المناضل هنري هلال
صديق ثورة الجزائر اليهودي الفرنسي هنري علاّق

كثيرون هم الأجانب الذين ضحوا بحياتهم أو بمسيرتهم المهنية أو بأموالهم من أجل انتصار ثورة الجزائر على فرنسا متناسين جنسياتهم وأديانهم وأعراقهم، ومن هؤلاء الصحافي والحقوقي اليهودي الفرنسي هنري علاّق، الذي توفي قبل عشر سنوات.

ولد هنري سالم (الاسم الحقيقي لعلاّق) في 20 يوليو 1921 بلندن لأبوين يهوديين بولنديين، لم يمكث كثيرا في بريطانيا بسبب انتقال عائلته إلى فرنسا ثم إلى الجزائر المُحتلّة ليستقرا فيها.

المناضل والصحفي المُطارد

انتسب إلى "الحزب الشيوعي الجزائري" العام 1941، وأصبح عضوا في لجنته المركزية إلى أن حلّته السلطات الاستعمارية سنة 1955، بسبب نضاله من أجل استقلال الجزائر.

لم يستسلم علاّق وواصل النضال، فترأس إدارة تحرير صحيفة "الجزائر الجمهورية" (ألجيري ريبوبليكان) لأربع سنوات (195٠-1955)، وهي فترة حرجة جدا شهدت اندلاع ثورة التحرير الجزائرية العام 1954، ولم تتأخر الصحيفة في إظهار مواقفها المناهضة للاستعمار فكان مصيرها الحظر، وطورد صحفيوها ومنهم علاّق نفسه.

فرّ علاّق من "البوليس" الاستعماري، الذي كان يطارده، واختبأ في بيوت الجزائريين بالعاصمة غير أن الأمر لم يدم طويلا وانتهى بالقبض عليه سنة 1957، وهي السنة التي اشتعلت فيها "معركة الجزائر" الشهيرة ضد المستعمر في الجزائر العاصمة، ومنذ اعتقاله بدأت مأساة علاّق، التي ستجعله أيقونة من أيقونات الثورة والنضال.

علاّق.. التعذيب و"السّؤال"

تعرّض للتعذيب أولا لمدة شهر كامل في العاصمة الجزائر ثم نُقل إلى معتقل "لومباز" الرهيب بمنطقة باتنة (شرق الجزائر)، وهناك تعرض لتعذيب رهيب وممنهج على يدي الجلادين، وفي 1960 حكم عليه بالسجن في فرنسا لعشر سنوات مع الأشغال الشاقة.

التعذيب الذي عاناه صديق الثورة الشاب حينها جعله يكتب كتابه "السؤال" خفية داخل السجن، تحدث فيه بالتفصيل عن أهوال التعذيب الذي تعرض له سواء باستعمال الماء أو ما سماه بـ"الإغراق" أو باستعمال الصعق بالكهرباء عالية الضغط، وسرد أحاسيسه وتحدث عن رؤيته الموت.

تمكن علاّق من توزيع 65 ألف نسخة من كتابه قبل أن تصادره السلطات الاستعمارية في مارس 1958. 

وفي العام 1961 استطاع علاق الفرار من السجن وعاد إلى الجزائر بعد استقلالها في 1962، وبُعيْد الاستقلال أعاد تأسيس صحيفة "الجزائر الجمهورية" كما انطلق الحزب الشيوعي الجزائري من جديد ولم يتأخر هو في الانضمام إليه.

حلم شارع باسم "علاّق"

بفضل كتاب "السؤال" وصلت قضية التعذيب إلى الأمم المتحدة في نيويورك، وصار علاّق يعرف بأنه من الأوائل الذين فجّروا ملف التعذيب، فقال إنه كان ممارسة باسم الدولة الفرنسية، وهو ما لاتزال تنفيه السلطات الفرنسية إلى اليوم وتعتبره ممارسة فردية خلال "حرب الجزائر".

علاق قال في تصريحات خلال حياته لمجلة "لكسبرس" الفرنسية عن التعذيب "كنت أعلم بأنني إذا اعتُقلت سيعذبونني وكنت مستعدا لذلك (...) لم أعد أحقد على أيّ كان، كنت أعتبر اولئك الناس أداة حقيرة لسياسة ما".

ولعلاّق كتب أخرى عن الجزائر منها؛ "نجمة حمراء وهلال اخضر" و"ذكريات جزائرية"، لكنها لم تنل ما ناله كتابه "السؤال" من انتشار وتأثير.

توفّي علاق عن 92 عاما في فرنسا، بعدما استقر فيها واشتغل في صحيفة "لومانيتي" منذ العام 1966 حتى تقاعده في 1988.

وفي تصريحات لوكالة الأنباء الفرنسية، وصفته المقاومة الجزائرية لويزة إيغيل أحريز، التي كانت ضحية تعذيب أيضا "كانت تربطنا قضية مأساوية هي التعذيب خلال حرب الجزائر، وسأفعل كل شيء من أجل تسمية شارع أو مبنى باسمه في الجزائر".

  • المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

قوس صخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا
قوس "افازاجار" الصخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا

تشتهر جبال أكاكوس في أقصى جنوب غرب ليبيا بطبيعتها الصخرية غريبة التكوين وطبيعتها الصحراوية، لكن ما يميزها هو النقوش التي تصور المنطقة في عصور غابرة والتي صنفت كموقع للتراث العالمي.

وتقع جبال أكاكوس أو تدرارت أكاكوس، كما تعرف باللغة المحلية، ضمن نطاق الصحراء الكبرى بالقرب من مدينة "غات" قرب الحدود الفاصلة بين ليبيا والجزائر والنيجر.

متحف مفتوح 

ورغم طبيعتها الصحراوية القاحلة تتوفر منطقة أكاكوس على مناظر طبيعية ساحرة كما توجد بها بعض أنواع النباتات التي تنموا محلياً إضافة إلى حيوانات نادرة يعتبر بعضها مهدد بالانقراض.

لكن ما يميز المنطقة هو التكوينات الرملية والصخرية النادرة بفعل نحت الرياح ما ادى عبر الزمن إلى تشكل أقواس صخرية وأحجار ضخمة بأشكال مختلفة، ومن بينها المواقع الموجودة بمنطقة قوس "افازاجار" وقوس "تن خلجة".

غير أن شهرة جبال "أكاكوس" تتأتى من الرسومات والمنحوتات على الصخور وجدران كهوفها القديمة التي تنقل صورة لما كان عليه ذلك الجزء من الصحراء الكبرى قبل عشرات آلاف السنين.

ونظراً لأهمية التي تعكسها اللوحات والمنحوتات المذكورة، إذ يعود تاريخ بعضها إلى 21 ألف سنة، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) منطقة أكاكوس موقعا للتراث العالمي منذ عام 1985 

حيوانات لم تعد موجودة

وفضلاً عن قيمتها السياحية، يعد العلماء منطقة أكاكوس مكتبة أثرية توثق لظاهرة التغير المناخي والبيئي الذي طرأ على المنطقة عبر العصور. 

ومما يؤشر على ذلك التغيير هو أنواع الحيوانات التي صورها الإنسان القديم على كهوف وصخور المنطقة والتي لا يعيش بعضها إلا في بيئات السافانا والمناطق المتوفرة على المياه.

وتشتمل تلك النقوش على صور لحيوانات ضخمة لم تعد موجودة في بيئة الصحراء الكبرى حالياً ومن بينها الفيلة والزرافات والأحصنة وبعض أنواع الأبقار البرية والنعام وغيرها. 

وبالإضافة للحيوانات وثقت رسومات جبال أكاكوس للإنسان الذي عاش في تلك المنطقة قبل آلاف السنين ورسمته في وضعيات مختلفة يعتقد أنها مرتبطة بالطقوس الدينية أو بالسحر وبالحياة اليومية في منطقة يعتقد العلماء أنها كانت تختلف تماماً عما هي عليه اليوم. 

 

المصدر: أصوات مغاربية