العاهل المغربي الراحل محمد الخامس (يمين) يوشح الأب جيكو (يسار) بوسام شرفي عام 1957
العاهل المغربي الراحل محمد الخامس (يمين) يوشح الأب جيكو (يسار) بوسام شرفي عام 1957

تحبس مدينة الدار البيضاء المغربية أنفاسها كلما حل موعد الديربي بين الغريمين التقليديين الرجاء والوداد البيضاويين، إذ تنتشر قوات الأمن في محيط ملعب محمد الخامس الذي يغص بالجماهير القادمة لمتابعة أطوار صدام استثنائي بين فريقين أسسهما رجل واحد يلقب بـ"الأب جيكو".

فمن يكون الأب جيكو؟

ولد محمد بن الحسن التونسي العفاني الملقب بـ"الأب جيكو" في بلدة إيسافن في تارودانت (جنوب غربي المغرب) في أسرة متعلمة وميسورة الحال عام 1900.

تلقى مبادئ القراءة والكتابة في سن مبكرة على يد والده، ثم هاجر في سنوات لاحقة إلى مدينة الدار البيضاء وفيها تلقى تعليمة الابتدائي والثانوي.

وتقول مصادر تاريخية إن الأب جيكو كان بين أول المغاربة الحاصلين على شهادة الباكالوريا من ثانوية ليوطي الفرنسية بالدار البيضاء عام 1918، وبعدها، رحل إلى فرنسا لدراسة الاقتصاد.

كان جيكو ذكيا وواسع الاطلاع، وقاده ذلك لاكتشاف كرة القدم بفرنسا حيث أغرم بها وتفنن في لعبها، ولعل ذلك ما دفع أحد الصحافيين الفرنسيين إلى إطلاق لقب "الأب جيكو" عليه، للشبه بينه وبين لاعب فرنسي يدعى Pierre Jégo.

عاد الفتى إلى المغرب واشتغل في المجال البنكي، بالموازاة مع ذلك، لعب في صفوف نادي الاتحاد الرياضي بالدار البيضاء، لكن عشق الأب جيكو للمستديرة تجاوز لعبها، فقرر في نهاية العشرينيات من القرن العشرين الذهاب إلى إنجلترا لدراسة التدريب، فكان أول لاعب يتلقى التكوين والتدريب في هذا المجال، وفق مقال لعمر أيت احساين نشر بموقع معلمة المغربي.

لاعب فصحافي ثم مؤسس لنادي الوداد والرجاء

ولج الأب جيكو مجال الصحافة عام 1935 وكان أيضا أول صحافي رياضي مغربي يكتب باللغة الفرنسية في صحيفة "لوبوتي كازابلانكي"، كما اشتغل مذيعا متخصصا في الشأن الرياضي في "راديو ماروك".

وفي عام 1939، أسس الأب جيكو نادي الوداد البيضاوي وسهر على تسييره وتدريب لاعبيه والاعتناء بكل صغيرة وكبيرة تخص النادي، في وقت كانت البلاد تعيش تحت وطأة الاستعمار الفرنسي (1912-1956).

ولم تمنع ظروف الاستعمار النادي المغربي من الفوز بعدد من الألقاب المحلية والإقليمية، وقضى 15 سنة على رأس النادي الأحمر إلى أن دفعته خلافات مع باقي المشرفين على النادي إلى الرحيل.

وعن مغادرته، كتب أيت احساين "يروى أن السبب الذي دفعه إلى مغادرة فريق الوداد، يعود إلى طريقة تدبيره للفريق، بحيث كان يتخذ القرارات دون استشارة رفاقه في تسيير الفريق حيث كان يعتبر الفريق فريقه، إذ هو من يموله، ما أغضب زملاءه، فانتهزوا فرصة ذهابه لقاء عطلته في مسقط رأسهن فقاموا بطره من الفريق".

بينما اختلف الروايات في تصريحات أدلى بها قدماء ومحبو الفريق ضمن فيلم وثائقي بثته القناة الأولى المغربية.

ااستغل باقي المشرفين على الوداد البيضاوي ذهاب الأب جيكو إلى بلدته لزيارة والده المريض، فقروا بالاجتماع إقالته من إدارة النادي منتصف خمسينيات القرن الماضي، وأدخل هذا القرار الأب جيكو في دوامة من الحزن والاكتئاب.

قبل الرجل إقالته على مضض، لكنه قال جملته الشهيرة "لأؤسسن فريقا سوف يقتسم مع الوداد شمس وهواء مدينة الدار البيضاء"، ولم تمض سوى سنوات قليلة حتى التحق عام 1956 بنادي الرجاء البيضاوي وشكل التحاقه ميلادا حقيقيا للفريق الأخضر الذي تأسس عام 1949.

نقل الأب جيكو التجربة نفسها إلى النادي "الأخضر"، وأشرف على تسيره وعلى إدارته لمدة 13 سنة، فحرص خلال تلك السنوات على صنع فريق يتميز بأسلوب اللمسة الواحدة المستوحى من كرة القدم بأميركا الجنوبية.

"من بين الأشياء التي تميز بها الأب جيكو المدرب كونه +اخترع+ مع الوداد ثلاثيا خطيرا ومروعا؛ مكونا من عبد السلام والشتوكي وإدريس. وحينما حط رحاله بالرجاء، +اخترع+ له ثلاثيا أيضا، والذي كونه من موسى وبهيج وبهيجة. وكان الرجل يتعامل مع اللاعبين، وبخاصة الثلاثي، معاملة خاصة للغاية، فيها حنو الأب وحزمه، وصرامة المدرب، الذي يريد النتيجة، ومحبة الجمهور، الذي يبحث عن المتعة"، يقول الصحافي المغربي يونس الخراشي.

توفي الأب جيكو في أغسطس عام 1970 بالدار البيضاء، فخلدت ساكنة المدينة ذكراه بملعب يحمل اسمه، وعن وفاته كتب احساين "توفي معزولا وفقيرا بعد أن وهب ماله وحياته للوداد والرجاء. فرغم كونه طيلة حياته ميسورا، وهو سليل أسرة ثرية، فإنه وافته المنية فقيرا وحيدا بين أبنائه في غرفة متآكلة بالرطوبة ببوشنتوف بحي درب السلطان بالدار البيضاء".

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

الشريف
الشريف بن سعيدي

ما أكثر المؤامرات الداخلية التي سعت لاختراق الثورة الجزائرية وتفجيرها داخليا، غير أنها باءت بالفشل بعدما اكتشفتها قيادة الثورة وأجهضتها، بل وحوّلتها إلى نصر على المحتلّ الفرنسي.

وتعتبر مؤامرة الشريف بن سعيدي، وهو ضابط جزائري كان في الجيش الفرنسي واخترق ثورة التحرير واغتال بعض قادتها، واحدة من تلك المؤامرات.

فمن يكون الشريف بن سعيدي؟ وماذا فعل؟ وكيف اكتشفته الثورة وماذا فعلت له؟

ضابط بالجيش الفرنسي

وُلد الشريف بن سعيدي سنة 1925 بمنطقة شلالة العذاورة بولاية المدية وسط البلاد.

انضم بن سعيدي إلى الجيش الفرنسي سنة 1946 أي قبل انطلاق ثورة التحرير (نوفمبر 1954)، وكان قوي البنية، قاتل في الحرب الهندوصينية الأولى عام 1956 مع الفرنسيين.

في أغسطس 1956 انعقد مؤتمر الصومام بمنطقة بجاية وسط الجزائر، وقررت قيادة الثورة ضخ دماء جديدة بالبحث عن أكفأ العناصر وتسليمها مناصب قيادية.

كان الشاب علي ملاّح واحدا من القيادات الشابة الجديدة، عُيّن على رأس الولاية السادسة وتضم أجزاء من ولايات المدية والمسيلة والجلفة حاليا نزولا إلى الصحراء كلها. 

الانضمام إلى الثوار

شرع ملاّح في البحث عن قادة ومقاتلين لتطوير أداء الثوار، فاغتنم فرصة وجود الشريف بن سعيدي في إجازة بمسقط رأسه فاتصل به وعرض عليه الالتحاق بجيش التحرير الوطني فوافق الأخير فورا.

يصف القائد السابق للولاية الرابعة العقيد لخضر بورقعة، الشريف بن سعيدي في كتابه "شاهد على اغتيال الثورة" قائلا "إنه شخص دون ماض تاريخي، بل هو مجرد مجند في القوات الفرنسية، منذ فجر شبابه تعلم فن القتل ورذيلة الخضوع الأعمى لأوامر المستعمر.." 

كان هذا سنة 1956 وقد بلغ بن الشريف حينها 31 سنة، فتدرّج في المسؤوليات إلى أن بات قائد كتيبة.

في سنة 1957 واجه الثوار قوات فرنسية و"جيش بلونيس" العميل لفرنسا، فسقط أكثر من 80 مقاوما بين أسير وقتيل، وهنا شبّ خلاف بين بن سعيدي وقائده جفال أحمد حول سبب ما حدث، ورغم أن قيادة الثورة احتوت الخلاف فإن الأمر لن يتوقف هنا..

بداية الخيانة

في شتاء 1957 أعلمت قيادة الثورة قائد الولاية السادسة علي ملاح بوجود شحنة أسلحة قادمة من المغرب نحو الولاية السادسة، فجهّز ثلاث كتائب لاستلامها.

كان على رأس إحدى الكتائب الشريف بن سعيدي، فانطلقت الكتائب شهر مارس وقد تمكنت إحداها من الوصول إلى منطقة استلام الشحنة، فيما تعرضت الكتيبة الثانية لكمين بينما لم تتمكن كتيبة بن سعيدي من الوصول.

أرسل بن سعيدي رسالة إلى قائد الولاية السادسة يخبره فيها بصعوبة المهمة بسبب التضاريس والكمائن، لكن العقيد ملاح أمره بمواصلة المهمة مهما كلف الثمن، وتوعده بالإعدام إن عصى أوامره. 

اغتيال الثوار

لم يأبه بن سعيدي بأمر قائده وقفل راجعا إلى الولاية السادسة، وفي الطريق أقنع العديد من أفراد كتيبته بالتمرد وهو ما تمّ فعلا.

في شهر أبريل من سنة 1957 شن بن سعيدي هجوما على رجال الولاية السادسة، فقتل قائدا يدعى أحمد الشافعي في كمين، وواصل خيانته فقتل عبد الرحمان جوادي، سي بلعيد وسي حسن وكلهم قادة.

وفي 31 ماي من السنة ذاتها نصب كمينا لقائد الولاية السادسة العقيد علي ملاح وتمكن من قتله، بعدما راسله وطلب منه التوصل لاتفاق لوضع السلاح والعودة إلى صفوف الثورة ولكنه غدر به.

تقول أستاذة التاريخ بجامعة تلمسان (غرب) سعاد يمينة شبوط في دراسة لها بعنوان "استراتجية جيش التحرير الوطني في مواجهة الحركات المضادة للثورة التحريرية بالولاية الرابعة 1955-1962 (حركة الشريف بن سعيدي أنموذجا)"، إن بن سعيدي "شكل خطرا حقيقيا على الثورة، عندما كان يقوم بتصفياته الغادرة لرفاقه في جيش التحرير".

فرار بن سعيدي

تحركت قيادة الثورة بعد هذه الأحداث للقضاء على الخائن بن سعيدي، فتوجّه قائد الولاية الرابعة سي أمحمد بوقرة لمحاصرة الخونة، ولكنهم تمكنوا من اكتشاف الأمر ولجأوا إلى الجيش الفرنسي فرحّب بهم.

منحت السلطات الاستعمارية بن سعيدي رتبة عقيد ودعمته بالمال والسلاح، وكوّن جيشا من حوالي 850 رجل.

يقول العقيد لخضر بورقعة عن هذه الخيانة "أعلن بن سعيدي عداءه الصريح للثورة وانضم للجيش الفرنسي، الذي أغدق عليه وموّل عشيرته وأتباعه بأسلحة حديثة وأموال طائلة، ومنحوه هو رتبة عقيد في الجيش الفرنسي كما منحوا بلونيس رتبة عميد".

ويضيف "ومنذ ذلك الحين أصبحا يهيمنان بدعم من العدو على منطقة واسعة تربط الشمال بالجنوب تقدر مساحتها بـ1500 كلم مربع، وعلى أرضها دارت معارك طاحنة وسالت دماء غزيرة وسقطت ضحايا عديدة".

تحالف بن سعيدي مع "جيش بلونيس" لتصفية قادة "جيش التحرير الوطني" والوشاية بهم، وكلّفت قيادة الثورة الرائد علي خوجة بتشديد الخناق عليه وتصفيته.

تكبّد جيش بن سعيدي خسائر كبيرة ما جعل الفرنسيين يقطعون عنه الدعم بالمال والسلاح فبدأ يتلاشى، وفي مثل هذا الشهر يونيو 1962، أي قبل الاستقلال بأيام معدودة، فر بن سعيدي إلى فرنسا وواصل العمل في جيشها ضابطا حتى توفّي سنة 1970.

وتذكر الأكاديمية الجزائرية سعاد يمينة شبوط، بأن المصادر الجزائرية والفرنسية اختلفت في تحديد عدد ضحايا بن سعيدي، وتقول في هذا الصدد "تختلف الكتابات الجزائرية والفرنسية كثيرا في تقدير العدد الحقيقي للخسائر التي تكبدتها الولاية السادسة من جراء قضية العميل بن سعيدي، إذ تتراوح ما بين 300 و600 و1000 جندي وضابط وإطار".

المصدر: أصوات مغاربية