أهليل قورارة. المصدر: منظمة اليونسكو
أهليل قورارة. المصدر: منظمة اليونسكو

شكل اعتراف اليونسكو بفن أهليل قورارة الجزائري ضمن التراث العالمي غير المادي عام 2008، حدثا مفصليا في تاريخ هذا الفن العريق، المهدد بالاندثار.

وتقول المصادر التاريخية إن أمازيغ الجزائر عرفوا "أهليل" قبل دخول الإسلام إلى البلاد، وكانوا يسمونه "أزنون"، وتشير أيضا إلى أنه تميز خلال تلك الفترة بالجرأة في الغزل وفي تناول بعض المواضيع الاجتماعية، قبل أن يصير بعد دخول الإسلام فنا صوفيا يمدح الرسول وصحابته.

وينتشر فن أهليل في منطقة قورارة الواقعة بولاية أدرار جنوب غرب الجزائر العاصمة، المنطقة التي استقرت بها العديد من القبائل الزناتية الأمازيغية وإليها يرجع الفضل في صيانة هذا الفن مع مرور العصور.


لماذا سمي بأهليل؟

"يرى البعض أن هذه التسمية مشتقة من +أهل الليل+ باعتبار أن هذا الغناء يؤدى في الليل، بينما ربطها البعض الآخر بالهلال، ويذهب آخرون إلى أن الكلمة جاءت من التهليل لله ومن عبارة لا إله إلا الله"، توضح الباحثة الجزائرية هاجر حمداوي، في مقال بعنوان "التنوع الثقافي التراثي في الجزائر تثبيت للهوية وحفظ للذاكرة من الضياع".

في تعريفه بقائمة اليونسكو للتراث العالمي غير المادي، يؤدى أهليل في الاحتفالات الدينية وأيضا في بعض المناسبات الاجتماعية كالأعراس، ويتضمن هذا الفن "الشعر والموسيقى والرقص"، ويشارك في الأداء نحو مائة شخص "يقفون كتفا بكتف في دائرة تحيط بالمغني ويتحركون ببطء حوله وهم يصفقون".

وعن تلك الأشعار، يشرح الأستاذ بجامعة الجزائر، نبيل الحويلي، في مقال بعنون "أهازيج القورارة جمالية البلاغة وسؤال الهوية"، خصائص فن أهليل، بالقول إنه "مثل مجموعة من الفنون المجتمعة، فهو أدب وموسيقى وحفل راقص واحتفال بهيج، (...) يرتدي المشاركون لباسا خاصا بالتظاهرة، فالرجال كانوا يرتدون لباسا يسمى +تشامير+ وهو عبارة عن بدلة طويلة، وحايك من الصوف يبلغ طوله 8 أمتار ومنديل بالأخضر والأحمر، بينما ترتدي النساء المشاركات حايك يدعى +تافيلاليث+ وقميصا طويلا يسمى +أغرمبوز+".

ويضيف الحويلي أنه غالبا ما يتم الاستغناء عن الأضواء والأنوار في المناسبات التي تعرف حضور النساء لكي لا تظهر وجوهن لجمهور أهليل، مفيدا بأن حفلات هذا الفن تنطلق في الحادية عشر ليلا بافتتاحية عبارة عن الصلاة على النبي محمد وبعدها تأتي أهازيج صوفية تستمر إلى غاية الفجر.


ومن أشعار أهليل، ما أورده الكاتب والناشط الأمازيغي مولود معمري (1917-1989)، الذي اندلعت بسببه أحداث "الربيع الأمازيغي" بالجزائر عام 1980، في بحثه المرجعي حول أهليل بعنوان "أهليل قورارة"، وهي كالتالي:
الصلاة والسلام عليك يا سيدي
محمد نبينا
بسم الله أقولها مرات عدة
لا إله إلا الله ربي
سبحانه
إنه الحي الذي لا يموت
 لم يخلق شيئا ليدوم
إلا هو المعز المحبوب

وقسّم معمري طقوس تأدية فن أهليل إلى ثلاث مراحل، تُسمى الأولى "المسرب"، وتنطلق مع غروب الشمس إلى منتصف اللّيل، وتتناول "المسرب" أشعارا تتغنى بالذات الإلهية وبالرسول محمد وصحابته، وتسمى الثانية بـ"أوقروت"، نسبة إلى الواحة قورارة، وتنطلق من منتصف الليل إلى الفجر، وتتغنى أشعارها بالبطولات والأمجاد، ثم مرحلة ثالثة تسمى "تيترا"، وتبدأ من الفجر إلى شروق الشمس ويغلب عليها التفاؤل والاستبشار، وفق مقال للإعلامي الجزائري عبد الرزاق بوكبة.

مهدد بالاندثار

رغم تصنيفه كتراث عالمي غير مادي عام 2008، حذرت اليونسكو من احتمال اندثار هذا الفن، ووضعته ضمن الفنون المهددة بسبب قلة المواسم والمناسبات التي يؤدى فيها وهجرة شباب واحات قوارة إلى المدن وتفضيل البعض الاستماع لتسجيلاته بدل المشاركة في عروض حية له.

المصدر: أصوات مغاربية
 

مواضيع ذات صلة

الرئيس الأسبق أحمد بن بلة (يسار) رفقة العقيد هواري بومدين
الرئيس الأسبق أحمد بن بلة (يسار) رفقة العقيد هواري بومدين

في مثل هذا اليوم (19 يونيو) من عام 1965، شهدت الجزائر انقلاباً عسكرياً أطاح بنظام الرئيس أحمد بن بلة، أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال، والذي تولى السلطة في 15 أكتوبر 1963. 

ومنذ السنوات الأولى للاستقلال، خضعت المنطقة المغاربية لموجة من التغييرات السياسية، اتّخذ بعضها شكل انقلابات عسكرية دامية، بينما سلك البعض الآخر مسارا أكثر سلمية.

وقد استمرت الانقلابات بالمنطقة حتى عام 2008، حيث جرى آخر انقلاب غير دموي على أول رئيس مدني في تاريخ موريتانيا الحديث.

وفي ما يلي أبرز الانقلابات غير الدموية: 

انقلاب بعنوان "التصحيح الثوري"

نجح وزير الدفاع بحكومة الاستقلال ونائب رئيس المجلس الثوري هواري بومدين في إقناع كبار قادة أركان الجيش بضرورة تنحية أحمد بن بلة (1916-2012)، بعد شهر من التحضيرات الدقيقة.

تولى الطاهر زبيري، قائد الأركان، أمر اعتقال بن بلة في ليلة 18 إلى 19 يونيو 1965، فأعلن بومدين الانقلاب غير الدموي على موجات الراديو والتلفزيون، مبررا ذلك بـ "خروج" الرئيس عن نهج الثورة واستئثاره بالسلطة.

وجرى الانقلاب على بعد أيام قليلة من انعقاد المؤتمر الثاني لحركة عدم الانحياز في الجزائر.

تولّى بومدين الحكم بعد الانقلاب، لكنه تعرّض أيضا لمحاولة انقلابية خطط لها ونفذها قائد أركان الجيش الطاهر زبيري، وكانت في ديسمبر 1967.

فشل انقلاب زبيري واضطر للهرب خارج البلاد وبقي 13 سنة، ولم يعد إلا بعد وفاة الرئيس بومدين في 1978.

انقلاب بن علي "الدستوري" 

في السابع من نوفمبر 1987، شهدت تونس انقلابا غير دموي أطاح بنظام الرئيس الحبيب بورقيبة، ليُصبح زين العابدين بن علي رئيسا للبلاد إلى عام 2011.

حكم بورقيبة تونس منذ الاستقلال عام 1956، أي ما يقارب 31 عاما، وهي فترة تعرض فيها لانقلاب آخر فاشل تزعمه المقاوم الأزهر الشرايطي، وشارك فيها ضابط بالحرس الوطني.

لكن انقلاب بن علي ضد بورقيبة عام 1987 كان مختلفا عن محاولة الانقلاب الفاشلة لعام 1962 بقيادة الشرايطي، وذلك لعدة أسباب، أبرزها أن بورقيبة كان يبلغ من العمر 87 عاما، ما أثار تساؤلات حول قدرته على الاستمرار في الحكم.

وقد استند بن علي إلى الفصل 57 من الدستور التونسي، الذي ينص على تولي رئيس الوزراء رئاسة الجمهورية في حال عجز أو وفاة الرئيس، لتبرير انقلابه.

الانقلاب ضد معاوية في الجو

بينما اتسمت الانقلابات في دول مغاربية - مثل انقلاب الصخيرات ضد الملك الحسن الثاني في المغرب عام 1971 وانقلاب العقيد معمر القذافي على الملكية في ليبيا عام 1969- بكثرة الضحايا وسفك الدماء، تميزت الانقلابات في موريتانيا بكونها الأقل دموية في المنطقة، رغم أنها رائدة الانقلابات مغاربيا بما لا يقل عن 10 انقلابات.

وقد بدأت الانقلابات العسكرية في موريتانيا عام 1978، عندما أنهى العسكر حكم الرئيس وأب الأمة، المختار ولد داداه، ثم توالت الانقلابات إلى عام 2008.

ويعد أشهر انقلاب موريتاني هو انقلاب الثالث من أغسطس 2005، حينما خرج الرئيس الموريتاني الأسبق، معاوية ولد سيد أحمد الطايع، جواً من موريتانيا نحو السعودية ولم يعد. 

هبطت طائرة معاوية بالأراضي السعودية للمشاركة في تشييع العاهل الراحل، فهد بن عبد العزيز. وعندما حاول الرجوع، أغلق رفاقه في السلاح وفي انقلابات سابقة - وبالتحديد مدير أمنه - الأجواء في وجهه، فحطّت به الطائرة الرئاسية في النيجر في الثالث من أغسطس 2005.

وأطاح العقيد، اعلي ولد محمد فال (1952 -2017) بمعاوية، ثم قام بتشكيل مجلس عسكري تولى مهمة تسيير شؤون الدولة في مرحلة انتقالية قبل تسليم السلطة لحكومة منتخبة في 2007.

وحكم ولد الطايع البلاد لمدة 21 سنة، من 1984 إلى أغسطس 2005، نجا خلالها من محاولتين انقلابيتين "فاشلتين" في عامي 2003 و2004.

آخر انقلاب مغاربي

في 2008، تأزمت علاقات الرئيس حينها، سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، بكل من قائد أركان الحرس الرئاسي محمد ولد عبد العزيز (الرئيس السابق) وقائد أركان الجيش محمد ولد الغزواني (الرئيس الحالي)، فقرر إقالتهما من منصبيهما.

وفي السادس من أغسطس 2008، قام الجنرالان على الفور بالانقلاب على أول رئيس مدني في تاريخ البلاد، وتشكيل "مجلس الدولة"، الذي سيصبح بوابة الجنرالين نحو كرسي الرئاسة.

بعد الانقلاب، نُقل ولد الشيخ من نواكشوط إلى قريته لمدن في الـ 13 من نوفمبر 2008، وفرضت عليه الإقامة الجبرية، إلى أن تم التوصل إلى اتفاق بالعاصمة السنغالية دكار سمح له بإعلان استقالته في الـ 27 من يونيو 2009 مقابل نيل حريته.

اعتزل ولد الشيخ عبد الله الرئاسة منذ ذلك الحين، ولم يظهر قيد حياته إلا في مناسبات قليلة، كان آخرها رسالة تهنئة إلى الرئيس الموريتاني، محمد ولد الغزواني، بمناسبة توليه الرئاسة صيف 2019.

 

المصدر: أصوات مغاربية