العقيد الطاهر زبيري
العقيد الطاهر زبيري بعد الاستقلال في العاصمة الجزائر (سبتمبر 1962) للقاء رفقاء السلاح

زار وزير المجاهدين وذوي الحقوق (قدامي المحاربين الجزائريين) العيد ربيقة مرفوقا بالمقاومة الشهيرة جميلة بوباشا، هذا الأسبوع، العقيد الطاهر زبيري، الذي يرقد في بيته مريضا، وفق ما جاء في بيان للوزارة، وحظيت هذه الزيارة بتغطية إعلامية لافتة.

وتعود أسباب الالتفاتة الإعلامية "اللافتة" لهذه الزيارة الوزارية إلى شخصية العقيد زبيري نفسه، فزبيري ليس كأي رجل آخر في الجزائر، لقد جمع هذا الرجل متناقضات لا حصر لها في مسيرته، أوّلها أنه بدأ ثوريا وانتهى انقلابيا..

فرّ زبيري في حياته مرتين في موقفين متناقضين؛ أحدهما من سجن المستعمر الفرنسي والآخر من نظام بلده.. وهذا ثاني تناقض..

كان محظيّا محبوبا من طرف رئيس ثم بات مكروها ومطاردا من طرف هذا الرئيس نفسه، وهذا تناقض ثالث..

نفّذ انقلابين متناقضين في حياته أحدهما ناجح والآخر فاشل وهذا رابع تناقض.. ثم انتهى في آخر حياته مقرّبا مكرّما بالمناصب والأوسمة من رئيسين آخرين، وذا خامس تناقض.. فما قصة "صاحب الانقلابيْن، أبي المتناقضات هذا"، البالغ اليوم 94 عاما؟

مولد في ليل الاستعمار

ولد الطاهر زبيري في 4 أبريل 1929 في منطقة وادي كبرية بدوّار السوابع بولاية سوق أهراس، أقصى شرقي الجزائر، غير بعيد عن الحدود التونسية.

رأى زبيري النور وليل الاستعمار حينها لا يزال يغشى الجزائر، عاش طفولة بائسة بلا تعليم كاف، وكغيره من الغيورين على وطنهم انخرط في بواكير شبابه في صفوف الحركة الوطنية، التي كانت ترفع مطالب الاستقلال عن فرنسا.

ففي الأربعينيات انضم إلى "حركة الانتصار للحريات الديمقراطية"، ثم انتقل إلى "المنظمة الخاصة" سنة 1947، وهي اليد الخفيّة التي كانت تحضّر لتفجير ثورة نوفمبر 1954، وضمت أسماء بارزة مثل ديدوش مراد والحسين آيت أحمد ومحمد بلوزداد.

قبل اندلاع الثورة رابط زبيري ورفاقه في منطقة الونزة، غير بعيد عن مسقط رأسه في سوق أهراس، وانتظروا الأمر ليلة فاتح نوفمبر لتفجير الثورة، ومن هناك بدأت قصته مقاوما بالسلاح.

السجن.. "محطة ذهبية للقاء أب الثورة"

في العام 1955 شارك في معركة "جبل أحمد"، التي سقط فيها أسيرا وزُجّ به في سجن الكُدْية الشهير بقسنطينة شرقي الجزائر، وكان السجن "محطّة ذهبية" بالنسبة له، ففيه التقى "أب الثورة" الجزائرية مصطفى بن بولعيد، بعدما كان يسمع عنه فقط.

لا بن بولعيد ولا زبيري ولا غيرهما من المقاومين استسلموا للأسر، فقرروا الهروب وخططوا له جيدا وبعد أشهر كان "الفرار الكبير" قد نُفذ، وعاد الجميع إلى جبال الجزائر.. مكانهم الطبيعي لمواصلة الثورة.

افترق الجميع حتى لا يقعوا في الأسر مرة ثانية، فنُقل زبيري إلى شرق البلاد بمحاذاة تونس، وفي العام 1960 عينته قيادة الثورة قائدا للناحية العسكرية الأولى معقل الثورة التحريرية "الأوراس".

هيّأت هذه المهمة الكبيرة زبيري لأن يضطلع بمناصب كبيرة بعد استقلال البلاد في 1962، ففي العام 1963 عُيّن قائدا للأكاديمية العسكرية لمختلف الأسلحة، أكبر مدرسة عسكرية في الجزائر ولاتزال إلى اليوم، ثم عين قائدا للناحية العسكرية الخامسة بقسنطينة.

مناصب كبيرة.. والانقلاب الأوّل

في مارس 1964 بات زبيري قائدا لأركان الجيش الوطني الشعبي، وستكون هذه المحطة بداية أول انقلاب كبير في حياته، في انتظار الانقلاب المدمّر الثاني.

كان زبيري مقربا جدا من الرجل القوي في الدولة حينها، وزير الدفاع الوطني العقيد هواري بومدين (سيصبح رئيسا للبلاد فيما بعد).

خطط بومدين للانقلاب على الرئيس أحمد بن بلة، وتم التنفيذ في 19 يونيو 1965، وكان زبيري المكلّف بتنفيذ الانقلاب وخصوصا المرحلة الحساسة منه وهي التوجه إلى بيت الرئيس وإلقاء القبض عليه وإخباره بأنه لم يعد رئيسا.

وعن هذا الموقف يقول زبيري في مذكراته "وصلنا إلى الطابق الخامس ودقت ساعة الحسم، فتقدمت من غرفة نوم الرئيس وطرقت بابه بثقة.. قلت له بحزم: سي أحمد أنت لم تبق رئيسا للجمهورية، وقد تشكل مجلس الثورة، وأنت تمشي معنا في أمان الله".

نفّذ زبيرا مهمته بنجاح كبير وزاد بذلك حظوة لدى الحاكم الجديد للبلاد رئيس مجلس الثورة العقيد هواري بومدين، وجازاه بومدين بأن عينه عضوا في مجلس الثورة (الجهاز الحكومي الجديد).

الخلاف مع بومدين

بدأ التوافق يذبل بين بومدين ورئيس أركان جيشه بسبب ما عرف بقضية "تقريب" الضباط الجزائريين الذين عملوا في الجيش الفرنسي على حساب الضباط الذي عملوا في جيش التحرير الوطني واستئثار بومدين بالقرار السياسي عموما..

لكن بومدين ومن معه كانوا يقولون بأنهم "يستعملون هؤلاء الضباط، المكونين تكوينا عسكريا عصريا في الجيش الفرنسي، لإعادة تكوين جيش وطني عصري وليس جيشا ثوريا كما بدأ"، وهو طرح لم يُقنع زبيري وبعض ضباط جيش التحرير، فخطط للانقلاب على بومدين.

يقول زبيري عن خلافه مع بومدين في مذكراته الصادرة العام 2011 بعنوان "نصف قرن من الكفاح.. مذكرات قائد أركان جزائري"، إن "الزعامة والاستئثار بالكثير من المسؤوليات على حساب مبدإ القيادة الجماعية، كان أحد أسباب أزمتي مع بومدين، التي بلغت مداها في ديسمبر 1967، عندما تحولت إلى مواجهة عسكرية دامية".

الانقلاب المدمّر.. والمطاردة المريرة

في الفاتح نوفمبر 1967 أقدم بومدين إلى إقالة الطاهر زبيري، في اليوم الذي غاب فيه الأخير عن حضور الاحتفالات الرسمية بالذكرى 13 لثورة التحرير، وكانت هذه الشرارة البيّنة لحجم الانقسام بين الرجلين.

وفي 14 ديسمبر 1967 انطلقت دبابات زبيري من ثكنات "العفرون" بولاية البليدة غربي العاصمة متجهة نحو قصر الرئاسة في المرادية بالعاصمة ومبان رسمية بينها مبنى وزارة الدفاع ومقر مجلس الثورة (الحكومة)، لكن العيون كانت قد طارت بخبر الانقلاب إلى بومدين، فقضى على الدبابات بالطائرات وهي لم تتجاوز بعد حدود البليدة.

فرّ منفّذ الانقلاب الفاشل عبر الحدود التونسية في مغامرة مجنونة دوّنها في مذكراتها، فكانت تونس منفاه الأول ثم سويسرا وفرنسا، وطورد من طرف رجال بومدين لكنه لم يقع في أيديهم. 

الإعدام.. ثم العفو والمناصب والنياشين

 أقيمت محاكمة عسكرية للانقلابيين في وهران (غرب) في 23 يوليو 1969، وحُكم على الرؤوس بالإعدام حضوريا وغيابيا، وفي مقدمتهم العقيد زبيري.

مات بومدين العام 1979 غاضبا من زبيري، وبعد 11 كاملة من المنفى الاضطراري، عفا الرئيس الشاذلي بن جديد عن العقيد زبيري بمرسوم رئاسي في أكتوبر 1980، ليعود الرجل إلى الجزائر في العام نفسه والتزم الصمت لـ15 عاما، إلى أن جاء الرئيس الجديد اليامين زروال العام 1995.

بداية من العام 1997 أعيد الاعتبار لزبيري، إذ عيّنه زروال سيناتورا في مجلس الأمة، وهو المنصب الذي حافظ عليه حتى عام 1999 عند مجيء الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي مدد له في عهداته حتى العام 2018، ليبقى سيناتور طيلة 21 سنة كاملة.

وفي أكتوبر 2018 قلّده بوتفليقة وسام الاستحقاق الوطني من رتبة "أثير"، وهو تكريم كبير في تقاليد الدولة يمنح لشخصيات قدمت خدمات للبلاد، ويرقد اليوم زبيري في بيته مريضا بعد نهاية عهدته الأخيرة سيناتورا في مجلس الأمة عن الثلث الرئاسي، ويوصف إعلاميا بـ"السناتور المعمّر".

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

قوس صخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا
قوس "افازاجار" الصخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا

تشتهر جبال أكاكوس في أقصى جنوب غرب ليبيا بطبيعتها الصخرية غريبة التكوين وطبيعتها الصحراوية، لكن ما يميزها هو النقوش التي تصور المنطقة في عصور غابرة والتي صنفت كموقع للتراث العالمي.

وتقع جبال أكاكوس أو تدرارت أكاكوس، كما تعرف باللغة المحلية، ضمن نطاق الصحراء الكبرى بالقرب من مدينة "غات" قرب الحدود الفاصلة بين ليبيا والجزائر والنيجر.

متحف مفتوح 

ورغم طبيعتها الصحراوية القاحلة تتوفر منطقة أكاكوس على مناظر طبيعية ساحرة كما توجد بها بعض أنواع النباتات التي تنموا محلياً إضافة إلى حيوانات نادرة يعتبر بعضها مهدد بالانقراض.

لكن ما يميز المنطقة هو التكوينات الرملية والصخرية النادرة بفعل نحت الرياح ما ادى عبر الزمن إلى تشكل أقواس صخرية وأحجار ضخمة بأشكال مختلفة، ومن بينها المواقع الموجودة بمنطقة قوس "افازاجار" وقوس "تن خلجة".

غير أن شهرة جبال "أكاكوس" تتأتى من الرسومات والمنحوتات على الصخور وجدران كهوفها القديمة التي تنقل صورة لما كان عليه ذلك الجزء من الصحراء الكبرى قبل عشرات آلاف السنين.

ونظراً لأهمية التي تعكسها اللوحات والمنحوتات المذكورة، إذ يعود تاريخ بعضها إلى 21 ألف سنة، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) منطقة أكاكوس موقعا للتراث العالمي منذ عام 1985 

حيوانات لم تعد موجودة

وفضلاً عن قيمتها السياحية، يعد العلماء منطقة أكاكوس مكتبة أثرية توثق لظاهرة التغير المناخي والبيئي الذي طرأ على المنطقة عبر العصور. 

ومما يؤشر على ذلك التغيير هو أنواع الحيوانات التي صورها الإنسان القديم على كهوف وصخور المنطقة والتي لا يعيش بعضها إلا في بيئات السافانا والمناطق المتوفرة على المياه.

وتشتمل تلك النقوش على صور لحيوانات ضخمة لم تعد موجودة في بيئة الصحراء الكبرى حالياً ومن بينها الفيلة والزرافات والأحصنة وبعض أنواع الأبقار البرية والنعام وغيرها. 

وبالإضافة للحيوانات وثقت رسومات جبال أكاكوس للإنسان الذي عاش في تلك المنطقة قبل آلاف السنين ورسمته في وضعيات مختلفة يعتقد أنها مرتبطة بالطقوس الدينية أو بالسحر وبالحياة اليومية في منطقة يعتقد العلماء أنها كانت تختلف تماماً عما هي عليه اليوم. 

 

المصدر: أصوات مغاربية