مسجد بالجزائر
في ليلة النصف من رمضان يحضر الأطفال صلاة التراويح مع آبائهم في المساجد

"النّصفيّة" تعبير شعبي عند الجزائريين يُقصد به ليلة منتصف شهر رمضان، وهي عيد قبل العيد، إذا تشهد تلك الليلة إحياء تقاليد كثيرة أبرزها؛ تحضير أطباق خاصة حسب كل منطقة، وخصوصا تصويم الأطفال وأيضا التزاور بين الأقارب والجيران.

يحرص الجزائريون على إحياء هذه الليلة بسند اجتماعي وليس ديني، فليس في الإسلام ما ينص على خصوصية هذه الليلة، والهدف من "النّصفيّة" هو إعطاء الشهر الكريم نفسا اجتماعيا عبر التزاور والتهادي وترسيخ مفهوم الصيام عند الأطفال وتحبيبهم فيه وفي دينهم عموما.

ففي شرق الجزائر، مثل مدن قسنطينة وعنابة وسطيف، تقيم العائلات أطباقا تتراوح بين الكسكسي والشخشوخة والفرمسة، وكلها معجنات تطبق بلحم الخروف خصوصا والمرق.

 

وفي الوسط حيث العاصمة الجزائر والبليدة والمديّة، تعتبر الرّشتة الطبق الملك في تلك الليلة، وهي أيضا طبق معجنات عادة ما يطبخ بلحم الدجاج، أما في غرب البلاد بمدن وهران وتلمسان ومستغانم فيُحضّر الكسكسي خصوصا.

ولا تغيب الحلويات عن سهرة هذه المناسبة، فتزيّن البقلاوة وقلب اللوز ومقروط اللوز والكعبوش (حلوى تحضر بعجين التمر والدقيق) بالإضافة إلى الشاي، موائد ما بعد عودة الرجال من صلاة التراويح مرفقين بأبنائهم. 

تصويم الأطفال.. ذهب وفضة

لكن أهم تقليد في هذا اليوم هو تصويم الأطفال؛ فتحرص أغلب العائلات التي بلغ أطفالها سن السابعة فما فوق على تشجيعهم على صيام هذا اليوم، وليس شرطا أن يكمل الطفل صيام اليوم كلّه، المهم هو كسر الحاجز النفسي بينه وبين الصوم.

تقول السيدة حنان شتوي (40 سنة) لـ"أصوات مغاربية" عن هذه العادة "الهدف هو تحسيس الأطفال بقيمة رمضان، فهو ليس سهلا وليس صعبا أيضا، هذا ما نريدهم أن يفهموه ولكن بلطف، ونحرص على أن نطبخ لأطفالنا ما يشتهون عند الإفطار".

وتضيف "عند الإفطار نضع خاتما من فضة في كأس ماء ممزوج بقليل من ماء الزهر ليكسر به الطفل صيامه، وهو تقليد يدل على قيمة العمل الذي قام به الطفل، فما قام به يساوي الذهب والفضة.. هكذا نشعرهم بعظمة ما قاموا به، وبعد الإفطار نهديهم مبلغا ماليا في العادة، وهناك من يهدي ألعابا".

ويتزين الأطفال في يوم صيامهم بأبهى حلة من اللباس ويُوجّه الاهتمام كله لهم، وفي منطقة القبائل يوضع الطفل الذي يتمكن من صيام رمضان فوق قرميد المنزل، للدلالة على أنه ارتقى مكانا عاليا بصيامه، ويُعطى كأسا من عصير الليمون ممزوجا بماء الزهر ليشربه، ومنهم من يتناول إفطاره هناك.

أما في مناطق جنوب الجزائر فيذبح الأب خروفا فرحا بصيام ابنه أو ابنته، وفي هذا رمزية كبيرة، إذ لا تُذبح الذبائح إلا لأمر عظيم في هذه المناطق، وفي هذا دلالة على أن ما قام به الطفل أمر عظيم فعلا.

تزاور الأقارب والجيران

السيدة حبيبة ابراهيمي (65 عاما) قالت لـ"أصوات مغاربية" إن تصويم الأطفال هو بالدرجة الأولى لتحسيسهم بأنهم قد كبروا وصاروا قادرين على الصوم.. هذا الإحساس فيه تجريء لهم على اقتحام الصوم".

وتضيف "أحفادي يصومون في هذا اليوم، وأنا أرى كيف يقاوم بعضهم الجوع وكيف لا يقوَى البعض منهم على إتمام اليوم فنوقف صيامهم.. المهم عندنا هو الخطوة الأولى نحو هذا الركن من أركان الإسلام".

وفي "النصفية" أيضا تتزاور العائلات والأقارب والجيران لتعزيز صلة الرحم وحسن الجوار، فتسهر النسوة مع بعضهن والرجال مع بعض، على مائدة الحلويات والشاي خصوصا والعصائر.

أما الأطفال فيتباهى بعضهم على بعض بمدى القدرة على صيام اليوم كلّه وما تحصلوا عليه من هديّة من والديهم فرحا بهم.

  • المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

قوس صخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا
قوس "افازاجار" الصخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا

تشتهر جبال أكاكوس في أقصى جنوب غرب ليبيا بطبيعتها الصخرية غريبة التكوين وطبيعتها الصحراوية، لكن ما يميزها هو النقوش التي تصور المنطقة في عصور غابرة والتي صنفت كموقع للتراث العالمي.

وتقع جبال أكاكوس أو تدرارت أكاكوس، كما تعرف باللغة المحلية، ضمن نطاق الصحراء الكبرى بالقرب من مدينة "غات" قرب الحدود الفاصلة بين ليبيا والجزائر والنيجر.

متحف مفتوح 

ورغم طبيعتها الصحراوية القاحلة تتوفر منطقة أكاكوس على مناظر طبيعية ساحرة كما توجد بها بعض أنواع النباتات التي تنموا محلياً إضافة إلى حيوانات نادرة يعتبر بعضها مهدد بالانقراض.

لكن ما يميز المنطقة هو التكوينات الرملية والصخرية النادرة بفعل نحت الرياح ما ادى عبر الزمن إلى تشكل أقواس صخرية وأحجار ضخمة بأشكال مختلفة، ومن بينها المواقع الموجودة بمنطقة قوس "افازاجار" وقوس "تن خلجة".

غير أن شهرة جبال "أكاكوس" تتأتى من الرسومات والمنحوتات على الصخور وجدران كهوفها القديمة التي تنقل صورة لما كان عليه ذلك الجزء من الصحراء الكبرى قبل عشرات آلاف السنين.

ونظراً لأهمية التي تعكسها اللوحات والمنحوتات المذكورة، إذ يعود تاريخ بعضها إلى 21 ألف سنة، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) منطقة أكاكوس موقعا للتراث العالمي منذ عام 1985 

حيوانات لم تعد موجودة

وفضلاً عن قيمتها السياحية، يعد العلماء منطقة أكاكوس مكتبة أثرية توثق لظاهرة التغير المناخي والبيئي الذي طرأ على المنطقة عبر العصور. 

ومما يؤشر على ذلك التغيير هو أنواع الحيوانات التي صورها الإنسان القديم على كهوف وصخور المنطقة والتي لا يعيش بعضها إلا في بيئات السافانا والمناطق المتوفرة على المياه.

وتشتمل تلك النقوش على صور لحيوانات ضخمة لم تعد موجودة في بيئة الصحراء الكبرى حالياً ومن بينها الفيلة والزرافات والأحصنة وبعض أنواع الأبقار البرية والنعام وغيرها. 

وبالإضافة للحيوانات وثقت رسومات جبال أكاكوس للإنسان الذي عاش في تلك المنطقة قبل آلاف السنين ورسمته في وضعيات مختلفة يعتقد أنها مرتبطة بالطقوس الدينية أو بالسحر وبالحياة اليومية في منطقة يعتقد العلماء أنها كانت تختلف تماماً عما هي عليه اليوم. 

 

المصدر: أصوات مغاربية