عاد اسم مفتي عام الديار الليبية، الصادق عبد الرحمن الغرياني، ليتربع على عرش النقاش الدائر، هذه الأيام، على مستويات عديدة في ليبيا بالنظر إلى الانقسام الذي ميز مواقف الليبيين في الاحتفال بعيد الفطر.

فمن يكون الغرياني؟ ولماذا يستمر الجدل حول شخصيته؟ وهل يعتبر فعلا المرجعية الدينية الأولى في هذا البلد المغاربي، أم "تاجر صراع"، كما يقول عنه خصومه.

وقد تجدد النقاش حول هذه شخصية الغرياني بعدما اختلفت دار الإفتاء الليبية (مقرها العاصمة طرابلس)، التي يرأسها الأخير، مع الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية حول تحديد يوم عيد الفطر، حيث دعت الأولى إلى مواصلة الصيام إلى غاية يوم السبت، فيما دعت الهيئة الثانية إلى الاحتفال بالعيد يوم الجمعة.

من يكون الغرياني؟

الصادق عبد الرحمن الغرياني هو أحد أشهر رجالات الدين في ليبيا. ولد سنة 1942 وتخرج من كلية الشريعة بمدينة البيضاء في سنة 1969، قبل أن ينال درجة الماجستير من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، عام 1972، شعبة الفقه المقارن، وفق ما يؤكده موقعه الرسمي على الإنترنت.

نصبه المجلس الوطني الانتقالي الليبي، سنة 2012، مفتيا لدار الإفتاء الليبية، إلا أن مجلس النواب الليبي أعلن عن عزله من هذا المنصب الذي يحظى بتأثير كبير على شرائح واسعة في ليبيا، خاصة في الجهة الغربية.

تشير وسائل إعلامية إلى "النفوذ الكبير الذي يتمتع به في العاصمة طرابلس بحكم علاقاته مع المسؤولين السياسيين هناك"، لكن أطرافا أخرى لا تتردد في الحديث أيضا عن "السطوة التي يملكها على بعض المجموعات والمليشيات المسلحة الداعمة لتوجهاته السياسية والدينية والفكرية"، وهو الأمر الذي يؤكده العضو في مجلس النواب، جبريل أوحيدة، في تصريح لأصوات مغاربية.

وقد جلب له هذا الأمر انتقادات عديدة من قبل جهات داخلية، ومشاكل كذلك مع دول عربية اتهمته بـ"دعم الجماعات المتطرفة في ليبيا".

وفي سنة 2017، كان الصادق عبد الرحمن الغرياني ضمن الكيانات والأفراد الذين تم تصنيفهم من قبل السعودية والبحرين والإمارات ومصر في "قائمة الإرهاب المرتبطة بقطر".

فتاوى جدلية

شهرة الغرياني في ليبيا وفي بلدان عربية أخرى بدأت من خلال برامج تلفزيونية دينية كان يقدمها عبر قنوات تلفزيونية في عهد معمر القذافي، وكان وقتها  محسوبا على المشروع الإصلاحي لسيف الإسلام القذافي، في وقت تحدثت فيه مصادر أخرى عن قربه الشديد من جماعة الإخوان المسلمين.

يملك الغرياني في سجله العديد من "الفتاوى الجدلية"، لعل أشهرها دعوته، بعد انطلاق ثورة فبراير سنة 2011، إلى وجوب المواجهة المسلحة مع الكتائب التابعة لنظام معمر القذافي بعدما اتهمها بـ"الطغيان"، وقد أثار ذلك الموقف غضب أنصار النظام السياسي السابق.

وفي سنة 2012، أفتى أيضا بـ"عدم جواز التصويت لصالح حزب تحالف القوى الوطنية بقيادة محمود جبريل"، حيث اتهمه بـ"التحالف مع الليبرالية"، كما أفتى أيضا بحرمة تنظيم التظاهرات ضد مشروع قانون العزل السياسي في البلاد أشهرا بعد ذلك.

"مواقف تاريخية"

وحسب الناشط الإعلامي الليبي، أمين محمد الهاشمي، فإن "مواقف الشيخ الغرياني ظلت ثابتة طوال مساره الديني ولم تتغير، فهي تنطلق من مبادئ السياسة الشرعية".

وقال الهاشمي في تصريح لـ"أصوات مغاربية": "ما يثار حول من انتقادات ونقاش متواصل لا يزيد عن كونه شخصية عامة معروفة في أوساط سياسية وإعلامية واسعة في ليبيا".

وحسب المتحدث ذاته، فإن "الغرياني لم يكن يخشى حتى نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، وسبق له معارضة توجهاته في العديد من المرات بشكل علني، خاصة فيما يتعلق بقضية الربا، والجميع يعرف ذلك".

وتابع المتحدث "الجدل القائم حول الشيخ الغرياني لا يخرج عن دائرة الصراع المتواصل بين جماعة طرابس ونظرائهم في الجهة الشرقية".

وأفاد الإعلامي أمين محمد الهاشمي بأن "جزءا كبيرا من الحملة التي يتعرض لها المفتي العام في ليبيا مصدرها التيار السلفي الذي ينشط في مناطق عديدة، خاصة في بنغازي، حيث يرفض أتباعه العديد من القواعد الفقهية، المستمدة من المذهب المالكي، والتي يدعو إليها الشيخ الغرياني". 

مؤاخذات وانتقادات

وظل الغرياني أحد أكبر الشخصيات البارزة في الغرب الليبي التي رفضت الاعتراف بشرعية الأجسام السياسية والأمنية في الشرق الليبي، خاصة القوات التابعة للمشير خليفة حفتر.

ولم يتردد في 2016 في الدعوة إلى "قتال مليشيات مسلحة تابعة لحفتر في مناطق مقربة من العاصمة طرابلس".

ويقول النائب في مجلس النواب، جبريل أوحيدة، إن "الغرياني تخلص من دوره الديني منذ عدة سنوات وتحول إلى رجل سياسي وعراب للفتنة بين أبناء البلد الواحد من خلاله تحريضهم على بعض بشكل يناقض تماما مبادئ الحوار والتسامح التي جاء بها الإسلام".

وأضاف المتحدث في تصريح لـ"أصوات مغاربية": "الغرياني لا يؤمن إلا بتيار ديني متطرف معين، ويسعى إلى إقصاء كل الذين يخالفونه الرأي اعتمادا على مليشيات مسلحة تؤمن بفكره وتوجهاته".

وأضاف بأن "المحرك الأساسي لنشاط هذا الشخص هو جهويته المرضية تجاه كل ما يرمز إلى الشرق الليبي، بدليل أنه أصر على مخالفة سكانها حتى فيما يتعلق بيوم عيد الفطر دون أن يقدم أي سند شرعي أو ديني مقنع".

وأفاد أوحيدة بأن "الغرياني هو تاجر فتنة بامتياز يقف في وجه المصالحة بين الليبيين ويعطل مشروع وحدتهم باستعمال الدين والفتاوى المُفرقة".

 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

الرئيس الأسبق أحمد بن بلة (يسار) رفقة العقيد هواري بومدين
الرئيس الأسبق أحمد بن بلة (يسار) رفقة العقيد هواري بومدين

في مثل هذا اليوم (19 يونيو) من عام 1965، شهدت الجزائر انقلاباً عسكرياً أطاح بنظام الرئيس أحمد بن بلة، أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال، والذي تولى السلطة في 15 أكتوبر 1963. 

ومنذ السنوات الأولى للاستقلال، خضعت المنطقة المغاربية لموجة من التغييرات السياسية، اتّخذ بعضها شكل انقلابات عسكرية دامية، بينما سلك البعض الآخر مسارا أكثر سلمية.

وقد استمرت الانقلابات بالمنطقة حتى عام 2008، حيث جرى آخر انقلاب غير دموي على أول رئيس مدني في تاريخ موريتانيا الحديث.

وفي ما يلي أبرز الانقلابات غير الدموية: 

انقلاب بعنوان "التصحيح الثوري"

نجح وزير الدفاع بحكومة الاستقلال ونائب رئيس المجلس الثوري هواري بومدين في إقناع كبار قادة أركان الجيش بضرورة تنحية أحمد بن بلة (1916-2012)، بعد شهر من التحضيرات الدقيقة.

تولى الطاهر زبيري، قائد الأركان، أمر اعتقال بن بلة في ليلة 18 إلى 19 يونيو 1965، فأعلن بومدين الانقلاب غير الدموي على موجات الراديو والتلفزيون، مبررا ذلك بـ "خروج" الرئيس عن نهج الثورة واستئثاره بالسلطة.

وجرى الانقلاب على بعد أيام قليلة من انعقاد المؤتمر الثاني لحركة عدم الانحياز في الجزائر.

تولّى بومدين الحكم بعد الانقلاب، لكنه تعرّض أيضا لمحاولة انقلابية خطط لها ونفذها قائد أركان الجيش الطاهر زبيري، وكانت في ديسمبر 1967.

فشل انقلاب زبيري واضطر للهرب خارج البلاد وبقي 13 سنة، ولم يعد إلا بعد وفاة الرئيس بومدين في 1978.

انقلاب بن علي "الدستوري" 

في السابع من نوفمبر 1987، شهدت تونس انقلابا غير دموي أطاح بنظام الرئيس الحبيب بورقيبة، ليُصبح زين العابدين بن علي رئيسا للبلاد إلى عام 2011.

حكم بورقيبة تونس منذ الاستقلال عام 1956، أي ما يقارب 31 عاما، وهي فترة تعرض فيها لانقلاب آخر فاشل تزعمه المقاوم الأزهر الشرايطي، وشارك فيها ضابط بالحرس الوطني.

لكن انقلاب بن علي ضد بورقيبة عام 1987 كان مختلفا عن محاولة الانقلاب الفاشلة لعام 1962 بقيادة الشرايطي، وذلك لعدة أسباب، أبرزها أن بورقيبة كان يبلغ من العمر 87 عاما، ما أثار تساؤلات حول قدرته على الاستمرار في الحكم.

وقد استند بن علي إلى الفصل 57 من الدستور التونسي، الذي ينص على تولي رئيس الوزراء رئاسة الجمهورية في حال عجز أو وفاة الرئيس، لتبرير انقلابه.

الانقلاب ضد معاوية في الجو

بينما اتسمت الانقلابات في دول مغاربية - مثل انقلاب الصخيرات ضد الملك الحسن الثاني في المغرب عام 1971 وانقلاب العقيد معمر القذافي على الملكية في ليبيا عام 1969- بكثرة الضحايا وسفك الدماء، تميزت الانقلابات في موريتانيا بكونها الأقل دموية في المنطقة، رغم أنها رائدة الانقلابات مغاربيا بما لا يقل عن 10 انقلابات.

وقد بدأت الانقلابات العسكرية في موريتانيا عام 1978، عندما أنهى العسكر حكم الرئيس وأب الأمة، المختار ولد داداه، ثم توالت الانقلابات إلى عام 2008.

ويعد أشهر انقلاب موريتاني هو انقلاب الثالث من أغسطس 2005، حينما خرج الرئيس الموريتاني الأسبق، معاوية ولد سيد أحمد الطايع، جواً من موريتانيا نحو السعودية ولم يعد. 

هبطت طائرة معاوية بالأراضي السعودية للمشاركة في تشييع العاهل الراحل، فهد بن عبد العزيز. وعندما حاول الرجوع، أغلق رفاقه في السلاح وفي انقلابات سابقة - وبالتحديد مدير أمنه - الأجواء في وجهه، فحطّت به الطائرة الرئاسية في النيجر في الثالث من أغسطس 2005.

وأطاح العقيد، اعلي ولد محمد فال (1952 -2017) بمعاوية، ثم قام بتشكيل مجلس عسكري تولى مهمة تسيير شؤون الدولة في مرحلة انتقالية قبل تسليم السلطة لحكومة منتخبة في 2007.

وحكم ولد الطايع البلاد لمدة 21 سنة، من 1984 إلى أغسطس 2005، نجا خلالها من محاولتين انقلابيتين "فاشلتين" في عامي 2003 و2004.

آخر انقلاب مغاربي

في 2008، تأزمت علاقات الرئيس حينها، سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، بكل من قائد أركان الحرس الرئاسي محمد ولد عبد العزيز (الرئيس السابق) وقائد أركان الجيش محمد ولد الغزواني (الرئيس الحالي)، فقرر إقالتهما من منصبيهما.

وفي السادس من أغسطس 2008، قام الجنرالان على الفور بالانقلاب على أول رئيس مدني في تاريخ البلاد، وتشكيل "مجلس الدولة"، الذي سيصبح بوابة الجنرالين نحو كرسي الرئاسة.

بعد الانقلاب، نُقل ولد الشيخ من نواكشوط إلى قريته لمدن في الـ 13 من نوفمبر 2008، وفرضت عليه الإقامة الجبرية، إلى أن تم التوصل إلى اتفاق بالعاصمة السنغالية دكار سمح له بإعلان استقالته في الـ 27 من يونيو 2009 مقابل نيل حريته.

اعتزل ولد الشيخ عبد الله الرئاسة منذ ذلك الحين، ولم يظهر قيد حياته إلا في مناسبات قليلة، كان آخرها رسالة تهنئة إلى الرئيس الموريتاني، محمد ولد الغزواني، بمناسبة توليه الرئاسة صيف 2019.

 

المصدر: أصوات مغاربية