صورة قديمة تظهر جانبا من المدينة العتيقة بتونس
صورة قديمة تظهر جانبا من المدينة العتيقة بتونس- أرشيف

"أميرة الفقراء " و"المُحسنة الكبيرة" و"باذلة المعروف" كلها صفات وألقاب أطلقها مؤرخون على عزيزة عثمانة ما يدل على مكانة هذه المرأة في وجدان التونسيين بعد مسيرة حافلة من العمل الخيري .

ولا تقتصر أعمال عثمانة الخيرية على مجال واحد فحسب إذ شملت الطب ورعاية الأيتام وكبار السن و"تحرير العبيد" في وقت كان الرق سائدا في البلاد قبل منعه لاحقا.

فمن هي عزيزة عثمانة؟ وماذا فعلت لتكسب قلوب التونسيين؟ ومن استفاد من أعمالها الخيرية التي تواصلت حتى بعد وفاتها؟


من هي عزيزة عثمانة؟


هي ابنة جندي عثماني جاء إلى تونس مع البعثة العسكرية العثمانية في سنة 1574 وهو أخ لجنديّ أخر سيعتلي لاحقا منصب الداي وهو عثمان داي (توفي 1611)، وفق ما جاء في موقع وكالة إحياء التراث (حكومية).


تزوجت عزيزة عثمانة من قاسم ابن عمها عثمان لتشكل هذه الزيجة وفق المصدر ذاته "أسرة مرموقة ستظلّ ذريتها مرتبطة ببايات تونس إلى غاية منتصف القرن العشرين".

لم يعمر زوجها طويلا لكن الزيجة خلفت ابنا وحيدا هو أحمد فآثرت عثمانة أن تعيش أرملة ولم تتزوج ثانية، ثم سرعان ما قُتل ابنها على يد مراد الثالث الذي أصبح لاحقا حاكما على تونس.

تركت وفاة ابنها لوعة كبيرة في قلبها حتى أن مصادر تاريخية تروي أنها سافرت لأداء مناسك الحج بهدف الحد من "لوعتها وأساها".

وجاء في "موسوعة النساء التونسيات" الصادرة عن مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة (حكومي) أن ابنها أحمد "كان على رأس ثروة كبيرة بقيت على الشياع (دون قسمة) بين الجدة وحفيداتها.. وتحصلت عزيزة على 20 ملكا فلاحيا وحضريا".

ماذا فعلت عثمانة لتكسب قلوب التونسيين؟

يُعد المؤرخ حسن حسني عبد الوهاب (1883 و1968 ) أحد أبرز من اهتموا بسيرة عزيزة عثمانة وقد وثّق في كتابه "شهيرات تونسيات" العديد من الأعمال التي جعلت من هذه المرأة واحدة من أكثر الشخصيات المحببة لدى التونسيين.

يقول عبد الوهاب في كتابه إن عثمانة "حجت واعتمرت وحج معها خدمها وعبيدها وحشمها  ولما عادت إلى تونس أطلقت المماليك وأعتقت العبيد".

ويضيف أنه بعد ذلك انبرت "للأعمال المبرورة والمساعي المشكورة ووضعت وصيتها الخالدة المشهورة التي تجردت فيها من كل ما تملكه وقفا على وجه البر والإسعاف والمعروف".

ويعدد عبد الوهاب الأعمال الخيرية لعثمانة فيقول إنها "أنشأت مورستان (مستشفى) داخل الحاضرة لمعالجة أصناف الآلام" و"وقفت أيضا عقارا وجعلت ريعه ينفق على عتق الرقيق وإنقاذ الأسير".

وأنفقت عثمانة أيضا على "ختان أولاد الفقراء وكسائهم" وتجهيز الفتيات "اللائي يثقلهن الفقر ويحول دون زواجهن". 

وحسب مصادر أخرى فقد "خصّصت عزيزة عثمانة ربع أملاكها لجملة من الأعمال الخيرية، فعتقت رقاب عبيدها ووفّرت مداخيل قارّة لنساء كانت بهنّ خصاصة وأسّست مستشفى (مرستان) للمرضى المحتاجين وقامت بتجهيز الفقيرات. كما أمرت بتوزيع الصدقات بمناسبة الأعياد الدينية وأوصت بأن يتلى القرآن باستمرار على ضريح ابنها وعلى ضريحها بعد موتها".


من استفاد من "خير عثمانة"؟

جاء في "موسوعة النساء التونسيات"  أن اسم "عزيزة عثمانة ظل مذكورا من خلال مؤسساتها المحبسة التي احتفظ التاريخ بأسمائها".

وأضافت أن "المستفيدين الأوائل من تلك الأحباس هم قراء القرآن على قبر ابنها أحمد وقبرها هي بالذات، فقد خصصت مبلغا لاشتراء الزيت الذي سيضيء قبرها ولتنظيفه وزخرفته بالزهور والياسمين والورد".

أما بقية الإرث، يضيف الكتاب، فقد تم توزيعه على أعمال خيرية "مبلغ هام 400 ريال (عملة تونس آنذاك) خصص لعتق عبيدها و50 ريالا تم تخصيصها لإعاشة البعض من المسنين الذي حصرت أسماءهم بنفسها".

كما خصصت أموالا لشراء "الخبز لتوزيعها على الفقراء في شهر رمضان وخلال الاحتفالات الشعائرية كانت توزع مبالغ مالية على الفقراء وأخرى تخصصها لختان الأطفال وتوزيع الثياب عليهم"، يضيف الكتاب.

"تواصل عملها الخيري حية وميتة"

ويقول أستاذ التاريخ بالجامعة التونسية عدنان منصر إن "عزيزة عثمان أوقفت الكثير من الأملاك والأراضي في مختلف أنحاء البلاد وأنشأت العديد من المشاريع الخيرية التي بقيت تُنفق من أحباس هذه المرأة التي تواصل عملها الخيري حية وميتة".

وأضاف منصر في تصريح لـ"أصوات مغاربية" "قديما من كان يرغب في استمرار أثره يقوم بوقف أملاكه لحمايته من البيع وتخصيص مداخيله للأعمال الخيرية فعلى سبيل المثال كان طلاب جامع الزيتونة يستفيدون من منح دراسية متأتية من الأحباس".

وأشار إلى أن "معظم المؤسسات الدينية والخيرية كانت تستفيد من الأموال المتأتية من الأوقاف وجاءت عزيزة عثمانة في هذا السياق مستفيدة مما ورثته عن ابنها".

وتكريما لها سمت الدولة التونسية بعض المؤسسات والشوارع باسمها، وإن كان البعض يرون بأن ذلك "لا يكفي لتخليد تاريخها الطويل".

وفي هذا السياق، كتب عبد الوهاب أن النساء من أمثال عزيزة عثمانة "تقام لهن النصب والتماثيل بالساحات والحدائق العمومية.. تخليدا لذكراهن وتشويقا للاقتداء بفعالهن".

  • المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

الرئيس الأسبق أحمد بن بلة (يسار) رفقة العقيد هواري بومدين
الرئيس الأسبق أحمد بن بلة (يسار) رفقة العقيد هواري بومدين

في مثل هذا اليوم (19 يونيو) من عام 1965، شهدت الجزائر انقلاباً عسكرياً أطاح بنظام الرئيس أحمد بن بلة، أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال، والذي تولى السلطة في 15 أكتوبر 1963. 

ومنذ السنوات الأولى للاستقلال، خضعت المنطقة المغاربية لموجة من التغييرات السياسية، اتّخذ بعضها شكل انقلابات عسكرية دامية، بينما سلك البعض الآخر مسارا أكثر سلمية.

وقد استمرت الانقلابات بالمنطقة حتى عام 2008، حيث جرى آخر انقلاب غير دموي على أول رئيس مدني في تاريخ موريتانيا الحديث.

وفي ما يلي أبرز الانقلابات غير الدموية: 

انقلاب بعنوان "التصحيح الثوري"

نجح وزير الدفاع بحكومة الاستقلال ونائب رئيس المجلس الثوري هواري بومدين في إقناع كبار قادة أركان الجيش بضرورة تنحية أحمد بن بلة (1916-2012)، بعد شهر من التحضيرات الدقيقة.

تولى الطاهر زبيري، قائد الأركان، أمر اعتقال بن بلة في ليلة 18 إلى 19 يونيو 1965، فأعلن بومدين الانقلاب غير الدموي على موجات الراديو والتلفزيون، مبررا ذلك بـ "خروج" الرئيس عن نهج الثورة واستئثاره بالسلطة.

وجرى الانقلاب على بعد أيام قليلة من انعقاد المؤتمر الثاني لحركة عدم الانحياز في الجزائر.

تولّى بومدين الحكم بعد الانقلاب، لكنه تعرّض أيضا لمحاولة انقلابية خطط لها ونفذها قائد أركان الجيش الطاهر زبيري، وكانت في ديسمبر 1967.

فشل انقلاب زبيري واضطر للهرب خارج البلاد وبقي 13 سنة، ولم يعد إلا بعد وفاة الرئيس بومدين في 1978.

انقلاب بن علي "الدستوري" 

في السابع من نوفمبر 1987، شهدت تونس انقلابا غير دموي أطاح بنظام الرئيس الحبيب بورقيبة، ليُصبح زين العابدين بن علي رئيسا للبلاد إلى عام 2011.

حكم بورقيبة تونس منذ الاستقلال عام 1956، أي ما يقارب 31 عاما، وهي فترة تعرض فيها لانقلاب آخر فاشل تزعمه المقاوم الأزهر الشرايطي، وشارك فيها ضابط بالحرس الوطني.

لكن انقلاب بن علي ضد بورقيبة عام 1987 كان مختلفا عن محاولة الانقلاب الفاشلة لعام 1962 بقيادة الشرايطي، وذلك لعدة أسباب، أبرزها أن بورقيبة كان يبلغ من العمر 87 عاما، ما أثار تساؤلات حول قدرته على الاستمرار في الحكم.

وقد استند بن علي إلى الفصل 57 من الدستور التونسي، الذي ينص على تولي رئيس الوزراء رئاسة الجمهورية في حال عجز أو وفاة الرئيس، لتبرير انقلابه.

الانقلاب ضد معاوية في الجو

بينما اتسمت الانقلابات في دول مغاربية - مثل انقلاب الصخيرات ضد الملك الحسن الثاني في المغرب عام 1971 وانقلاب العقيد معمر القذافي على الملكية في ليبيا عام 1969- بكثرة الضحايا وسفك الدماء، تميزت الانقلابات في موريتانيا بكونها الأقل دموية في المنطقة، رغم أنها رائدة الانقلابات مغاربيا بما لا يقل عن 10 انقلابات.

وقد بدأت الانقلابات العسكرية في موريتانيا عام 1978، عندما أنهى العسكر حكم الرئيس وأب الأمة، المختار ولد داداه، ثم توالت الانقلابات إلى عام 2008.

ويعد أشهر انقلاب موريتاني هو انقلاب الثالث من أغسطس 2005، حينما خرج الرئيس الموريتاني الأسبق، معاوية ولد سيد أحمد الطايع، جواً من موريتانيا نحو السعودية ولم يعد. 

هبطت طائرة معاوية بالأراضي السعودية للمشاركة في تشييع العاهل الراحل، فهد بن عبد العزيز. وعندما حاول الرجوع، أغلق رفاقه في السلاح وفي انقلابات سابقة - وبالتحديد مدير أمنه - الأجواء في وجهه، فحطّت به الطائرة الرئاسية في النيجر في الثالث من أغسطس 2005.

وأطاح العقيد، اعلي ولد محمد فال (1952 -2017) بمعاوية، ثم قام بتشكيل مجلس عسكري تولى مهمة تسيير شؤون الدولة في مرحلة انتقالية قبل تسليم السلطة لحكومة منتخبة في 2007.

وحكم ولد الطايع البلاد لمدة 21 سنة، من 1984 إلى أغسطس 2005، نجا خلالها من محاولتين انقلابيتين "فاشلتين" في عامي 2003 و2004.

آخر انقلاب مغاربي

في 2008، تأزمت علاقات الرئيس حينها، سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، بكل من قائد أركان الحرس الرئاسي محمد ولد عبد العزيز (الرئيس السابق) وقائد أركان الجيش محمد ولد الغزواني (الرئيس الحالي)، فقرر إقالتهما من منصبيهما.

وفي السادس من أغسطس 2008، قام الجنرالان على الفور بالانقلاب على أول رئيس مدني في تاريخ البلاد، وتشكيل "مجلس الدولة"، الذي سيصبح بوابة الجنرالين نحو كرسي الرئاسة.

بعد الانقلاب، نُقل ولد الشيخ من نواكشوط إلى قريته لمدن في الـ 13 من نوفمبر 2008، وفرضت عليه الإقامة الجبرية، إلى أن تم التوصل إلى اتفاق بالعاصمة السنغالية دكار سمح له بإعلان استقالته في الـ 27 من يونيو 2009 مقابل نيل حريته.

اعتزل ولد الشيخ عبد الله الرئاسة منذ ذلك الحين، ولم يظهر قيد حياته إلا في مناسبات قليلة، كان آخرها رسالة تهنئة إلى الرئيس الموريتاني، محمد ولد الغزواني، بمناسبة توليه الرئاسة صيف 2019.

 

المصدر: أصوات مغاربية