شاي موريتانيا
يعد الشاي ركنا أساسيا في موائد الموريتانيين كما يمتاز بطقوس وقواعد خاصة

يحرص الموريتانيون في شهر رمضان أن يكون الكأس الأول من "أتاي/الشاي" جاهزا لحظة إقامة أذان المغرب ليكون أول ما يقدم على مائدة الإفطار بعد التمور، لكن ارتباط هذا الشعب المغاربي ليس حبيس شهر الصيام. 

وينعكس تعلق الموريتانيين بـالـ"أتاي" في الطقوس التي تميز إعداده وطبيعة مجالسه التي تشد إليها الانتباه، إذ كانت قديما وحديثا فرصة لمناقشة الآداب والثقافة، وتداول الأخبار الجديدة، وما يزال الكثير من الموريتانيين يحرصو على توفر طقوس خاصة في إعداد ذلك المشروب وتناوله.

"قانون الجيمات" 

ويمتاز الشاي الموريتاني -رغم وجوده في بلدان مغاربية أخرى- بشروط رئيسية تميز جلساته وطقسه الجماعي، ولهذا وضع الموريتانيون "قانون" الجيمات الثّلاثة، المُشترَط توفّرها للشّاي النموذجي.

ويعني هذا "القانون" ثلاث مفردات تبدأ بحرف الجيم، هي "الجر" وتعني باللغة العربية (عدم السرعة أو التؤدة) في إعداد الشاي وشربه.

يعد الشاي ركنا أساسيا في موائد الموريتانيين خلال الإفطار

 والجمر، وتعني الفحم، إذ يفضل الموريتانيون إعداد الشاي على نار هادئة كأن يُعَدّ على الفحم كي يجد الحرارة البطيئة ويغلي بالشكل الكافي للنضج.

 أما الجيم الثالثة فهي الجماعة وتعني أن يُعَدّ الشاي أمام الحاضرين أولا وفي جماعة من الجلساء يكونون غالباً من الأهل أو الأصدقاء، ومن الأفضل أن تكون بينهم مشتركات للحديث عنها لإثراء جلسة الشاي التي لا يُراد لها أن تنفَضي بسرعة.

طريقة التحضير

ويشي الاهتمام الكبير بطريقة إعداد الشاي يمكانته لدى الموريتانيين، إذ أنه من الضروري أن يحضر أمام الشاربين، وتبدأ تلك العملية بإحضار الإبريق والكؤوس وصحون أخرى، ثم يتم خلط كمية من (الوركه/ أوراق الشاي) وكمية من الماء في إبريق ثم يوضع على الجمر.

ويترك هذا المخلوط يغلي على النار مدة تقارب 10 دقائق، وبعدها تضاف إليه كمية من السكر والنعناع، كما يحرص قبل تقديمه على صنع "رغوة" داخل الكؤوس قبل التوزيع على الحضور لإعطائه شكلا جماليا.

وتتكرر هذه العملية مرات ثلاث يطلق على أولها "الكاس اللول" وتعني الكأس الأولى، ثم الثانية فالثالثة، وربما تزيد إلى الرابعة في حال قدوم أحد الجماعة متأخرا. 

تاريخ دخوله 

ويرجع الناقد والشاعر الموريتاني الدي ولد آدبة تاريخ دخول الشاي إلى المجتمع الموريتاني إلى نهاية القرن التاسع عشر وتحديدا في العام 1875 ميلادية.

ويتقاطع ذلك مع ما ذهب إليه المؤرخ الموريتاني المختار بن حامد، في كتابه تاريخ موريتانيا أن "تاجراً يُدعى عبد المعطي" كان أول من استورد مادة الشاي إلى موريتانيا وكان ذلك "عام 1875 ميلاديّاً".

ويضيف ولد آدبة في مقال صحفي نشره في مواقع محلية، أن ذلك الوافد الجديد، تحول إلى "خمرة الصحراء"، في "بلاد المليون شاعر"، وأنتج حب الموريتانيين له غرضا شعريا جديدا ضمن مدونة الأدب في البلاد.

وقرض الكثير من الشعراء الموريتانيين قصائد الشعر تغنيا بالشاي، كما نثروا من أجله مقطوعات من المديح الفصيح والشعبي.

ومثالا على ذلك ينشد الكثير من المتغنين بالشاي، أبيات  الشاعر الموريتاني الشيخ سيدي، التي يقول فيها:

يُقيمُ لنا مولايُ والليلُ مقمرٌ… وأضواءُ مِصباح الزجاجة تُزْهِرُ
وقد نسَمَت ريحُ الشمال على الرُّبى… نسيما بأذيال الدجى يتعَثرُ
كؤوسًا من الشاي الشهيِّ شهيةً… يطيب بها ليل التمام فيقصُرُ

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

صورة من حي 'الملاح' بمراكش ـ 1946
صورة من حي 'الملاح' بمراكش ـ 1946

شغل حادث وفاة 15 شخصا بسبب تسمم ناتج عن تناولهم مشروب كحولي فاسد بمنطقة سيدي علال التازي، شمال العاصمة الرباط، الرأي العام المغربي وصل صداه إلى البرلمان وإلى العديد من الجمعيات الناشطة في مجال حماية المستهلك. 

وكانت المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية بجهة الرباط سلا القنيطرة قد أكدت، في بيان رسمي، أنها أحصت من يوم الاثنين 3 يونيو إلى حدود الأربعاء الماضي 114 حالة تسمم جراء تناول كحول يحتوي على مادة "الميثانول"، مؤكدة حينها أن هؤلاء تعرضوا لـ"مضاعفات وخيمة".  

وقالت وسائل إعلام محلية إن المشروب الكحولي بيع للضحايا على أنه مشروب "الماحيا" (أو ماء الحياة) المحلي الصنع، بينما لم يكن سوى خمرا مغشوشا أضيفت له مادة "الميثانول" السامة التي تستعمل عادة في صناعة مواد التنظيف والعطور.  

فما المقصود بالماحيا؟ 

الماحيا أو ماء الحياة، مشروب اشتهر به يهود المغرب عبر التاريخ، وهو مشروب كحولي يتم استخلاصه من التين المجفف أو التمور أو الزبيب عن طريق التقطير. 

ويصف الباحث المغربي المتخصص في تاريخ يهود المغرب، أحمد شحلان، في كتابه " تاريخ اليهود المغاربة من منبت الأصول إلى رياح الفرقة"، المشروب بـ"القوي النكهة" مشيرا إلى أنه كان يصنع على نطاق محلي واسع حتى أن بعض مدن المغرب اشتهرت بجودتة دون أخرى. 

وكان هذا المشروب الذي كان يعد بالطرق التقليدية ويعتمد على الفواكه الجافة مع إضافة اليانسون للنكهة، يصنع في البيوت ويقدم في الأفراح وفي المناسبات الدينية التي تحرم على اليهود شرب النبيذ. 

ولم تشر الكتب التاريخية التي ركزت على تاريخ يهود المغرب إلى بدايات صناعة هذا المشروب، لكنها أجمعت أنه كان يستهلك بكثرة كاستهلاك المغاربة المسلمين للشاي. 

انتشر هذا المشروب بين فئات المجتمع اليهودي المغرب لثمنه الزهيد الذي كان عادة يقل بكثير عن سعر الخمور سواء كانت محلية الصنع أو مستوردة، ولكنه بقي داخل أسوار الملاح (الحي اليهودي القديم) ربما احتراما لمشاعر المسلمين ولم تغادره إلا بعد خضوع المغرب للحماية الفرنسية عام 1912. 

"أزيد من 227 يهوديا كانوا يتعاطون بشكل مباشر لصناعة وبيع الماحيا بمراكش عام 1903، وغالبا ما كان اليهود يتورطون في ارتكاب بعض المخالفات من فرط السكر (...) بغض النظر عن حالات الفوضى كانت الطوائف اليهودية تتساهل كثيرا مع مثل هذه السلوكات فهي لا ترى مانعا من الإفراط في الشرب في مناسبة مقدسة كالبوريم ما دام الأمر يتعلق بتنفيذ وصية ربانية"، يقول محمد الصديق أحمموشي في مقال بعنوان "الأعياد والاحتفالات الدينية عند يهود المغرب من خلال أرشيف الرابطة الإسرائيلية العالمية". 

وكانت صناعة هذا المشروب المحلي تقوم في بداياته على انتقاء أجود حبات "الشريحة" (التين المجفف) والتمر والزبيب، ثم تخزن في برميل أو تحت الأرض إلى أن تصل إلى درجة التخمر، ثم تطبخ المواد بعد ذلك في إناء من الألمنيوم موصول بأنبوب لاستخراج وتقطير عصير تلك المكونات. 

الماحيا بين المنع والشهرة

ومع وقوع المغرب في يد الحماية الفرنسية، أرادت فرنسا بسط سيطرتها على تجارة الماحيا بالمغرب، فعمدت في البداية إلى إصدار أوامر تمنع إعدادها خارج البيت قبل أن تعمد لاحقا على ربط صناعتها وإعدادها بضرورة الحصول على تراخيص خاصة من سلطات الحماية. 

وضع دفع الأسر اليهودية وخاصة المتاجرين منهم بالماحيا إلى تقطير هذا المشروب المسكر في معامل سرية متفرقة، وعرف المشروب إقبالا أيضا من لدن المسلمين بحكم معاشرتهم لليهود وقربهم منهم، وفق ما رواه محمد كنبيب، في كتابة يهود المغرب 1912- 1948. 

تأثرت صناعة وتجارية الماحيا بمختلف الأحداث التي شهدها المغرب، وعرفت منعا أو تسييرا وفق الأوضاع السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد، ونقل اليهود أسرار صناعتها إلى المغاربة المسلمين. 

وبقيت هذه الصناعة مستمرة بعد حصول المغرب على الاستقلال (1956) وحتى بعد هجرة آلاف اليهود المغاربة إلى إسرائيل منتصف الستينيات، كما حمل من هجر منهم تقنيات صناعتها إلى إسرائيل وأوروبا والولايات المتحدة. 

في عام 2016، برز اسم يهودي مغربي في الصحافة الأميركية يدعى دافيد ناحمياس، حيث تقاطرت المحطات الكبرى على معمله الصغير بنيويورك لمعاينة طرق صناعة وإنتاج المشروب الذي صار منذ ذلك الحين منافسا للماركات العالمية. 

ويستغل ناحمياس، المنحدر من تزناخت، جنوب شرق المغرب، المناسبات الدينية في الولايات المتحدة لتعريف بهذا المشروب الذي اشتهرت أسرته بإعداده أبا عن جد. 

وقال ناحمياس، في حوار سابق مع موقع "هسبريس" المحلي، إن تنظيم المغرب لعملية صناعة هذه المادة هو "الكفيل بالقضاء على الحوادث التي تشهدها البلاد وتودي أحيانا بحياة عديدين". 

وأضاف "إنه أمر محزن أن يموت مواطنون جراء هذا الأمر، والسبب من وجهة نظري غياب قانون منظم للأمر وإعداد المنتوج بشكل غير صحيح". 

المصدر: أصوات مغاربية