المقاوم بوعلام رحال
"المقنين الزين" بوعلام رحال كما بدا في صورة لوّنها ناشطون جزائريون على شبكات التواصل/ مصدر الصورة: شبكات التواصل الاجتماعي | Source: صورة من شبكات التواصل الاجتماعي لوّنها ناشطون جزائريون بتقنيات حديثة

"يا المقْنِين الزين، يا أصفر الجنحين، يا أحمر الخدّين، يا كحيل العينين، هذي مدة وسنين وأنت في قفص حزين، تغني بصوت حنين، لا من يعرف غناك منين.."..

ليست هذه كلمات تغزّل بها شاعر في فتاة فاتنة كما قد يتبادر إلى الأذهان، بل هي أغنية جزائرية مشهورة تعود لخمسينيات القرن الماضي وموضوعها رثاء مقاوم شاب خلال ثورة التحرير لم يبلغ العشرين من عمره، عذّبه الاحتلال الفرنسي ثم قطع رأسه بعدما زور شهادة ميلاده.. فما قصة هذا "المقنين الزين"!؟

أغنية خلّدت مأساة وبطولة

"المقنين" في العامية الجزائرية تعني باللغة العربية طائر الحسّون، ذلك الطائر الزّاهي الألوان بين البني والأسود والأحمر والأبيض، الشّادي بتغريداته الأخّاذة ليُطرب من حوله، والشخص المقصود بـ"المقنين الزين" في الأغنية هو لاعب كرة القدم والمقاوم الثائر بوعلام رحّال، أمّا مؤلُفها فهو الفنان الجزائري الراحل محمد الباجي.

ألّف محمد الباجي أغنيته هذه، والمعروفة بـ"يا المقنين الزين"، العام 1957 عندما كان يقبع في سجن "سركاجي" في الجزائر العاصمة بتهمة مقاومة الاستعمار، وهي أغنية خلّد فيها مأساةً وبطولةً شاهدها بعينه هناك كان بطلها الشاب الغضّ جدا بوعلام رحّال.

ففي الوقت الذي كان الباجي مسجونا كان بوعلام رحّال نزيلا معه رفقة مقاومين آخرين، بتهمة تفجير أدى إلى مقتل فرنسيين، وهناك علم الباجي بما فعله الشاب الثائر فكبر في عينه.

تقول السلطات الفرنسية في الموقع الإلكتروني لـوزارة الجيوش الفرنسية، إن رحّال كان واحدا من منفّذي عملية تفجير قنبلة في الملعب البلدي للأبيار بالعاصمة الجزائر في 10 فبراير 1957، خلفت قتيلين و15 جريحا.

رحّال.. اللاعب والثّائر

يعرف العاصميون الشاب رحّال بأنه لاعب كرة قدم في نادي المولودية الإسلامية الشعبية لكرة القدم (الاسم القديم لنادي مولودية الجزائر حاليا)، لكن رحّال كان أيضا عضوا في "جبهة التحرير الوطني"، التي أطلقت شرارة الثورة على الاحتلال في فاتح نوفمبر 1954.

بسرّية تامّة نشط رحّال في صفوف "جبهة التحرير الوطني" مثل كثير من الشباب، فشارك مع مقاومين في هجمات مسلحة على مواقع فرنسية عديدة العام 1957، وهي الأحداث التي عُرفت تاريخيا بـ"معركة الجزائر"، وكانت بقرار من قيادة "جبهة التحرير الوطني" عندما قررت نقل الثورة من الجبال والقرى والمداشر إلى العاصمة لتتحدّى الاحتلال.

ومن العمليات التي نفذتها "جبهة التحرير الوطني" ضد مصالح الاحتلال، تلك التي ألقي فيها القبض على الخلية التي كان يعمل بوعلام رحّال ضمنها، والمقصود عملية ملعب الأبيار.

في السجن تعرض رحّال للضرب والتعذيب رفقة من معه، وتُظهر الصورة المنشورة له على موقع وزارة الجيوش الفرنسية آثار الضرب على وجنته وجبهته وشفتيه، كما يبدو الحزن والخوف على وجهه. 

تزوير.. لإعدام قاصر

حُكم على رحّال ومن معه بالإعدام بالمقصلة، لكنه كان دون السن القانونية للإعدام وفق القانون الفرنسي حينها والمحددة بـ20 عاما، فيما كان هو في التاسعة عشرة.

زوّرت المصالح الإدارية للاحتلال شهادة ميلاد رحّال، فأضافت 10 أشهر إلى سنه الحقيقية حتى تجعله في سن الـ٢٠ لتتجنّب إثارة الرأي العام الجزائري والدولي، فتاريخ ميلاده الحقيقي هو 26 ديسمبر 1937 وبعد التزوير صار 26 فبراير 1937 (20 سنة ونصف)، وبذلك وجد الجلادون الطريق مفروشا أمامهم لإعدامه 20 من يونيو 1957، في سجن سركاجي بقطع رأسه، حتى يردعوا كل من يفكر في الثورة عليهم مهما كانت سنّه.

أثّرت هذه القصة في الفنان السجين حينها محمد الباجي، فألف "يا المقنين الزين" ولحّنها هناك والحزن يأكله، وتقول كلماتها "يا المقنين الزين، يا أصفر الجنحين، يا أحمر الخدين، يا كحيل العينين، هذي مدة وسنين وأنت في قفص حزين تغني بصوت حنين، لا من يعرف غناك منين.."

ويشر الباجي إلى أن رحال هو طائر الحسّون الجميل الذي ألقي به في السجن، فصار حزينا لا يشدو بتغريداته الجميلة من داخل القفص الذي رُمي فيه.. وما يجعل الأغنية مؤّثرة فعلا هو لحنها الحزين والمشاعر التي تنتقل لمن يسمعها، فضلا عن صوت الباجي الحزين المملوء بالحشرجة.

خرج الباجي من السجن في مارس 1962 وفي يديه ذكرى من رحّال هي قبّعته، التي طلبها من شاب كان مع رحّال في زنزانة المحكوم عليهم بالإعدام، كما احتفظ بالنص الأصلي للقصيدة، وقد نشرت صحف جزائرية ووسائل التواصل الاجتماعي عديدة صورة عنها.

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

مدينة الجزائر العاصمة
جنب من مدينة الجزائر العاصمة عام 1957

في مثل هذا اليوم (24 يونيو) من عام 1830 وقعت معركة "سيدي خالف" بين القوات الفرنسية والقوات المدافعة عن الجزائر العاصمة والتي حاولت منع الفرنسيين من التقدم نحو "دار السلطان".

وتعد تلك المعركة الثالثة من نوعها بعد إنزال الأسطول الفرنسي في سواحل سطاولي (غرب الجزائر) في 14 يونيو 1830 والذي كان مقدمة للاحتلال الذي بدأ في 5 يوليو من نفس السنة إثر استسلام الداي حسين وسقوط العاصمة بيد الفرنسيين.

"استيلاء تدريجي"

في حديثه عن الظروف التي سبقت تلك المعركة، يقول الباحث في تاريخ الجزائر بجامعة إكستر البريطانية، حسني قيطوني، إن الفرنسيين "كانوا قد أعدوا خططهم بإحكام للاستيلاء التدريجي على أهم معاقل المقاومة التي كانت تفتقد للتنظيم التسلسلي في القيادة".

وتبعا لذلك "لم تعرف المقاومة الشعبية جهودا موحدة، رغم توافد المدافعين عن العاصمة من بايلك الشرق والغرب والوسط ومن دار السلطان التي كانت تعتبر القلعة الحصينة والمقر الرئيسي للداي حسين بقلب العاصمة"، يضيف قيطوني في حديث مع "أصوات مغاربية"، مشيرا إلى أن "سقوط دار السلطان كان يعني سقوط الجزائر واستسلامها".

وعن تفاصيل المعركة، يوضح قيطوني أن "المواجهة بدأت يوم 24 يونيو 1830 في منطقة سيدي خالف المسماة حاليا بالشراقة، بين المقاومة الشعبية والجنود الانكشاريين التابعين للداي من جهة والجيش الفرنسي برئاسة قائد الحملة الفرنسية على الجزائر المارشال لويس دي بورمن، من جهة ثانية" مردفا أنه "رغم خسائرهم تمكن الفرنسيون من الزحف والانتصار في هذه المعركة بالتقدم نحو دار السلطان".

"أخطاء عسكرية"

من جانبه، وفي حديثه عن أسباب هزيمة القوات المدافعة عن الجزائر العاصمة، يقول أستاذ التاريخ الجزائري، عباس كحول إن ذلك كان "نتيجة تراكمات من الأخطاء العسكرية"، وبينها "عدم مواجهة القوات الفرنسية وتأجيل ذلك إلى غاية نزولها برا بسيدي فرج، وقرار الداي حسين عزل القائد المتمرس الأغا يحيى وتعويضه بصهره إبراهيم آغا الذي كان يفتقد للخبرة العسكرية، ثم تهميش دور المقاومين الجزائريين والقوات التي جاءت لتدعم المعارك".

ويضيف كحول في حديث مع "أصوات مغاربية" أن "هذه الأخطاء ساهمت في إضعاف القوات المكلفة بالدفاع عن الجزائر العاصمة في ثلاث معارك على الأقل، وزادت من حجم الخسائر، وعززت مواقع تقدم القوات الاستعمارية التي كانت تجتاح حصون العاصمة الواحد تلو الآخر". 

ويتابع المتحدث ذاته موضحا أن "الداي حسين حاول تدارك الخطأ الذي وقع فيه بتعيين صهره قائدا لقوات الدفاع عن العاصمة، وعين خلال تلك الفترة من المعارك العالم محمد بن محمود المعروف بابن العنابي للقيادة الروحية للمقاومة الشعبية، إلا أن الوقت كان متأخرا جدا عن تدارك الهزيمة التي سمحت للفرنسيين بالاقتراب أكثر من دار السلطان".

  • المصدر: أصوات مغاربية