قمم جبال جرجرة
بحسب الأسطورة يسكن "الرهباني" في كهوف ومغارات وفي باطن الأرض- تعبيرية

"الرَّهباني"، شخصية مُغرية حاضرة بقوة في التراث الشعبي الجزائري، وتحديدا في الحكايات التي ترويها الأمهات والجدات للأبناء والأحفاد قبل النوم. 

تتناول الحكاية الأسطورة شخصية "الرّهباني" الذي يختلف وصفه بين قائل إنه رجل أسود البشرة وقائل إنه أبيض البشرة وله عينان زرقاوان، ولكن الروايات تلتقي في وصف يديه الطويلتين اللتين تصلان إلى ركبتيه، وقدرته على جعل من يلقاه ثريا، ولكن بشروط. 

روايات الجدّات

تقول الجدة حبيبة إبراهيمي (66 عاما) إن "هذا الكائن يظهر ويختفي فجأة، أسود اللون يداه طويلتان تصلان إلى ركبتيه، سريع الحركة، يظهر بعد مغرب الشمس ويأتي معه برزق كثير خصوصا الأموال والكنوز، لكن شكله المخيف يجعل كثيرا من الناس لا يتمنون لقاءه".

وتضيف إبراهيمي في حديث مع "أصوات مغاربية"، بأن حكايات الرهباني "انتقلت إلينا من أمهاتنا وجداتنا وبدورنا قصصناها على أحفادنا". 

وتتابع استنادا إلى الحكاية الأسطورة "نرويها لهم حتى لا يخافوا منه إذا صادف وظهر أمامهم، فظهور الرهباني في حياتك دون أن ترتعب منه يمكن أن يجعلك غنيا جدا بالكنوز التي يملك أو التي قد يدلّك على مكانها، هذا هو الشرط حتى يجعلك الرهباني ثريا.. عليك أن لا تخاف منه".

ويشيع في الجزائر مثل شعبي يقول "تقول طلّ عليه رهباني"، ويُضرب لشخص فقير أصبح ثريّا فجأة، وهي إشارة إلى أنّ هذا الفقير قد التقى "الرهباني" وأغدق عليه الأخير بكنوزه.

"اعتقاد راسخ"

في دراسة جامعية بعنوان "تجلّيات الجنّ (الخيِّر) للإنس في الحكايات الشّعبيّة الجزائريّة - أسطورة الرَّهبانْ / الرَّهباني"، يقول الباحث الجزائري عبد الحليم مخالفة إن الرهباني "أسطورة أدبيّة تزخر بها الثقافة الشعبية الجزائرية".

ويتابع بأن "هذه الشخصيّة الماورائية تعدّ من أشهر الحكايات الشعبية المتداولة في منطقة قالمة بالشرق الجزائري".

ويشير المصدر ذاته إلى أنه "لا يزال لحد الآن في الموروث الشعبي في منطقة تبسة (شرق) وضواحيها الريفية، اعتقاد راسخ بأن فقراء المداشر والجياع يساندهم (الرهباني)". 

ويضيف في وصفه أنه "في المخيال الشعبي رجل أبيض البشرة يرتدي اللباس الصوفي الأبيض وعيناه زرقاوان وفلج الأسنان ويكثر تواجده في الأسواق الشعبية ثم لا يلبث أن يختفي بعد أن يقدم المساعدة من حبوب ومال للفقراء".

"مجرد أسطورة"

تأثّر المجتمع الجزائري بقصة "الرّهباني" -هذا الكائن الذي، وفق روايات الجدات، يسكن في الكهوف والمغارات وباطن الأرض- جعله يُقحمه في حياته اليومية عبر أمثلة شعبية.

وفي هذا الصدد تقول الدراسة السابقة "طويل كي الرهبان (طويل مثل الرهبان)، يضرب هذا المثل لصاحب القامة الطويلة.. ويقال عينيه أزرق كي الرهبان (عيناه زرقاوان مثل الرهبان)، ويضرب لصاحب العينين الزرقاوين زرقة لافتة.. ويقال تقول طل عليه رهبان (كأن رهبانا أطل عليه)، ويضرب لمن أصبح ثريا فجأة".

ويخلص صاحب الدراسة إلى أنّ  "الرهباني مجرد أسطورة"، ويضيف "الثقافة الشعبية الجزائرية استطاعت أن تنتج من خلال شخصية الرهبان أسطورة أدبية محلية، وتنحت ملامحها نحتا دقيقا، مما جعلها واضحة المعالم في مخيلة المتلقّي الجزائري إلى درجة دفعت بعض الشرائح الاجتماعية البسيطة إلى التصديق والاعتقاد بإمكانية وجود هذه الشخصية الأسطورية على أرض الواقع، وهو ما يعبّر عن تلك القدرة التصويرية العالية التي تحلى بها النص الشعبي الجزائري بمختلف أجناس".

  • المصدر: أصوات مغاربية 

مواضيع ذات صلة

قوس صخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا
قوس "افازاجار" الصخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا

تشتهر جبال أكاكوس في أقصى جنوب غرب ليبيا بطبيعتها الصخرية غريبة التكوين وطبيعتها الصحراوية، لكن ما يميزها هو النقوش التي تصور المنطقة في عصور غابرة والتي صنفت كموقع للتراث العالمي.

وتقع جبال أكاكوس أو تدرارت أكاكوس، كما تعرف باللغة المحلية، ضمن نطاق الصحراء الكبرى بالقرب من مدينة "غات" قرب الحدود الفاصلة بين ليبيا والجزائر والنيجر.

متحف مفتوح 

ورغم طبيعتها الصحراوية القاحلة تتوفر منطقة أكاكوس على مناظر طبيعية ساحرة كما توجد بها بعض أنواع النباتات التي تنموا محلياً إضافة إلى حيوانات نادرة يعتبر بعضها مهدد بالانقراض.

لكن ما يميز المنطقة هو التكوينات الرملية والصخرية النادرة بفعل نحت الرياح ما ادى عبر الزمن إلى تشكل أقواس صخرية وأحجار ضخمة بأشكال مختلفة، ومن بينها المواقع الموجودة بمنطقة قوس "افازاجار" وقوس "تن خلجة".

غير أن شهرة جبال "أكاكوس" تتأتى من الرسومات والمنحوتات على الصخور وجدران كهوفها القديمة التي تنقل صورة لما كان عليه ذلك الجزء من الصحراء الكبرى قبل عشرات آلاف السنين.

ونظراً لأهمية التي تعكسها اللوحات والمنحوتات المذكورة، إذ يعود تاريخ بعضها إلى 21 ألف سنة، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) منطقة أكاكوس موقعا للتراث العالمي منذ عام 1985 

حيوانات لم تعد موجودة

وفضلاً عن قيمتها السياحية، يعد العلماء منطقة أكاكوس مكتبة أثرية توثق لظاهرة التغير المناخي والبيئي الذي طرأ على المنطقة عبر العصور. 

ومما يؤشر على ذلك التغيير هو أنواع الحيوانات التي صورها الإنسان القديم على كهوف وصخور المنطقة والتي لا يعيش بعضها إلا في بيئات السافانا والمناطق المتوفرة على المياه.

وتشتمل تلك النقوش على صور لحيوانات ضخمة لم تعد موجودة في بيئة الصحراء الكبرى حالياً ومن بينها الفيلة والزرافات والأحصنة وبعض أنواع الأبقار البرية والنعام وغيرها. 

وبالإضافة للحيوانات وثقت رسومات جبال أكاكوس للإنسان الذي عاش في تلك المنطقة قبل آلاف السنين ورسمته في وضعيات مختلفة يعتقد أنها مرتبطة بالطقوس الدينية أو بالسحر وبالحياة اليومية في منطقة يعتقد العلماء أنها كانت تختلف تماماً عما هي عليه اليوم. 

 

المصدر: أصوات مغاربية