جانب من المشاركين في المؤتمر. المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي
جانب من المشاركين في المؤتمر. المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي

في السابع من أبريل عام 1906، وبعد شهرين ونصف من المفاوضات، اختتمت أشغال مؤتمر الجزيرة الخضراء (جنوب إسبانيا) بإعلان جملة من القرارات التي مهدت لاحتلال المغرب. 

وقبل انطلاق المؤتمر في يناير من ذلك العام عرف المغرب أحداثا سياسية أعقبت وفاة السلطان العلوي الحسن الأول (1836-1894)، شجعت الدول الأوروبية في الكشف عن أطماعها في المغرب، خصوصا فرنسا وإسبانيا وبريطانيا.

سياق المؤتمر

وتمهيدا لتلك الأطماع، وقعت فرنسا وإيطاليا معاهدة عام 1902 تم بموجبها تنازل فرنسا عن ليبيا لصالح إيطاليا مقابل اعتراف الإيطاليين بأحقية فرنسا في احتلال المغرب.

كما وقعت فرنسا معاهدة ثانية مع بريطانيا عام 1904 تنازلت فيها عن أطماعها في مصر لصالح الإنجليز مقابل دعم أحقية الفرنسيين في احتلال المغرب ومعاهدة ثالثة بين فرنسا وإسبانيا في العام نفسه أكدت على أحقية إسبانيا في احتلال شمال المغرب مقابل دعم حق فرنسا في التوسع في باقي الأراضي المغربية.

تبعا لذلك، زادت ضغوط الأوروبيين على المغرب وأصبحت تطالبه بالقيام بإصلاحات عسكرية واقتصادية، ما دفع المغرب للمطالبة بعقد مؤتمر دولي بطنجة في محاولة منه لتدويل قضيته ولتوحيد رؤى الأوروبيين حول ماهية الإصلاحات التي يريدون تنفيذها.

انعقد المؤتمر بالجزيرة الخضراء، عوض طنجة، بمشاركة 13 دولة، بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا بينما شاركت الولايات المتحدة ممثلة في الرئيس "ثيودور روزفلت" الذي تلقى دعوة المشاركة من ألمانيا بهدف خلق التوازن بين الدول الأوروبية.

أسابيع من التفاوض

استمرت أشغال المؤتمر أزيد من شهرين وجرت في أجواء مشحونة لم تخف فيها الدول الأوروبية أطماعها في احتلال المغرب، من خلال فرض جملة من الإصلاحات التي لم تكن أبدا في صالح المملكة.

في المقابل، واجه الوفد المغربي المشارك في المؤتمر والذي ترأسه النائب محمد العربي الطريس، صعوبات جمة تمثلت في الترجمة وفي صعوبة التواصل ومناقشة مجريات المؤتمر مع السلطان مولاي عبد العزيز (1878-1943).

صعوبات وضحها الكاتب المغربي المتخصص في التاريخ عبد الصمد بازغ بالقول إن "مشكلة الترجمة قال بشأنها الحاج محمد المقري أحد أعضاء الوفد+ إننا جالسون هنا شبه تماثيل، لا نستطيع أن نفهم شيئا مما يقال + (...) ولم يجد الوفد بدا من اتخاذ عبد القادر ابن غبريط ترجمان المفوضية الفرنسية، ترجمانا رسميا له رغم ما كان يشكله ذلك من خطر على الوفد المغربي".

أما عن صعوبة التواصل بين الوفد المغربي وقصر السلطان فأضاف "ممثلو الدول الأوروبية و الأميركية كانوا يستطيعون الاتصال بعواصم بلدانهم لاستشارة حكوماتهم بسهولة، أما فاس عاصمة المملكة فلم يكن بها تلفون و لا تلغراف ولا تفضي إليها سكك حديدية ولا طرق سيارة معبدة تمكن من إطلاع السلطان في قصره على مداولات المؤتمر".

شروط الخزيرات

وبعد أسابيع من المداولات، اختتمت أشغال المؤتمر في السابع من أبريل عام 1906، وأعلن من "شروط الخزيرات" التي تضمنت 123 مادة تهم تنظيم شرطة وجمارك المغرب ومحاربة تهريب الأسلحة ومنح امتيازات للبنوك والأوروبية من بنك المغرب المؤسس حديثا في ذلك الوقت واستمرار تداول العملة الإسبانية بالمغرب، كما نصت على حق الأوروبيين في امتلاك الأراضي بالمغرب.

وفي لحظة توقيع مقررات المؤتمر، فاجأ رئيس الوفد المغربي المشاركين في المؤتمر وأعلن رفضه التوقيع على ما جاء في بنود الاتفاقية بدعوى أنها "إهانة للإيالة الشريفة"، لكن ضغوطات أوروبية أجبرت السلطان المغربي مولاي عبد العزيز على التوقيع عليها بعد شهرين من اختتام المؤتمر.

 "لقد بلغت الاتفاقية ثلاثة وعشرين ومائة بند وعرفت في اصطلاح العامة باسم +شروط الخزيرات+ وأمست هذه الكلمة شعارا يخفي وراءه كل ما هو مجحف وطويل من غير طائل"، يقول المؤرخ المغربي عبد الهادي التازي في كتابه "التاريخ الدبلوماسي للمغرب من أقدم العصور إلى اليوم".

من جانبه، وصف علال الخديمي في كتابه "التدخل الأجنبي والمقاومة بالمغرب"، مخرجات مؤتمر الخزيرات أو الجزيرة الخضراء بأنها مهدت لاحتلال المغرب، لأن "ميثاقه النهائي لم يستجب أبدا لأماني الشعب المغربي، بل جاء مؤكدا للوصاية الدولية ومدعما للاستغلال الأجنبي للمغرب، (...) وهكذا نلاحظ أن شروط ميثاق الجزيرة كانت كلها في صالح الأجانب فإذا ضمنت تدويل القضية المغربية، فإنها في الحقيقة، أخضعت المغرب للاستغلال لفائدة التجار والأفاقين الذين تهافتوا عليه من كل حدب وصوب".

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

الملك محمد السادس
الملك محمد السادس

في الثالث والعشرين من شهر يوليو عام 1999، تولى الملك المغربي، محمد السادس، العرش خلفا لوالده الحسن الثاني (1929 – 1999)، ثاني ملوك البلاد بعد الاستقلال. 

وعلى مدار 23 عاما من الحكم، شهد المغرب أحداثا بارزة، وتحولات جوهرية في مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية، وحتى الرياضية. 

وفي ما يلي بعض المحطات البارزة التي شكلت معالم هامة في مسار المملكة تحت قيادة الملك محمد السادس (60 عاما):

"أحداث الدار البيضاء" الدامية

في 16 ماي 2003، شهدت الدار البيضاء سلسلة هجمات إرهابية متزامنة استهدفت خمسة مواقع، مما أسفر عن مقتل 33 شخصا وإصابة أكثر من 100. 

كانت الهجمات من تنفيذ خلية محلية مرتبطة بتنظيم القاعدة، وأدت إلى صدمة واسعة في المغرب، إذ أنهت ما كان يُعرف بـ"الاستثناء المغربي" وأظهرت أن البلاد لم تعد بمنأى عن تداعيات الحركات المتشددة العالمية. 

عُرفت هذه الهجمات بـ"أحداث الدار البيضاء"، وهي الأفظع في تاريخ المملكة، ما دفع السلطات إلى التحرك بسرعة، حيث أعلن وزير الداخلية مصطفى الساهل عن بدء التحقيقات واعتقال المئات من المتورطين. 

تم إصدار قانون مكافحة الإرهاب المثير للجدل، ما أدى إلى محاكمة العديد من المتهمين، كما دفعت التفجيرات البلاد إلى تغيير استراتيجيتها لمواجهة التشدد وتفكيك الخلايا الإرهابية بشكل استباقي، مع تعزيز الجهود الفكرية محلياً ودولياً لاجتثاث التطرف.

مدونة الأسرة 

في عام 2004، أقر المغرب مدونة الأسرة بعد جدالات حادة بين الحداثيين والمحافظين، لتحل محل مجلة الأحوال الشخصية لعام 1958. حينها، اعتُبرت المدونة ثورة حقوقية ومكسبا قانونيا للنساء المغربيات، إذ أدخلت تغييرات كبيرة في مسائل الزواج والطلاق والميراث وحضانة الأطفال. 

ومع مرور السنوات، تحدثت جمعيات حقوقية عن استغلال كبير لثغرات قانونية، داعية إلى إصلاحات جديدة.

وفي خطاب العرش عام 2022، أكد الملك محمد السادس أن المدونة أصبحت غير كافية، ودعا لمشاورات لتعديلها. وفي سبتمبر 2023، بدأت الهيئة المكلفة بمراجعة المدونة جلسات استماع مع مؤسسات رسمية وأحزاب ومنظمات حقوقية وخبراء.

في أواخر يونيو، أعلن الديوان الملكي المغربي أن الملك محمد السادس أصدر توجيهات للمجلس العلمي الأعلى، وهو مؤسسة دينية رسمية معنية بالإفتاء، لدراسة المسائل الواردة في بعض مقترحات الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة. 

ويهدف هذا الإجراء إلى استصدار فتوى بشأن التعديلات الجديدة، استنادا إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي.

"الإنصاف والمصالحة"

في نوفمبر 2005، قدمت "هيئة الإنصاف والمصالحة" (لجنة حقوقية للنبش في انتهاكات حقوقية) تقريرها الختامي إلى الملك محمد السادس بعد 23 شهرا من التحقيقات الميدانية.

 تأسست الهيئة في أغسطس 1999 بعد شهر من تولي الملك محمد السادس الحكم، وقررت تعويض ضحايا هذه الانتهاكات وعائلاتهم. 

 تألفت "هيئة الإنصاف والمصالحة" من 17 عضوا وغطت أكثر من 5000 قضية لانتهاكات حقوق الإنسان، تمتد من استقلال المغرب عام 1956 حتى وفاة الملك الحسن الثاني في يوليو 1999، أي خلال فترة 43 عاما. 

وشملت التحقيقات حالات الوفيات، والاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والاعتداء الجنسي في فترة "سنوات الرصاص"، وتلقت أكثر من 20 ألف طلب، وكشفت عن وفاة 173 شخصا في مراكز اعتقال سرية.

لكن وعلى الرغم من تقديم توصيات لجبر الضرر وتعويض الضحايا، لم تتمكن الهيئة من الكشف عن مصير بعض الشخصيات البارزة مثل زعيم المعارضة اليسارية، المهدي بن بركة، الذي اختفى في باريس عام 1965.

"20 فبراير" وتعديل الدستور 

في عام 2011، ومع تصاعد الإحباط بسبب بطء الإصلاحات وسط انتفاضات الربيع العربي، خرجت احتجاجات قادتها حركة 20 فبراير، مطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية شاملة.

 استجاب الملك محمد السادس بالدعوة إلى استفتاء دستوري وانتخابات جديدة. 

في تلك الفترة، أُقر دستور جديد بعد خمسة أشهر، حافظ على صلاحيات الملك الواسعة ولكنه منح البرلمان ورئيس الحكومة مزيدا من السلطات، بما في ذلك تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز بالانتخابات. 

علاوة على ذلك، أضاف الدستور اللغة الأمازيغية كلغة رسمية بجانب العربية. 

ومع ذلك، ظلت الأحزاب السياسية محدودة التأثير في مواجهة سلطات النظام الملكي المهيمن على المجال السياسي في البلاد.

تألق كروي 

في واحدة من أكبر مفاجآت كأس العالم 2022 بقطر، حقق المنتخب المغربي إنجازا تاريخيا بوصوله لنصف نهائي البطولة لأول مرة في تاريخ المنتخبات الأفريقية والعربية، متبوئا المركز الرابع. تأهل "أسود الأطلس" لدور الستة عشر بعد تصدرهم المجموعة السادسة، ثم انتصروا على إسبانيا بركلات الترجيح وأطاحوا بالبرتغال بضربة رأسية ليوسف النصيري. 

بهذا الإنجاز، قفز تصنيف المغرب لأول مرة حينها إلى المركز 11 عالميًا، مسجلًا أكبر تقدم سنوي وفقًا لتصنيف "فيفا". 

وحظي أعضاء المنتخب المغربي إثر عودتهم من قطر في 20 ديسمبر الجاري، باستقبال شعبي كبير، كما استقبلهم العاهل المغربي الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط، حيث وشح كلا من رئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم ومدرب ولاعبي المنتخب بأوسمة ملكية.

وعلى مدار السنوات الأخيرة، حققت الكرة المغربية العديد من الإنجازات القارية والدولية، ومن أبرزها استعداد المغرب لتنظيم كأس العالم 2030 رفقة إسبانيا والبرتغال.

أعنف زلزال

في مساء الثامن من سبتمبر 2023، ضرب زلزال بقوة 6.8 درجات وفق المعهد الجيوفيزيائي الأميركي و7 درجات حسب المركز الوطني للبحث العلمي والتقني المغربي، منطقة الحوز وسط المغرب.

 أسفر الزلزال عن حوالي ثلاثة آلاف قتيل وآلاف الجرحى والمشردين والأيتام، وشعر به سكان مدن أخرى مثل أكادير وفاس والرباط.

وصنف الخبراء الزلزال الأعنف في تاريخ المغرب منذ أكثر من ستة عقود، مع تقديرات بتضرر نحو 2.8 مليون نسمة. 

ووفقا للحكومة، فإن الزلزال دمر حوالي 59 ألفا و474 منزلاً، منها 32 في المئة انهارت بالكامل، كما أضر بكثير من المآثر التاريخية. 

وخصصت السلطات تعويضات بنحو 13.6 ألف دولار للمنازل المدمرة بالكامل و7780 دولارا للمنازل المتضررة جزئيا.

في التاسع عشر من أكتوبر 2023، أصدر الملك محمد السادس تعليماته بإصدار قانون يمنح الأطفال الذين فقدوا ذويهم في زلزال الحوز صفة "مكفولي الأمة". بموجب هذا القانون، سيستفيد هؤلاء الأطفال من رعاية شاملة من الدولة تتضمن امتيازات تعليمية وصحية. وعند بلوغهم سن الشباب، يتم دعمهم بمنح دراسية وتوفير فرص إدماجهم في الوظائف العمومية.

 

المصدر: أصوات مغاربية