لاعبو فريق جبهة التحرير الوطني
لاعبو فريق جبهة التحرير خاضوا كفاحا رياضا ضد الاحتلال الفرنسي/ مصدر الصورة: صفحة متحف المجاهد لولاية سيدي بلعباس على "فيسبوك" | Source: صفحة متحف المجاهد لولاية سيدي بلعباس على "فيسبوك"

لم يحرم الاحتلال الفرنسي الجزائريين من التعليم فحسب بل حرمهم من الرياضة أيضا، فبعدما استهدف تجهيلهم معرفيا قرر تحطيمهم جسديا.

تحريم الرياضة على الجزائريين جاء بمرسوم حكومي سنته السلطات الاستعمارية في 18 أبريل 1904، واستند المرسوم إلى قانون 1 يوليو 1901 المسمى "قانون الجمعيات الفرنسي".

تلاعب الاستعمار الفرنسي في قضية تحريم الرياضة، فلم يصدر قرارا مباشرا يمنع الجزائريين من ممارستها ولكنه نفّذ ذلك بأسلوب التضييق وتشديد شروط إنشاء الجمعيات الرياضية.

شروط قاسية.. ومتسامحة

جاءت شروط إنشاء الجمعيات الرياضية قاسية جدا على الجزائريين فيما كانت متسامحة جدا مع الفرنسيين ومع المتعاونين مع فرنسا من الجزائريين، وفق ما يذكره أستاذ التربية البدنية والرياضية بجامعة الجزائر، قاسمي أحسن في دراسة  بعنوان "مدخل حول النشاطات الرياضية في الجزائر خلال الثورة التحريرية وقبلها".

ومن الشروط التي جاءت في المرسوم؛ يجب ألا تكون لمن يريد تأسيس جمعية أو ناد رياضي سوابق ضد فرنسا، وأن تخدم أي جمعية أو نادي ثقافي أو رياضي أهداف فرنسا، وذلك بالمحافظة على الإقليم الفرنسي والنظام الجهوي ومساندة بقاء فرنسا في الجزائر.

وطالب المرسوم كل من يُسمح له بإنشاء جمعية رياضية أن يقدم تقارير دورية عن نشاطاته وتحركاته كلما طُلب منه ذلك، ليُخضِع بذلك هذه الجمعيات لمراقبة صارمة.

ولردع المخالفين لقوانين إنشاء الجمعيات الرياضية، فرض المرسوم عقوبات تراوحت بين 16 فرنكا فرنسيا قديما إلى 5 آلاف فرنك فرنسي قديم، والسجن لمدة بين أسبوع إلى سنة عن كل عضو يعارض أو يخالف مادة واحدة من مواد المرسوم.

يشير قاسمي أحسن في دراسته إلى أن الجزائريين لم يستسلموا لقانون فاتح يوليو 1901 ولا لمرسوم 1904، فبادروا إلى إنشاء جمعيات رياضية عديدة.

تحدي المرسوم.. ورياضات ممنوعة

ويقول المصدر ذاته "كان أول من بادر إلى إنشاء جمعية رياضية أربعة جزائريين كوّنوا فريقا لرياضة الجمباز العام 1903 وشارك هؤلاء الشبان في دورة "أردين" بفرنسا وفازوا باللقب حسب الفرق".

وأسس جزائريون جمعية لرياضة الملاكمة في 1912 مثّلوا بها الجزائر ومنهم؛ قويدري عمر وبوب عمر وبوب يوسف والشريف حاميا، كما أسسوا فريقا لرياضة الدراجات وآخر لألعاب القوى، وكانت المفاجأة سنة 1921 عندما أعلن عن تأسيس أول فريق رسمي جزائري لكرة القدم هو مولودية الجزائر، والذي لايزال ينشط إلى اليوم.

تأسيس مولودية الجزائر فتح الباب أمام تأسيس فرق كثيرة منها؛ النادي الرياضي القسنطيني والإتحاد الإسلامي الوهراني والإتحاد الإسلامي الرياضي للبليدة وغيرها من الفرق.

من جهة أخرى يشير قاسمي إلى أن الاستعمار ضيّق على الجزائريين في الرياضات الأخرى، حيث يقول "كانت المشاركة الجزائرية ضئيلة في الرياضات الأخرى، وذلك لعدم إعطاء فرصة للشباب الجزائري حق ممارستها، باعتبارها مسموحة فقط للمستوطنين الفرنسيين، مثل الرياضات التالية؛ كرة السلة، كرة اليد، الغولف، الفروسية، المبارزة".

نجح الجزائريون في المحافظة على الجمعيات التي أسسوها عبر الابتعاد عن الخوض في السياسة وتجنبوا انتقاد السلطات الاستعمارية، إلى أن اندلعت ثورة التحرير عام 1954 وتم تأسيس فريق جبهة التحرير، الذي خاض كفاحا رياضيا بدوره ضد الاستعمار فيما بعد.

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

صورة من حي 'الملاح' بمراكش ـ 1946
صورة من حي 'الملاح' بمراكش ـ 1946

شغل حادث وفاة 15 شخصا بسبب تسمم ناتج عن تناولهم مشروب كحولي فاسد بمنطقة سيدي علال التازي، شمال العاصمة الرباط، الرأي العام المغربي وصل صداه إلى البرلمان وإلى العديد من الجمعيات الناشطة في مجال حماية المستهلك. 

وكانت المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية بجهة الرباط سلا القنيطرة قد أكدت، في بيان رسمي، أنها أحصت من يوم الاثنين 3 يونيو إلى حدود الأربعاء الماضي 114 حالة تسمم جراء تناول كحول يحتوي على مادة "الميثانول"، مؤكدة حينها أن هؤلاء تعرضوا لـ"مضاعفات وخيمة".  

وقالت وسائل إعلام محلية إن المشروب الكحولي بيع للضحايا على أنه مشروب "الماحيا" (أو ماء الحياة) المحلي الصنع، بينما لم يكن سوى خمرا مغشوشا أضيفت له مادة "الميثانول" السامة التي تستعمل عادة في صناعة مواد التنظيف والعطور.  

فما المقصود بالماحيا؟ 

الماحيا أو ماء الحياة، مشروب اشتهر به يهود المغرب عبر التاريخ، وهو مشروب كحولي يتم استخلاصه من التين المجفف أو التمور أو الزبيب عن طريق التقطير. 

ويصف الباحث المغربي المتخصص في تاريخ يهود المغرب، أحمد شحلان، في كتابه " تاريخ اليهود المغاربة من منبت الأصول إلى رياح الفرقة"، المشروب بـ"القوي النكهة" مشيرا إلى أنه كان يصنع على نطاق محلي واسع حتى أن بعض مدن المغرب اشتهرت بجودتة دون أخرى. 

وكان هذا المشروب الذي كان يعد بالطرق التقليدية ويعتمد على الفواكه الجافة مع إضافة اليانسون للنكهة، يصنع في البيوت ويقدم في الأفراح وفي المناسبات الدينية التي تحرم على اليهود شرب النبيذ. 

ولم تشر الكتب التاريخية التي ركزت على تاريخ يهود المغرب إلى بدايات صناعة هذا المشروب، لكنها أجمعت أنه كان يستهلك بكثرة كاستهلاك المغاربة المسلمين للشاي. 

انتشر هذا المشروب بين فئات المجتمع اليهودي المغرب لثمنه الزهيد الذي كان عادة يقل بكثير عن سعر الخمور سواء كانت محلية الصنع أو مستوردة، ولكنه بقي داخل أسوار الملاح (الحي اليهودي القديم) ربما احتراما لمشاعر المسلمين ولم تغادره إلا بعد خضوع المغرب للحماية الفرنسية عام 1912. 

"أزيد من 227 يهوديا كانوا يتعاطون بشكل مباشر لصناعة وبيع الماحيا بمراكش عام 1903، وغالبا ما كان اليهود يتورطون في ارتكاب بعض المخالفات من فرط السكر (...) بغض النظر عن حالات الفوضى كانت الطوائف اليهودية تتساهل كثيرا مع مثل هذه السلوكات فهي لا ترى مانعا من الإفراط في الشرب في مناسبة مقدسة كالبوريم ما دام الأمر يتعلق بتنفيذ وصية ربانية"، يقول محمد الصديق أحمموشي في مقال بعنوان "الأعياد والاحتفالات الدينية عند يهود المغرب من خلال أرشيف الرابطة الإسرائيلية العالمية". 

وكانت صناعة هذا المشروب المحلي تقوم في بداياته على انتقاء أجود حبات "الشريحة" (التين المجفف) والتمر والزبيب، ثم تخزن في برميل أو تحت الأرض إلى أن تصل إلى درجة التخمر، ثم تطبخ المواد بعد ذلك في إناء من الألمنيوم موصول بأنبوب لاستخراج وتقطير عصير تلك المكونات. 

الماحيا بين المنع والشهرة

ومع وقوع المغرب في يد الحماية الفرنسية، أرادت فرنسا بسط سيطرتها على تجارة الماحيا بالمغرب، فعمدت في البداية إلى إصدار أوامر تمنع إعدادها خارج البيت قبل أن تعمد لاحقا على ربط صناعتها وإعدادها بضرورة الحصول على تراخيص خاصة من سلطات الحماية. 

وضع دفع الأسر اليهودية وخاصة المتاجرين منهم بالماحيا إلى تقطير هذا المشروب المسكر في معامل سرية متفرقة، وعرف المشروب إقبالا أيضا من لدن المسلمين بحكم معاشرتهم لليهود وقربهم منهم، وفق ما رواه محمد كنبيب، في كتابة يهود المغرب 1912- 1948. 

تأثرت صناعة وتجارية الماحيا بمختلف الأحداث التي شهدها المغرب، وعرفت منعا أو تسييرا وفق الأوضاع السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد، ونقل اليهود أسرار صناعتها إلى المغاربة المسلمين. 

وبقيت هذه الصناعة مستمرة بعد حصول المغرب على الاستقلال (1956) وحتى بعد هجرة آلاف اليهود المغاربة إلى إسرائيل منتصف الستينيات، كما حمل من هجر منهم تقنيات صناعتها إلى إسرائيل وأوروبا والولايات المتحدة. 

في عام 2016، برز اسم يهودي مغربي في الصحافة الأميركية يدعى دافيد ناحمياس، حيث تقاطرت المحطات الكبرى على معمله الصغير بنيويورك لمعاينة طرق صناعة وإنتاج المشروب الذي صار منذ ذلك الحين منافسا للماركات العالمية. 

ويستغل ناحمياس، المنحدر من تزناخت، جنوب شرق المغرب، المناسبات الدينية في الولايات المتحدة لتعريف بهذا المشروب الذي اشتهرت أسرته بإعداده أبا عن جد. 

وقال ناحمياس، في حوار سابق مع موقع "هسبريس" المحلي، إن تنظيم المغرب لعملية صناعة هذه المادة هو "الكفيل بالقضاء على الحوادث التي تشهدها البلاد وتودي أحيانا بحياة عديدين". 

وأضاف "إنه أمر محزن أن يموت مواطنون جراء هذا الأمر، والسبب من وجهة نظري غياب قانون منظم للأمر وإعداد المنتوج بشكل غير صحيح". 

المصدر: أصوات مغاربية