لوحة جدارية لقطار الحديد بين مدينتي الزويرات ونواذيبو -أرشيف
لوحة جدارية لقطار الحديد بين مدينتي الزويرات ونواذيبو -أرشيف

كانت مدينة الزويرات الموريتانية، حاضنة ثروة البلاد من الحديد باعتبارها الثانية من حيث الاحتياطات والإنتاج، شاهدة على ما يعتبره الكثير من الموريتانيين جدار "فصل عنصري" بين السكان والموظفين الفرنسيين في استخراج الحديد آنذاك.

وتعود قصة "الحيط" (الحائط/الجدار) إلى بداية استغلال الحديد في هذا البلد المغاربي، في ثلاثينيات القرن الماضي، عندما اكتشف أول منجم للحديد في مدينة ازويرات بأقصى الشمال الموريتاني وكانت البلاد تحت الاستعمار الفرنسي آنذاك.

وأقامت شركة "MIFERMA / ميفرما" الفرنسية ذلك الجدار ليفصل بين مساكن العاملين في استغلال مناجم الحديد بالمنطقة، وبين بقية أحياء مدينة الزويرات التي كانت آنذاك قبلة للسكان والبدو الرحل الباحثين عن العمل وسبل كسب العيش.

"فصل حقيقي"

ويقول الباحث في التاريخ الموريتاني، إبراهيم ولد السالك، إن هناك روايتين في الذاكرة الموريتانية حول أسباب وجود جدار مدينة الزويرات، لكنهما مجمعتين على وجود "فصل حقيقي" بين السكان الموريتانيين البسطاء، وعمال الشركة الفرنسية "المرفهين".

وأضاف ولد السالك، في حديث مع "أصوات مغاربية"، أن ذلك الجدار، كان "حائلا" بين الأسر المقيمة في مدينة الزويرات ودخول "المنطقة الخضراء" آنذاك، ولا يمكن "دخوله" إلا بإذن من الحراس مع وجود "مبرر".

وذكر أن هناك رواية أخرى بلسان فرنسي تبرر وجود الجدار "بالحماية من الأتربة والغبار"، واستدرك أن ما يفند هذه الرواية، هو "عدم قدرة الجدار الموجود آنذاك أو أي جدار آخر على الحماية من الأتربة والغبار".

وأشار إلى أن إنهاء وجود ذلك "الفصل العنصري" بتأميم شركة "ميفرما" في منتصف سبعينيات القرن الماضي واستبدالها بعملاقة الحديد الموريتانية "اسنيم" كان من النقاط التي حفرت في ذاكرة الموريتانيين ومازالوا "يترحمون" على الرئيس المؤسس المختار ولد داده بسببها.

"نهاية الجدار"

وشكلت مرحلة تأميم الشركة المستغلة والمنتجة للحديد الموريتاني بقرار تلاه الرئيس الأول للبلاد المختار ولد داده أمام البرلمان الموريتاني عام ١٩٧٤، بداية جديدة لطبيعة التعايش في المدينة العمالية وتغيرا جذريا في مستويات معيشة أهلها.

جاء ذلك بعد احتجاجات كبيرة شهدتها المدينة العمالية، بسبب الأجور المنخفضة مقارنة مع رواتب الفرنسيين، ووجود جدار فاصل وضع العمال "الأجانب" في مساكن فاخرة من جهة والعمال الموريتانيين من جهة أخرى.

ويقول نقيب المحامين الموريتانيين السابق محمدن ولد الشدو، في مقال نشرته مواقع محلية حول تلك الأحداث، إن انتفاضة عمال الزويرات اندلعت في مايو سنة 1969 وكان "لها ما بعدها".

وأدت تلك الانتفاضة بحسب المصدر نفسه، إلى إنهاء دور الشركة الفرنسية التي كانت "تمارس أبشع أنواع الاستغلال والقهر والاحتقار ضد العمال"، وتطبق "الفصل العنصري الذي ما زال يشهد عليه ما بقي من الحيط" الذي كان جدارا فاصلا.  

وفي الفترة الحالية، مازال أحد أكبر أحياء المدينة وأقربها لمساكن العمال يحمل اسم "الحيط" وتوجد فيه بقايا الجدار.

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

تكريم الفنان القبائلي المغتال معطوب لوناس في باريس عام 1998

تمرّ الثلاثاء، الذكرى الـ 26 لرحيل الفنان القبائلي ورمز الثقافة الأمازيغية والنضال من أجل الحرية والهوية، معطوب لوناس، الذي راح ضحية عملية "اغتيال غامضة" يوم 25 يونيو 1998 عندما كان عائدا إلى بيته في بني دوالة قرب مدينة تيزي وزو شمال شرق الجزائر. 

يُلقب لوناس بـ"شي غيفارا" الأمازيغ، تشبيهاً له بأيقونة التمرد الأرجنتيني، بسبب جسارته ونضاله المُستميت من أجل حقوق الإنسان والديمقراطية، ما جعله رمزا ملهما للأجيال المتعاقبة من الفنانين الأمازيغ، إذ لم تكن أغانيه مجرد موسيقى، بل كانت صرخة ثقافية ضد التهميش والظلم.

رحل معطوب لوناس جسداً، لكن إرثه النضالي، فكرياً وفنياً، لا يزال حاضراً بقوة. وفي ما يلي فنانون أمازيغ يواصلون مسيرة الرجل النضالية: 

لونيس آيت منقلات

يُعدّ لونيس آيت منقلات من أهمّ رواد الشعر الأمازيغي المُلتزم، حيث اعتبره الروائي الجزائري الشهير كاتب ياسين "أكبر شاعر لدينا، بدون منازع". 

رأى آيت منقلات النور في 17 يناير عام 1950، في قرية تدعى "إيغيل بواماس"، وسط هضاب جرجرة الخلابة بمنطقة تيزي وزو.

وُلد حاملا اسم "عبد النبي"، إلا أن جدته، اتّباعا لرؤيا منام، أصرت على تسميته "لونيس"، اسمٌ لمع فيما بعد وأصبح رمزًا للشعر الأمازيغي الملتزم.

الفنان الملتزم لويس ايت منقلات واحد من أبرز الشعراء الأمازيغ بالجزائر

​​بداياته في الأغنية القبائلية، ترجع إلى سنوات الستينيات، حيث كانت الساحة تعج بأصوات نجوم الشعبي أمثال الحاج امحمد العنقى في العاصمة (الذي يؤدي الأغنية القبائلية كذلك)، والشيخ الحسناوي، وشريف خدام الذي كان بمثابة الأب الروحي لآيت منقلات الشاب.

قدم آيت منقلات أغان سياسية جريئة مثل "أكن يخذع ربي" (الله يخدعكم)، "أكا آمي" (هكذا يا ابني تصبح حاكما)، "أدنوغال" (سنعود)، إلى غير ذلك من الأغاني التي أصبحت إرثا أمازيغيا جزائريا يتوارثه أبناء القبائل جيلا بعد جيل.

يناصر شعر هذا الفنان قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية، ويدافع عن حقوق الإنسان، خاصة حقوق الشعب الأمازيغي.

فاطمة تبعمرانت 

تُعدّ فاطمة تبعمرانت، واسمها الحقيقي فاطمة شاهو، من أبرز أيقونات الفن الأمازيغي في المغرب، إذ تتمتع بتجربة غنية تمتد لأكثر من 40 عاما في فن الروايس، ذلك النوع الموسيقي المُنتشر في جنوب المغرب والذي يعتمد على الشعر الموزون.

كرّست تبعمرانت مسيرتها الفنية للدفاع عن الهوية والثقافة الأمازيغيتين، ونضحت أعمالها بقيم المُقاومة والنضال من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية.

تبعمرانت

في حوار مع "أصوات مغاربية" العام الماضي، قالت إن "علاقة أخوية وصداقة قوية يصعب وصفها" جمعتها بالفنان معطوب لوناس، وأنه "سيظل فنانا استثنائيا في المنطقة لنضاله المستميت من أجل الأمازيغية ومن أجل تامازغا".

خصصت تبعمرانت أغنية " إكس أوزلاي إتفيلت" لرثائه، وحققت الأغنية ناجحا كبيرا، كما كرست أيضا إنتاجاتها الفنية للمطالبة بحقوق الشعب الأمازيغي، والتصدي لمسألة الغلو في الدين وانتقادها للتطرف وتهميش المرأة.

خاضت تبعمرانت تجربة قصيرة في المجال السياسي، إذ كانت أول نائبة برلمانية تطرح سؤالا باللغة الأمازيغية بالبرلمان المغربي عام 2012.

خالد إزري 

خالد إزري- واسمه الحقيقي خالد يشو - من أبرز الأصوات المعاصرة في الموسيقى الأمازيغية، وخصوصاً موسيقى الريف (شمال المغرب).

 وُلد في عام 1969 بمدينة مليلية الخاضعة للحكم الإسباني والمحاذية لمنطقة الريف، وترعرع في كنف عائلة موسيقية عريقة، حيث اكتشف موهبته الموسيقية منذ سن مبكرة، وتعلم العزف على العديد من الآلات الموسيقية.

بدأ مسيرته الفنية في أواخر الثمانينيات، وسرعان ما جذب الانتباه بأسلوبه الفريد الذي يمزج بين أصالة موسيقى الريف الأمازيغي وإيقاعات الحداثة.

تتميز أغاني إزري بتناولها العميق لقضايا الحرية والهوية الأمازيغية، حيث يعبر من خلالها عن معاناة وتطلعات الشعب الأمازيغي، وحققت أغانيه شهرة واسعة بين أمازيغ شمال أفريقيا، وشارك في العديد من المهرجانات الموسيقية الدولية في أوروبا والولايات المتحدة.

انطلق نجم خالد إزري مع إصداره لأول شريط له بعنوان "تاموات إنو"، الذي لاقى رواجا كبيرا وفتح له أبواب الشهرة، ولم يتوقف إبداعه عند هذا الحد، بل واصل مسيرته المُتميّزة بإصدار شريطه الثاني "إزري إينو" عام 1990.

عبد الله عشيني

يوصف الفنان الليبي عبد الله عشيني بـ"أب الأغنية الأمازيغية العصرية في ليبيا"، كما يعد أيضا واحد من أبرز الفنانين الذين تعرضوا للقمع والاعتقال في عهد نظام معمر القذافي بسبب أغانيه التي دافع فيها عن الهوية والثقافة الأمازيغيتين.

ولد عشيني في مدينة الزوارة (شمال غرب) في 30 يوليو عام 1956 وبها ترعرع وبرزت موهبته في العزف والغناء ليؤسس في بدايات سبعينيات القرن الماضي فرقة "إمزوارن" (الأوائل) التي غنت بالأمازيغية وعن هموم الأمازيغ في تحد لنظام القذافي.

عبد الله عشيني. المصدر: شبكات التواصل الاجتماعي

وبسبب ذلك، اعتقل أكثر من مرة وسحب جواز سفره وأجبر على كتابة تعهد بعدم الحديث أو الغناء بالأمازيغية، لكنه واصل مع ذلك النضال ضد محاولات القذافي طمس وتهميش أمازيغ بلاده.

في حوار مع "أصوات مغاربية"، في يوليو الماضي، قال إن "الأمازيغية توحد الشعوب المغاربية وتشعرهم بفخر الانتماء إلى المنطقة، فالأمازيغي في ليبيا يحس إحساسا صادقا بأن المغربي أو الجزائري أخوه، ويحس الأمازيغي في الجزائر وفي المغرب بأنهما أخوة". 

سجّل هذا الفنان الليبي شريطه الشهير "ئدرفان" (الأحرار) في خضمّ ثورة 17 فبراير الليبية، التي سعت لإسقاط نظام العقيد معمر القذافي، ما جعلها واحدة من أبرز الإنتاجات الأمازيغية في 2011.

المصدر: أصوات مغاربية