صورة لمدينة سوسة الليبية
صورة لمدينة سوسة الليبية - تصوير الساعدي

بين مرتفعات الجبل الأخضر وسواحل البحر الأبيض المتوسط تقبع بلدة سوسة الهادئة في الشرق الليبي بمينائها الصغير وعدد سكانها الذي لا يتجاوز 7 آلاف نسمة، لكن لهذه المدينة قصة طويلة تعود جذورها إلى نحو 3 آلاف عام.

وتعود بدايات سوسة إلى القرن السابع قبل الميلاد عندما أسسها الإغريق وأطلقوا عليها اسم "أبولونيا" تيمنا بإله الجمال والموسيقى عندهم، ولتكون ميناء تجارياً مخصصاً لـ "قورينا"، المعروفة حالياً باسم شحات.

وعبر مراحل تاريخية متعاقبة تطورت المدينة لتصبح من أهم موانئ جنوب المتوسط وعاصمة لما يعرف بإقليم "المدن الخمس" في شرق ليبيا خلال العصر البيزنطي في القرن الخامس الميلادي.

أبرز معالم المدينة الأثرية

وخلال الفترات الزمنية الطويلة التي امتدت ما بين العصر الروماني والفتح الإسلامي، شهدت سوسة أحداثا تاريخية كثيرة بدءا بالاستيطان الإغريقي ثمّ الروماني فالبيزنطي، وحتى مجيء الفتح الإسلامي، وقد تركت كل هذه الفترات بصماتها على المدينة لتجعل منها متحفاً مفتوحاً، كما يصفها مؤرخون.

ويقول المصور وصانع المحتوى السياحي، الليبي سند لحلافي، إن اسم "أبولونيا" الذي أطلق على المدينة عند تأسيسها ما زال مستخدما حتى اليوم لاسيما للإشارة إليها باللغات الأجنبية "خصوصا فيما يتعلق بالجزء القديم من المدينة ومنطقة الميناء التي تحوي العديد من الآثار  القديمة."

ويضيف لحلافي في حديث مع "أصوات مغاربية"، إن "أبولونيا تعتبر ثاني مدينة تأسست في الجبل الأخضر على يد الإغريق بعد "قورينا" أو Cyrene الشهيرة (شحات حالياً)، كما تعتبر امتداداً لها ومنفذها البحري الذي استعمله الإغريق في التجارة مع الخارج.

ويصف مدينة سوسة الحالية بأنها خليط من الحضارات الإغريقية والرومانية والبيزنطية، ويتابع "ومن أهم معالم المدينة هو ميناؤها أو "حوض أوبولنيا" المعروف محلياً باسم "القوليبا"، إضافة للمسرح الإغريقي القديم ومجموعة الكنائس الموجودة بالقرب من الميناء."

"هوا فطيح"

ويشير لحلافي كذلك إلى مواقع أثرية واكتشافات تاريخية هامة في محيط المدينة على رأسها كهف "هوا فطيح" الذي يعد أحد أكبر التجويفات الطبيعية في حوض البحر المتوسط.

وتكمن أهمية ذلك الكهف في الاكتشافات التي عثرت عليها البعثات الاستكشافية بداخله منذ اكتشافه عام 1948 ومن بينها بقايا هياكل عظمية تعود إلى إنسان العصر الحجري بحسب العلماء.

ومن ضمن الآثار التي تعرف بها سوسة هو سورها الخارجي الذي بني في العصر "الهيليني" وأعيد ترميمه في العصر الروماني. ومن معالمها الباقية، الجزء المحصن من المدينة أي "الأكروبوليس" والكنيسة ذات الحنية الثلاثية التصميم الموجودة خارج أسوار المدينة. 

كما توجد بها الحمامات المجاورة لبقايا قصر الحاكم في القرن السادس الميلادي الذي يحتوي على 100 حجرة، وظل مستخدماً حتى العصر البيزنطي، و استعمله قبل ذلك الرومان كمقر قيادة عسكري لهم.

كما يوجد مسرح أبولونيا الإغريقي قرب الشاطئ، خارج أسوار المدينة القديمة. وبقايا حمام المدينة، كما توجد بها ثلاث كنائس أثرية تعود للعصر البيزنطي.

آثار تحت البحر

ويلفت لحلافي إلى أن من بين الآثار الموجودة في مدينة سوسة تلك المواقع المغمورة تحت البحر، والتي يرجع الخبراء سبب وجودها تحت المياه لارتفاع مستوى سطح البحر مقارنة بالطبقات الأرضية للمدينة القديمة، ما أدى إلى غمر الآثار كلياً بالمياه عبر الزمن.

ويرجع بعض الخبراء ظاهرة الآثار الموجودة تحت سطح البحر إلى أسباب أخرى  كالزلزال الذي ضرب جزيرة كريت سنة 365 ميلادية، مما تسبب في أن تغمر مياه البحر أجزاء من ساحل المدينة ومنطقة الميناء.

ويختتم لحلافي بالقول إن سوسة تحظى بأهمية خاصة في ذاكرة الليبيين إبان الاحتلال الإيطالي حيث سجن فيها قائد المقاومة الليبية عمر المختار، ومن مينائها نقل على ظهر سفينة إلى مدينة بنغازي ثم إلى بلدة "سلوق" التي أعدم فيها. 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

مدينة الجزائر العاصمة
جنب من مدينة الجزائر العاصمة عام 1957

في مثل هذا اليوم (24 يونيو) من عام 1830 وقعت معركة "سيدي خالف" بين القوات الفرنسية والقوات المدافعة عن الجزائر العاصمة والتي حاولت منع الفرنسيين من التقدم نحو "دار السلطان".

وتعد تلك المعركة الثالثة من نوعها بعد إنزال الأسطول الفرنسي في سواحل سطاولي (غرب الجزائر) في 14 يونيو 1830 والذي كان مقدمة للاحتلال الذي بدأ في 5 يوليو من نفس السنة إثر استسلام الداي حسين وسقوط العاصمة بيد الفرنسيين.

"استيلاء تدريجي"

في حديثه عن الظروف التي سبقت تلك المعركة، يقول الباحث في تاريخ الجزائر بجامعة إكستر البريطانية، حسني قيطوني، إن الفرنسيين "كانوا قد أعدوا خططهم بإحكام للاستيلاء التدريجي على أهم معاقل المقاومة التي كانت تفتقد للتنظيم التسلسلي في القيادة".

وتبعا لذلك "لم تعرف المقاومة الشعبية جهودا موحدة، رغم توافد المدافعين عن العاصمة من بايلك الشرق والغرب والوسط ومن دار السلطان التي كانت تعتبر القلعة الحصينة والمقر الرئيسي للداي حسين بقلب العاصمة"، يضيف قيطوني في حديث مع "أصوات مغاربية"، مشيرا إلى أن "سقوط دار السلطان كان يعني سقوط الجزائر واستسلامها".

وعن تفاصيل المعركة، يوضح قيطوني أن "المواجهة بدأت يوم 24 يونيو 1830 في منطقة سيدي خالف المسماة حاليا بالشراقة، بين المقاومة الشعبية والجنود الانكشاريين التابعين للداي من جهة والجيش الفرنسي برئاسة قائد الحملة الفرنسية على الجزائر المارشال لويس دي بورمن، من جهة ثانية" مردفا أنه "رغم خسائرهم تمكن الفرنسيون من الزحف والانتصار في هذه المعركة بالتقدم نحو دار السلطان".

"أخطاء عسكرية"

من جانبه، وفي حديثه عن أسباب هزيمة القوات المدافعة عن الجزائر العاصمة، يقول أستاذ التاريخ الجزائري، عباس كحول إن ذلك كان "نتيجة تراكمات من الأخطاء العسكرية"، وبينها "عدم مواجهة القوات الفرنسية وتأجيل ذلك إلى غاية نزولها برا بسيدي فرج، وقرار الداي حسين عزل القائد المتمرس الأغا يحيى وتعويضه بصهره إبراهيم آغا الذي كان يفتقد للخبرة العسكرية، ثم تهميش دور المقاومين الجزائريين والقوات التي جاءت لتدعم المعارك".

ويضيف كحول في حديث مع "أصوات مغاربية" أن "هذه الأخطاء ساهمت في إضعاف القوات المكلفة بالدفاع عن الجزائر العاصمة في ثلاث معارك على الأقل، وزادت من حجم الخسائر، وعززت مواقع تقدم القوات الاستعمارية التي كانت تجتاح حصون العاصمة الواحد تلو الآخر". 

ويتابع المتحدث ذاته موضحا أن "الداي حسين حاول تدارك الخطأ الذي وقع فيه بتعيين صهره قائدا لقوات الدفاع عن العاصمة، وعين خلال تلك الفترة من المعارك العالم محمد بن محمود المعروف بابن العنابي للقيادة الروحية للمقاومة الشعبية، إلا أن الوقت كان متأخرا جدا عن تدارك الهزيمة التي سمحت للفرنسيين بالاقتراب أكثر من دار السلطان".

  • المصدر: أصوات مغاربية