جنود فرنسيون يعتقلون جزائريين إبان ثورة التحرير
جنود فرنسيون يعتقلون جزائريين إبان ثورة التحرير- أرشيف

في يوم الثامن من ماي من كل سنة يتذكر الجزائريون الأحداث التي وقعت في نفس التاريخ من عام 1945، حين واجهت قوات فرنسا الاستعمارية المظاهرات السلمية التي شهدتها البلاد للمطالبة بحق تقرير المصير بقمع شديد ومجازر راح ضحيتها أزيد من 45 ألف شخص، وفق تقديرات جزائرية.

وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد أقر تخليد ذكرى تلك الأحداث في عام 2020، وصدر لاحقا مرسومها في الجريدة الرسمية "عرفانا للتضحيات الجسام التي قدمها الشعب الجزائري في مجازر 8 مايو 1945 وخلال اندلاع الثورة التحريرية في الفاتح من  نوفمبر 1954".

في مثل هذا اليوم 8 مايو 1945، خروج مجموعة من الجزائريين احتفالا بإنتصار الحلفاء ومطالبين باستقلال الجزائر، الأمر الذي...

Posted by ‎نايل الشافعي‎ on Monday, May 8, 2023

وعلى المنصات الاجتماعية، خلد جزائريون الذكرى الـ78 لتلك الأحداث الأليمة التي راح ضحيتها آلاف الجزائريين وذلك في أعقاب مظاهرات طالبوا خلالها فرنسا بتحقيق وعدها بشأن تمكينهم من حق تقرير المصير. 

في ذكرى 8 ماي 1945 الأليمة التي استشهد خلالها في ظرف أيام 45000 شهيد . أترحّم على شهدائنا الأبرار.. وتحيّة لروح أبي...

Posted by ‎أحلام مستغانمي‎ on Monday, May 8, 2023

ويرى مؤرخون أن تلك الأحداث كانت محطة حاسمة في مسار تحول نضال الحركة الوطنية بالجزائر من التظاهر السلمي إلى الثورة المسلحة التي اندلعت في فاتح نوفمبر 1945.

ننضم اليوم إلى الشعب الجزائري وهو يتذكر ويترحم على الشهداء الذين قاتلوا بشجاعة من أجل وطنهم ، 8 ماي 1945 هو أحد الأيام...

Posted by U.S. Embassy Algiers on Monday, May 8, 2023

"وعد تقرير المصير"

في سرده لخلفيات مظاهرات 8 ماي 1945 وما أعقبها، يقول المؤرخ الجزائري، بن يوسف تلمساني، إن ذلك التاريخ "كان اليوم المتفق عليه للاحتفال بهزيمة النازية ووقف إطلاق النار" وهي الاحتفالات التي شملت حتى الجزائريين المتحمسين للاستقلال "بناء على الشعارات التي رفعها الحلفاء منذ 1941 الداعية إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها".

ويتابع تلمساني مستحضرا في السياق نفسه "اتصال نخبة من الحركة الوطنية التي ترأسها السياسي، فرحات عباس، بممثلين عن قيادة قوات الحلفاء الذين نزلوا للسواحل الجزائرية في 8 نوفمبر 1942، حيث سلمهم مذكرة بمطالب الجزائريين الداعية لتقرير المصير" مذكرا بـ"المشاركة الإيجابية لشباب جزائريين في الحرب العالمية الثانية ضد النازية".

ويوضح المتحدث ذاته في السياق أن "وعي الشعب الجزائري عرف تطورا بعد انتصار الحلفاء علي النازية، وأثار النصر حماسهم"، مشيرا إلى أن "تأسيس حركة أحباب البيان والحرية بقيادة فرحات عباس، في مارس 1944، كان مقدمة لترسيم مطالب عالية السقف".

"مجازر تواصلت لأيام"

تبعا لذلك، وفي يوم 8 ماي 1945، خرج آلاف الجزائريين احتفالا بنصر الحلفاء على القوات الألمانية، ويقول أستاذ التاريخ بجامعة الشلف غرب الجزائر، محمد بن ترار، إن تلك المظاهرات كانت "امتدادا للوعود التي قطعتها السلطات الفرنسية في خطابات قادتها بالنظر في مطالبهم بعد تحرير باريس من النازية ونهاية الحرب العالمية التي شارك فيها أبناء الجزائريين إلى جانب الفرنسيين بقوة".

ويشير بن ترار في حديثه لـ"أصوات مغاربية"إلى  أن تلك المظاهرات تزامنت مع يوم السوق الأسبوعي في عدة مدن بخراطة وسطيف وقالمة بالشرق الجزائري، حيث تتوافد أعداد كبيرة من المتسوقين وسكان المداشر والقرى للمدن.

ويتابع المتحدث مبرزا أن "صدامات وقعت بين المتظاهرين الذين رفعوا مطالب سلمية بالحرية والاستقلال، مع الفرنسيين بتحريض من المعمريين، وهم المدنيين الفرنسيين والأوروبيين الذين منحتهم الإدارة الاستعمارية أملاك الجزائريين وأراضيهم واستقروا في البلاد".

وبحسب المتحدث ذاته فقد عرفت المظاهرات في بدايتها "هدوء حذرا"، غير أن "استفزازات المعمرين وتحريضهم الجنود الفرنسيين الذين كانوا في حالة تأهب دفعت نحو الصدام الذي تحول إلى مجزرة"، موضحا أن "سقوط أول متظاهر كان إشارة لبدء مجازر تواصلت لأيام في كل المدن خصوصا شرق الجزائر".

"التفكير في الكفاح المسلح"

وعن تداعيات تلك الأحداث، يقول تلمساني، إنها "كانت ثقيلة، ولكنها لم تكن في صالح الفرنسيين بعد ذلك"، معتبرا أن رسالتها "كانت أقوى من كافة الخطابات السياسية للأحزاب والنخب الجزائرية ودفعت المناضلين للتفكير في الكفاح المسلح".

"قدر الطرف الجزائري حصيلة تلك المجازر بنحو 45 ألف ضحية" يقول تلمساني مستدركا بأن "مصادر غربية وأميركية على وجه الخصوص رأت أنها تجاوزت الرقم المتداول".

وفي الجانب الفرنسي، يقول إن "أرقام الضحايا تباينت من 100 ضحية إلى 3 آلاف ثم 6 آلاف معظمهم من الفرنسيين والمعمرين"، ويفسر المؤرخ الجزائري اختلاف الأرقام بكون "الفرنسيين تعمدوا تعدد الروايات للتشويش على التقديرات الجزائرية والتقارير الغربية والأميركية الأخرى".

من جهة أخرى، يؤكد المتحدث أن "مجازر 8 ماي 1945 دفعت القيادات الشابة في الحركة الوطنية أمثال محمد بلوزداد ومحمد بوضياف والعربي بن مهيدي، وزيغود يوسف وغيرهم إلى الاقتناع بشكل لا رجعة فيه بأن الثورة ضد الاستعمار الفرنسي هي السبيل الوحيد للاستقلال".

ويشير تلمساني في السياق إلى "إنشاء المنظمة الخاصة بقيادة محمد بلوزداد عام 1947 وهي تنظيم شبه عسكري، اكتشف أمره من قبل الفرنسيين سنة 1950، واعتقل معظم قيادييه، قبل أن يتم تأسيس منظمة الوحدة والعمل والتحضير لاجتماع مجموعة 22 في يونيو 1954، والتخطيط للثورة، ثم اندلاعها في 1 نوفمبر 1954".

  • المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

مدينة الجزائر العاصمة
جنب من مدينة الجزائر العاصمة عام 1957

في مثل هذا اليوم (24 يونيو) من عام 1830 وقعت معركة "سيدي خالف" بين القوات الفرنسية والقوات المدافعة عن الجزائر العاصمة والتي حاولت منع الفرنسيين من التقدم نحو "دار السلطان".

وتعد تلك المعركة الثالثة من نوعها بعد إنزال الأسطول الفرنسي في سواحل سطاولي (غرب الجزائر) في 14 يونيو 1830 والذي كان مقدمة للاحتلال الذي بدأ في 5 يوليو من نفس السنة إثر استسلام الداي حسين وسقوط العاصمة بيد الفرنسيين.

"استيلاء تدريجي"

في حديثه عن الظروف التي سبقت تلك المعركة، يقول الباحث في تاريخ الجزائر بجامعة إكستر البريطانية، حسني قيطوني، إن الفرنسيين "كانوا قد أعدوا خططهم بإحكام للاستيلاء التدريجي على أهم معاقل المقاومة التي كانت تفتقد للتنظيم التسلسلي في القيادة".

وتبعا لذلك "لم تعرف المقاومة الشعبية جهودا موحدة، رغم توافد المدافعين عن العاصمة من بايلك الشرق والغرب والوسط ومن دار السلطان التي كانت تعتبر القلعة الحصينة والمقر الرئيسي للداي حسين بقلب العاصمة"، يضيف قيطوني في حديث مع "أصوات مغاربية"، مشيرا إلى أن "سقوط دار السلطان كان يعني سقوط الجزائر واستسلامها".

وعن تفاصيل المعركة، يوضح قيطوني أن "المواجهة بدأت يوم 24 يونيو 1830 في منطقة سيدي خالف المسماة حاليا بالشراقة، بين المقاومة الشعبية والجنود الانكشاريين التابعين للداي من جهة والجيش الفرنسي برئاسة قائد الحملة الفرنسية على الجزائر المارشال لويس دي بورمن، من جهة ثانية" مردفا أنه "رغم خسائرهم تمكن الفرنسيون من الزحف والانتصار في هذه المعركة بالتقدم نحو دار السلطان".

"أخطاء عسكرية"

من جانبه، وفي حديثه عن أسباب هزيمة القوات المدافعة عن الجزائر العاصمة، يقول أستاذ التاريخ الجزائري، عباس كحول إن ذلك كان "نتيجة تراكمات من الأخطاء العسكرية"، وبينها "عدم مواجهة القوات الفرنسية وتأجيل ذلك إلى غاية نزولها برا بسيدي فرج، وقرار الداي حسين عزل القائد المتمرس الأغا يحيى وتعويضه بصهره إبراهيم آغا الذي كان يفتقد للخبرة العسكرية، ثم تهميش دور المقاومين الجزائريين والقوات التي جاءت لتدعم المعارك".

ويضيف كحول في حديث مع "أصوات مغاربية" أن "هذه الأخطاء ساهمت في إضعاف القوات المكلفة بالدفاع عن الجزائر العاصمة في ثلاث معارك على الأقل، وزادت من حجم الخسائر، وعززت مواقع تقدم القوات الاستعمارية التي كانت تجتاح حصون العاصمة الواحد تلو الآخر". 

ويتابع المتحدث ذاته موضحا أن "الداي حسين حاول تدارك الخطأ الذي وقع فيه بتعيين صهره قائدا لقوات الدفاع عن العاصمة، وعين خلال تلك الفترة من المعارك العالم محمد بن محمود المعروف بابن العنابي للقيادة الروحية للمقاومة الشعبية، إلا أن الوقت كان متأخرا جدا عن تدارك الهزيمة التي سمحت للفرنسيين بالاقتراب أكثر من دار السلطان".

  • المصدر: أصوات مغاربية