الدكتور التونسي معز ليميم رئيس جامعة فلوريدا الشمالية(مصدر الصورة صفحته على فيسبوك)

من تلميذ يدرس على ضوء الشموع بقرية تونسية صغيرة إلى رئاسة جامعة تضم قرابة الـ17 ألف طالب، لم تكن طريق الدكتور معز ليميم سالكة وسهلة إذ واجه فيها عدة صعوبات لم تنل من عزيمته في اعتلاء مناصب أكاديمية مرموقة.

ففي إنجاز احتفت به الأوساط الأكاديمية والإعلامية على نطاق واسع، نجح ليميم الصائفة الماضية في الوصول إلى رئاسة جامعة فلوريدا الشمالية بالولايات المتحدة الأميركية.

فمن هو ليميم؟ وكيف خط هذه المسيرة الأكاديمية؟ وماهي أبرز العراقيل والصعوبات التي واجهها؟

المسار الدراسي 

ينحدر ليميم من "قصر هلال" التابعة لمحافظة المنستير (وسط) وفي مدرسة "شراحيل" القريبة زاول سنوات تعليمه الأولى قبل أن ينطلق في رحلة قادته إلى عدد من القرى والمدن الأخرى إذ كان والده مدرسا ينتقل بحكم وظيفته من مدرسة إلى أخرى.

لوالد ليميم دور كبير في نحت مساره الدراسي، فقد كان حريصا على تحصيل العلم والمعرفة في فترة كان يشغل فيها خطة مدير للمدارس الابتدائية.

يقول ليميم "في سنواتي الأولى اضطررت للدراسة على ضوء الشموع فحتى قنديل الغاز كان يحمله والدي إلى المدرسة بعد نهاية الدوام ليقدم دروسا إضافية للتلاميذ المقبلين على مناظرة السادسة ابتدائي".

"التعليم في عائلتي لم يكن خيارا بل كان ضرورة" يقول ليميم في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، مشيرا  إلى أن "والده غرس فيه مجموعة من المبادئ أهمها حب المعرفة والتعلم".

انتقل ليميم في سنوات الدراسة الابتدائية بين محافظات المنستير وباجة وتونس التي عاد إليها لاحقا ليتابع المرحلة الجامعية.

بعد حصوله على الباكالوريا عام 1981 وبنصيحة من خاله الأستاذ الجامعي، اختار ليميم شعبة إعلامية التصرف في المعهد العالي للتصرف بتونس.

مرت سنوات الجامعة سريعا لينهيها بـ"تميز"، قبل أن يتناهى إلى مسامعه وجود منحة حكومية وحيدة لمواصلة الدراسة بالولايات المتحدة الأميركية تقدم إليها رفقة عدد كبير من نظرائه بعد موافقة جامعته ووزارة التعليم العالي والكليات الأميركية.

قضى ليميم عاما في تحضير نفسه لتحسين مستواه في اللغة الإنجليزية، قبل أن   يتم قبوله في جامعة "مينيسوتا" الأميركية التي "تعد  مهد اختصاص إعلامية التصرف في العالم"، وكان ذلك عام 1986.

يقول الأكاديمي  "عكس أوروبا لم تكن الولايات المتحدة كتابا مفتوحا للتونسيين فقد وصلت إلى بلد لا أعرف فيه أحدا لأدرس مرحلة الماجستير بلغة ترتيبها الثالث في بلدي وهي مرحلة ساورتني فيها شكوك تغلبت عليها بالطموح والمثابرة".

نجح ليميم سريعا في الاندماج بالمجتمع الأميركي مستفيدا من دعم أصدقائه، ليتمكن من اجتياز مرحلة الماجستير "ضمن كوكبة الأوائل في الجامعة"، وفق تأكيده.

الفضول المعرفي دفعه إثر ذلك إلى المشاركة في مناظرة بالملفات تقدم إليها مرشحون من مختلف الجنسيات لمواصلة مرحلة الدكتوراه في الاختصاص ذاته بجامعة مينيسوتا.

وفي العام 1992 حصل ليميم على الدكتوراه في إعلامية التصرف التي يصفها بـ"منطقة التقاطع" بين التكنولوجيا وعلوم التصرف.

ترحال بين 3 قارات

قبل إنهاء مرحلة الدكتوراه، بدأت جامعة "لافال" الكندية المعروفة بمراسلة ليميم ليلتحق بصفوف كادرها التعليمي عام 1992. تدرج ليميم سريعا في السلم الوظيفي بهذه الجامعة، ناشرا مقالات وأبحاثا في عدد من المجلات العلمية.

بعد سنوات قليلة من التدريس، عرض عليه عميد الكلية رئاسة قسم جامعي، ليصبح "أصغر مسؤول" يتقلد هذا المنصب بالجامعة.

عمل ليميم خلال هذه الفترة على دعم ومساعدة الطلبة التونسيين بهذه الجامعة المرموقة، وهو أمر ينظر  إليه الآن بـ"فخر كبير".

بعد تجربة كندا، انتقل الرجل إلى "هونغ كونغ" بالقارة الآسيوية للتدريس بإحدى جامعاتها مؤسسا فيها أول تخصص في مجال التجارة الإلكترونية لتتواصل التجربة إلى حدود عام 2003.

بعد كندا وهونغ كونغ، قادته الرحلة إلى أوروبا ليحط الرحال بجامعة "لوزان" السويسرية في تجربة يصفها بـ"الجيدة" خاصة مع قربها لبلده ما سمح له بإجراء العديد من الزيارات لإلقاء محاضرات والمشاركة في ندوات بجامعاتها.

في العام 2007، أعاده الحنين إلى الولايات المتحدة من بوابة جامعة "أركنساس" كعميد مساعد في الكلية، لتتواصل هذه التجربة نحو 5 سنوات انتقل على إثرها إلى جامعة فلوريدا الجنوبية.

في هذه الجامعة شغل منصب عميد كلية التصرف والتجارة لعقد من الزمن تمكن خلاله من "جمع نحو 150 مليون دولار كهبات خيرية لتحسين أوضاع هذه المؤسسة بما سمح برفع تصنيفها وإضافة برامج جديدة".

هذه الجهود جلبت إليه انتباه جامعة فلوريدا الشمالية قبل الاتصال به لتقديم ملفه إلى جانب 300 مرشح آخر، لتنتهي باختياره رئيسا لهذه الجامعة في أغسطس 2022.

وتضم جامعة فلوريدا الشمالية الحكومية 5 كليات يدرس فيها نحو 17 ألف طالب يشرف عليهم أكثر من 700 أستاذ ومئات الإداريين والموظفين، وهي مؤسسة كبرى يشبهها ليميم بأنها "عبارة عن بلد".

يصف ليميم هذا التحدي  بأنه "الأكبر في مساره"، قائلا إن "الأولوية الرئيسية التي رسمتها هي إقناع سلطات الولاية بزيادة الاستثمار في الجامعة، وقد تمت الموافقة على زيادة الدعم بنحو 25 مليون دولار سنويا".

يطمح رئيس جامعة فلوريدا الشمالية إلى تحقيق ما يسميه بـ"نمو استراتيجي" عبر رفع طاقة استيعاب هذه المؤسسة إلى نحو 25 ألف طالب في غضون 5 سنوات و إقرار برامج جديدة على غرار الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وغيرها.

"أيادي مفتوحة لتونس"

يعتقد ليميم أن "مساعدة بلاده من موقعه الحالي أيسر من خلال تقديم العون للباحثين التونسيين"، قائلا "سنحاول ما استطعنا مساعدة تونس وأيدينا مفتوحة لبلدنا فحب الوطن أمر لا يناقش رغم السنوات الطويلة التي قضاها خارجها".

وأوضح أن "الدعوة باتت ملحة لتجميع جهود الكفاءات التونسية والمغاربية في الخارج لمد يد العون لهذه البلدان"
وفي رسالته للشباب التونسي دعا ليميم إلى "التمسك بالحلم والسعي إلى تحقيقه بالعمل"، معبرا عن أمله في "إيجاد حلول لظاهرة الهجرة غير النظامية".

ورغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها تونس وتأثيراتها على المقدرة الشرائية، أشار ليميم إلى "وجود فرص كثيرة في آلاف الجامعات الأميركية للباحثين من مختلف دول العالم"، قائلا إن "عدد الطلبة التونسيين والمغاربيين ضعيف في الولايات المتحدة".

وأشاد المتحدث ذاته بوجود "إرادة حقيقية لدى الباحثين والطلبة التونسيين"، داعيا السلطات إلى "تغيير الأولويات عبر الاستثمار في التعليم رغم قلة الموارد المالية".

ووصف ظاهرة التسرب المدرسي في بلاده بـ"الكارثة الاجتماعية ما يستدعي إقرار إجراءات عاجلة لإصلاح أوضاع التعليم من بينها تحسين أجور المدرسين والعناية بالبنى التحتية واتباع أفضل مسارات الإصلاح".

  • المصدر: أصوات مغاربية
     

مواضيع ذات صلة

مدينة الجزائر العاصمة
جنب من مدينة الجزائر العاصمة عام 1957

في مثل هذا اليوم (24 يونيو) من عام 1830 وقعت معركة "سيدي خالف" بين القوات الفرنسية والقوات المدافعة عن الجزائر العاصمة والتي حاولت منع الفرنسيين من التقدم نحو "دار السلطان".

وتعد تلك المعركة الثالثة من نوعها بعد إنزال الأسطول الفرنسي في سواحل سطاولي (غرب الجزائر) في 14 يونيو 1830 والذي كان مقدمة للاحتلال الذي بدأ في 5 يوليو من نفس السنة إثر استسلام الداي حسين وسقوط العاصمة بيد الفرنسيين.

"استيلاء تدريجي"

في حديثه عن الظروف التي سبقت تلك المعركة، يقول الباحث في تاريخ الجزائر بجامعة إكستر البريطانية، حسني قيطوني، إن الفرنسيين "كانوا قد أعدوا خططهم بإحكام للاستيلاء التدريجي على أهم معاقل المقاومة التي كانت تفتقد للتنظيم التسلسلي في القيادة".

وتبعا لذلك "لم تعرف المقاومة الشعبية جهودا موحدة، رغم توافد المدافعين عن العاصمة من بايلك الشرق والغرب والوسط ومن دار السلطان التي كانت تعتبر القلعة الحصينة والمقر الرئيسي للداي حسين بقلب العاصمة"، يضيف قيطوني في حديث مع "أصوات مغاربية"، مشيرا إلى أن "سقوط دار السلطان كان يعني سقوط الجزائر واستسلامها".

وعن تفاصيل المعركة، يوضح قيطوني أن "المواجهة بدأت يوم 24 يونيو 1830 في منطقة سيدي خالف المسماة حاليا بالشراقة، بين المقاومة الشعبية والجنود الانكشاريين التابعين للداي من جهة والجيش الفرنسي برئاسة قائد الحملة الفرنسية على الجزائر المارشال لويس دي بورمن، من جهة ثانية" مردفا أنه "رغم خسائرهم تمكن الفرنسيون من الزحف والانتصار في هذه المعركة بالتقدم نحو دار السلطان".

"أخطاء عسكرية"

من جانبه، وفي حديثه عن أسباب هزيمة القوات المدافعة عن الجزائر العاصمة، يقول أستاذ التاريخ الجزائري، عباس كحول إن ذلك كان "نتيجة تراكمات من الأخطاء العسكرية"، وبينها "عدم مواجهة القوات الفرنسية وتأجيل ذلك إلى غاية نزولها برا بسيدي فرج، وقرار الداي حسين عزل القائد المتمرس الأغا يحيى وتعويضه بصهره إبراهيم آغا الذي كان يفتقد للخبرة العسكرية، ثم تهميش دور المقاومين الجزائريين والقوات التي جاءت لتدعم المعارك".

ويضيف كحول في حديث مع "أصوات مغاربية" أن "هذه الأخطاء ساهمت في إضعاف القوات المكلفة بالدفاع عن الجزائر العاصمة في ثلاث معارك على الأقل، وزادت من حجم الخسائر، وعززت مواقع تقدم القوات الاستعمارية التي كانت تجتاح حصون العاصمة الواحد تلو الآخر". 

ويتابع المتحدث ذاته موضحا أن "الداي حسين حاول تدارك الخطأ الذي وقع فيه بتعيين صهره قائدا لقوات الدفاع عن العاصمة، وعين خلال تلك الفترة من المعارك العالم محمد بن محمود المعروف بابن العنابي للقيادة الروحية للمقاومة الشعبية، إلا أن الوقت كان متأخرا جدا عن تدارك الهزيمة التي سمحت للفرنسيين بالاقتراب أكثر من دار السلطان".

  • المصدر: أصوات مغاربية