير مندوبية الرابطة الإسرائيلية العالمية بالمغرب أربعة مدارس تضم 640 تلميذا؛ بينهم 345 من أبناء المسلمين، 295 طفلا يهوديا، وتستقر كلها بمدينة الدار البيضاء، وكلها تتبع النموذج الفرنسي في التعليم".

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

المتهمون الستة خلال خلف القضبان أثناء إعادة محاكمتهم في 12 سبتمبر 2006 في محكمة طرابلس.
المتهمون الستة خلال خلف القضبان أثناء إعادة محاكمتهم في 12 سبتمبر 2006 في محكمة طرابلس.

في مثل هذا اليوم، 24 يوليو، من عام 2007، أُطلق سراح الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني الذين اتهموا بحقن 393 طفلا بفيروس الإيدز في مستشفى بمدينة بنغازي (شرق) عام 1998.

بدأت فصول هذه القضية المأساوية عندما تمّ الكشف عن إصابة عدد كبير من الأطفال بفيروس نقص المناعة البشرية، ثم وجهت الاتهامات إلى خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني بأنهم قاموا بحقن الأطفال بالفيروس عمدا، خلال تلقيهم العلاج من أمراض أخرى.

نفت الممرضات والطبيب جميع التهم جملة وتفصيلا، مؤكدين أنهم ضحايا لمؤامرة سياسية دبرها نظام العقيد معمر القذافي، بينما استندت المحاكم الليبية حينها إلى شهادات أشخاص قالوا إنهم شهدوا الممرضات وهن يخزنن قوارير الدم الملوث بفيروس نقص المناعة البشرية؛ وقد تعززت هذه الشهادات باعترافات قالت الممرضات منذ ذلك الحين إنها انتزعت منهن تحت التعذيب.

بداية القضية

في فبراير عام 1998، هزّ خبر صادم الرأي العام الليبي، حيث تمّ الكشف عن إصابة حوالي 400 طفل في مستشفى الفاتح بمدينة بنغازي بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV).

وتحركت الحكومة الليبية لطلب المساعدة من منظمة الصحة العالمية، ففي سبتمبر 1998، تواصل الممثل الليبي لدى المنظمة مع أطباء من المستشفيات الجامعية في لوزان وجنيف بسويسرا، لتقييم 111 عينة مشفرة من مصل الأطفال المصابين.

وفي أبريل 1999، سلّمت الحكومة الليبية مجموعة أخرى من العينات. 

وفي خضم التحقيقات، تمّ اعتقال 19 عاملاً طبيا بلغاريا. وبعد فترة وجيزة، تمّ إطلاق سراح 13 من هؤلاء المتهمين، بينما بقي 6 منهم قيد الاحتجاز.

لم تقتصر الاعتقالات على البلغاريين فقط، بل شملت أيضًا عاملين طبيين من جنسيات مختلفة، منها المصريين، والبريطانيين، والفلبينيين، والمجريين، والبولنديين. وبفضل الجهود الدبلوماسية المكثفة التي بذلها ممثلو دول هؤلاء العمال، تم الإفراج عن جميع العاملين الأجانب لاحقًا. 

توصلت التحقيقات الليبية، في النهاية، إلى تورط خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني كانوا يعملون في مستشفى الفاتح للأطفال في بنغازي، في حقن أكثر من 400 طفل ليبي بدم ملوث بفيروس نقص المناعة البشرية. 

وقد أثار هذا الكشف صدمة عميقة في المجتمع الليبي ومتابعة إعلامية واسعة، وأدى إلى سلسلة من التطورات والتداعيات القانونية والسياسية والدبلوماسية.

ماراثون قضائي

في السابع من فبراير عام 2000، وقف المتهمون أمام محكمة في طرابلس بتهم خطيرة تشمل التآمر ضد الدولة الليبية والتسبب المتعمد في إصابة أطفال بفيروس نقص المناعة البشرية، وادعى ممثل الادعاء العام أن المتهمين قد تآمروا مع جهات استخبارات أجنبية لزرع وباء الإيدز في ليبيا، وهو ما اعتُبر مخططا خبيثا يستهدف زعزعة استقرار البلاد وإلحاق الضرر بشعبها. 

وفي الثاني من يونيو 2001، أدلت ممرضتان بلغاريتان بشهادات أمام المحكمة نفتا فيها الاتهامات الموجهة إليهما.

وكانت النيابة العامة قد اعتمدت على اعترافات هاتين الممرضتين كأدلة رئيسية في القضية، إلا أنهما زعمتا أن تلك الاعترافات قد انتزعت منهن تحت التعذيب.

ونفى المتهمون الآخرون جميع التهم الموجهة إليهم، مؤكدين على براءتهم.

وفي السابع عشر من فبراير عام 2002، أصدرت المحكمة حكمًا بتبرئة المتهمين من تهمة التآمر ضد الدولة الليبية. ومع ذلك، لم تبرئهم المحكمة بشكل كامل، بل أوصت بإعادة فتح القضية وإجراء محاكمة جديدة للنظر في تهم التسبب عمداً في وباء الإيدز من خلال حقن الأطفال بالدم الملوث، على حد وصفها.

وفي الثالث من سبتمبر عام 2003، أدلى عالم الفيروسات لوك أنطوان مونتانييه، الطبيب الفرنسي الذي شارك في اكتشاف فيروس نقص المناعة البشرية، بشهادة أمام محكمة بنغازي، مؤكدا أن الفيروس القاتل كان مُنتشراً في مستشفى بنغازي للأطفال قبل وصول الممرضات البلغاريات للعمل هناك في عام 1998.

ورغم ذلك وفي السادس من مايو عام 2004، وفي ختام الجلسة التاسعة عشرة من المحاكمة، أصدرت محكمة بنغازي حكمها بإدانة الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني.

وقضت المحكمة بتنفيذ عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص على المدانين الستة.

تداعيات القضية

أسفرت قضية الإيدز عن وفاة عشرات الأطفال، الأمر الذي أثار غضب أسرهم، ودفعهم إلى تشكيل قوة سياسية فعالة تطالب بالقصاص من المتهمين.

ووفقا لدبلوماسيين بلغاريين حينها، فإن الحكومة الليبية عرضت صفقة على بلغاريا، تقضي بتقديم عشرة ملايين دولار كـ"ديّة" عن كل طفل متوفى، مقابل تهدئة أسر المتهمين ومنحهم الحرية بموجب الشريعة الإسلامية، إلا أن بلغاريا رفضت هذا العرض، معتبرة إياه اعترافا بالذنب من جانبها، فضلاً عن كونه مبلغا باهظا من شأنه أن يُفلس الحكومة.

بعد فشل محاولاتها السابقة، أرسلت الحكومة الليبية مجموعة من الأطفال المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية إلى مستشفيات الأطفال الرائدة في أوروبا لتلقي العلاج.

وفي 2006، قالت مجلة "نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسين" (The New England Journal of Medicine) إن المتهمين وجدوا أنفسهم في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، ففي 2005 وصفت ابنة إحدى الممرضات المدانات محنة والدتها بأنها "تجربة سريالية"، فهذه الأخيرة كانت تعيش في الريف البلغاري حينما قررت السفر إلى بنغازي للعمل في المستشفى الليبي مقابل 250 دولارا شهريا، رغبة منها في توفير المال لدفع رسوم الجامعة لابنتها.

وبعد مرور عام واحد فقط، وجدت نفسها وراء القضبان في أحد سجون ليبيا، متهمة من قبل نظام القذافي بالتجسس لصالح الاستخبارات الإسرائيلية.

وأضاف المجلة، في تقرير عام 2006، أن "الحكم تضمن نظرية رسمية مُفتعلة حول كيفية جلب الممرضات لفيروس نقص المناعة البشرية إلى بنغازي"، إذ "ادعت المحكمة أن إحدى الممرضات كانت العقل المدبر وراء خطة لنشر الفيروس، حيث قامت بتخزينه في 24 زجاجة ذات أغطية خضراء"، ثم "وعدت الطبيب الفلسطيني بالمشاركة في خطتها من خلال عرض زوجة بلغارية عليه و500 ألف دولار أميركي في حساب مصرفي سويسري".

وزعم شهود، وفقا لوثائق المحكمة، أن "القضية من تأليف الاستخبارات الإسرائيلية لأسباب سياسية ولإثارة الاضطرابات" في ليبيا.

وعلى الرغم من احتجاجات محامي الدفاع المتكررة على رفض المحكمة لأدلة علمية جوهرية، إلا أن القاضي أصر على أن مثل هذه البيانات "الفنية" لا تُعد سوى نوع واحد من الأدلة.

وخلال إعادة المحاكمة، رفضت المحكمة "طلبات إجراء فحوصات جديدة للتحقق من الحقائق الطبية" وفقًا لتقرير صادر عن وزارة الخارجية البلغارية حينها.

وصف الخبير في الأمراض المعدية فيتوريو كوليزي، من جامعة روما تور فيرغاتا، الأدلة العلمية المقدمة ضد الممرضات البلغاريات بأنها "غير منطقية تماما".

ويُعد كوليزي أحد العلماء الدوليين الذين زاروا ليبيا لدراسة تفشي فيروس نقص المناعة البشرية وعلاج الأطفال المصابين.

ويعتقد هذا الخبير الإيطالي أنه استنادا إلى الرسوم البيانية والفحوص التي حلّلها، فإن الوباء قد يكون بدأ بفيروس مختلف تم استيراده، مشيرا إلى أنه يوجد في ليبيا - حينها - 1.5 مليون عامل من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث تتجاوز معدلات الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية 10 في المئة.

ونظرا لأن إحصاءات الحكومة الليبية لفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز لا تتضمن العمال المهاجرين الذين يعتمدون على مستشفيات ليبيا للعلاج، يعتقد كوليزي أن عاملا مصابا بفيروس نقص المناعة البشرية قد يكون زار مستشفى الفاتح، ما أدى إلى ولادة طفل مصاب بالفيروس.

ويُرجح أن الفيروس قد انتشر بعد ذلك إلى مرضى آخرين، خاصة مع وجود تقارير من منظمة الصحة العالمية عام 1999 تشير إلى ضعف ممارسات مكافحة العدوى في هذا المستشفى، في مؤشر يورط النظام بسبب الحالة الحرجة للمستشفيات.

وبعد تسع سنوات من المحن القضائية، عدّل المجلس الأعلى للقضاء الليبي أحكام الإعدام بحق بعض السجناء إلى السجن المؤبد في 17 يوليو 2007، وذلك بعد أن تراجع أهالي هؤلاء السجناء عن مطالبتهم بتنفيذ حكم الإعدام. بعدها بيومين، طلبت بلغاريا رسميا السماح للطاقم الطبي بقضاء عقوبتهم في بلغاريا. 

أخيرا، وفي 24 يوليو 2007، تم نقل الممرضات الخمس والطبيب الفلسطيني إلى بلغاريا، بعد ما يقرب من عشر سنوات من السجن. وعند وصولهم، أصدر الرئيس البلغاري عفوا شاملاً عن المتهمين.


 

المصدر: أصوات مغاربية