قائد الشرطة الفرنسية موريس بابون
قائد الشرطة الفرنسية بباريس موريس بابون العام 1958 خلال أوج مواجهاته مع "ذراع الثورة الجزائرية" في فرنسا

في مثل هذا اليوم قبل 63 عاما (17 مايو 1960)، اجتمع قائد الشرطة الفرنسية لمنطقة "السين" بالعاصمة باريس، موريس بابون مع برلمانيي ومستشاري البلديات الباريسية، من أجل وضع "تدابير خاصة" للقضاء على الثورة الجزائرية في العاصمة الفرنسية.

كان هذا الاجتماع ردّا على نشاط كثيف عرفته الثورة الجزائرية داخل فرنسا، بعدما قررت قيادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية نقل الثورة إلى فرنسا، في تحدّ كبير للاحتلال.

ذراع الثورة الجزائرية في فرنسا

ففي العام 1955 أسّست جبهة التحرير الوطني ذراعا لها في فرنسا عُرف باسم "اتحادية جبهة التحرير في فرنسا"، ترأّسه محمد بوضياف (من مفجري الثورة الست ورئيس سابق للجزائر اغتيل في 1991)، مهمته نقل الثورة إلى فرنسا.

اجتمع بوضياف بمناضلين هم؛ مراد طربوش وعلي محساس ومحمد زروق وعبد الرحمن غراس والطالب مهدي وأحمد دوم وشوقي مصطفاي ومحمد الشريف الساحلي، ولم يلبث هذا التنظيم كثيرا حتى انكشف بعد إلقاء الشرطة الفرنسية القبض على علي محساس.

لم ييأس الثوار الجزائريون وبقوا ينشطون بسرية ثم أعادوا الكرة في ماي 8195 بتشكيل هيئة جديدة لفدرالية جبهة التحرير بفرنسا ترأسها هذه المرة المناضل محمد البجاوي ويعمل تحت سلطته أربعة مناضلين هم؛ محمد مشاطي وعيّن مسؤولا عن منطقة شرق فرنسا، وفضيل بن سالم وعبد الرحمان غراس تقاسما المسؤولية في الجنوب والوسط ومدينتي ليون ومرسيليا، فيما ترأس أحمد دوم منطقة باريس باريس، ولزيادة عدد أفرادها ونشاطها تدعمت الاتحادية بانضمام اتحاد الطلبة المسلمين الجزائريين إليها.

يقول الباحث سعدي بزيان في كتابه "جرائم موريس بابون ضد المهاجرين الجزائريين في 17 أكتوبر 1961"، إن "جملة المهام التي أوكلت لأفراد الاتحادية تمثلت في؛ إحداث حالة لا أمن في فرنسا للضغط على الحكومة الفرنسية حتى تبقي على قواتها في فرنسا لمواجهة الوضع الحربي فوق ترابها، التخفيف على جيش التحرير في الجزائر بتأسيس خلايا للفدائيين الجزائريين في فرنسا".

أما قائد الفدرالية محمد البجاوي فيذكر في كتابه "حقائق عن الثورة الجزائرية"، بأنّ "سياسة نقل الحرب إلى قلب العدو كانت تتلخّص في القيام بعمليات انتقامية في المدن والأرياف الفرنسية كلّما ارتكب الاستعمار الفرنسي في الجزائر أعمالا إجرامية ضد الشعب الجزائري، وكل جزائري يسقط شهيدا في الجزائر يقابله سقوط فرنسي مماثل في فرنسا".

بابون يواجه حربا

وجد بابون نفسه أمام حرب حقيقة لجبهة التحرير في فرنسا، عند تعيينه على رأس شرطة باريس في مارس 1958، وعن هذا يقول الباحث بزيان "في مارس 1958م تمّ تعيين موريس بابون على رأس محافظة شرطة باريس، وما إن استلم منصبه حتى وجد نفسه في وضع بالغ الصعوبة، فتنظيمات جبهة التحرير مزروعة في كامل خريطة فرنسا الجغرافية، وأصبحت تشكل جهازا قويا بكامل عددها وعدتها وبمناضلين تمرّسوا بقواعد النضال منذ (نجم شمال إفريقيا) 1926 إلى (فدرالية جبهة التحرير بفرنسا)".

ويضيف "بعد مضي خمسة أشهر من توليه منصبه حتى انفجرت في وجهه حرب داخل فرنسا بقيادة جبهة التحرير الرامية إلى فتح جبهة ثانية داخل أرض العدو قصد إرهاقه، وتشتيت طاقته، وتمزيق قوته، والتخفيف على الجبهة الداخلية التي أرادت أن تنتقم من الاستعمار الفرنسي الذي يقود حربا تدميرية ضد الشعب الجزائري في الجزائر شملت البلاد والعباد، وأتلفت الزرع والضرع".

ويسترسل المصدر ذاته "تشكّلت فرق للفدائيين الجزائريين في فرنسا لملاحقة رجال الأمن والخونة، فقد نجا جاك سوستيل الحاكم العام للجزائر بأعجوبة من الموت على يد فدائيين جزائريين أطلقوا عليه النار، وهو داخل سيارته في شارع فيرديناند بباريس، كما قتل الفدائيون الخائن علي شكّال نائب رئيس المجلس الوطني الجزائري (مجلس أنشأته فرنسا بالجزائر بدعوى تمثيل الجزائريين فيه)، في ملعب كولومب بضواحي باريس، وهو جالس بجانب رئيس الجمهورية الفرنسي روني كوتي".

بداية الحرب.. المجازر

كان يوم 28 أوت 1958 بداية الحرب داخل التراب الفرنسي "ففيه بدأت السلطات الفرنسية تطبيق مخطط عمل من خلال إسناد الحراسة إلى قوات الجيش بتوليها حراسة الأماكن الحساسة، وتمّ إلغاء الإجازات بالنسبة لأعوان الأمن، وذلك لمواجهة الوضع المتدهور، وقد تضاعفت عمليات الملاحقة، والتفتيش لعمال شمال إفريقيا، ولاسيما من الجزائريين"، وفق المصدر السابق.

قتل في الفترة ابين يناير 1958 ونهاية عام 1961 في باريس، 47 رجل شرطة وأصيب 137 آخرون تابعون لمديرية الأمن.

خلال اجتماع 17 مايو 1960 تقررت خطة لضرب خلايا جبهة التحرير بيد من حديد وشكّل بابون قبلها "الشرطة المساعدة" وهي قوة أمنية مكونة من جزائريين خانوا ثورة بلادهم، وفُرض حضر تجوال على الجزائريين بداية من ساعات الليل الأولى، وهو ما اعتبره العمال والمهاجرون الجزائريون تمييزا ضدهم، وأصدرت قيادة جبهة التحرير الأوامر للجزائريين بالخروج في مظاهرات في 17 أكتوبر 1961.

خلال هذه المظاهرات طبّق بابون بوحشية ما جرى في اجتماع 17 مايو 1960، فأطلق يد الشرطة الفرنسية على المتظاهرين الجزائريين وقتل 300 منهم رمي معظمهم في نهر السين واختفى العشرات في جريمة كبرى ارتبط ببابون، الذي لقبه الجزائريون من يومها بـ"السفّاح".

  • المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

الملك محمد السادس
الملك محمد السادس

في الثالث والعشرين من شهر يوليو عام 1999، تولى الملك المغربي، محمد السادس، العرش خلفا لوالده الحسن الثاني (1929 – 1999)، ثاني ملوك البلاد بعد الاستقلال. 

وعلى مدار 23 عاما من الحكم، شهد المغرب أحداثا بارزة، وتحولات جوهرية في مختلف الأصعدة السياسية والاجتماعية، وحتى الرياضية. 

وفي ما يلي بعض المحطات البارزة التي شكلت معالم هامة في مسار المملكة تحت قيادة الملك محمد السادس (60 عاما):

"أحداث الدار البيضاء" الدامية

في 16 ماي 2003، شهدت الدار البيضاء سلسلة هجمات إرهابية متزامنة استهدفت خمسة مواقع، مما أسفر عن مقتل 33 شخصا وإصابة أكثر من 100. 

كانت الهجمات من تنفيذ خلية محلية مرتبطة بتنظيم القاعدة، وأدت إلى صدمة واسعة في المغرب، إذ أنهت ما كان يُعرف بـ"الاستثناء المغربي" وأظهرت أن البلاد لم تعد بمنأى عن تداعيات الحركات المتشددة العالمية. 

عُرفت هذه الهجمات بـ"أحداث الدار البيضاء"، وهي الأفظع في تاريخ المملكة، ما دفع السلطات إلى التحرك بسرعة، حيث أعلن وزير الداخلية مصطفى الساهل عن بدء التحقيقات واعتقال المئات من المتورطين. 

تم إصدار قانون مكافحة الإرهاب المثير للجدل، ما أدى إلى محاكمة العديد من المتهمين، كما دفعت التفجيرات البلاد إلى تغيير استراتيجيتها لمواجهة التشدد وتفكيك الخلايا الإرهابية بشكل استباقي، مع تعزيز الجهود الفكرية محلياً ودولياً لاجتثاث التطرف.

مدونة الأسرة 

في عام 2004، أقر المغرب مدونة الأسرة بعد جدالات حادة بين الحداثيين والمحافظين، لتحل محل مجلة الأحوال الشخصية لعام 1958. حينها، اعتُبرت المدونة ثورة حقوقية ومكسبا قانونيا للنساء المغربيات، إذ أدخلت تغييرات كبيرة في مسائل الزواج والطلاق والميراث وحضانة الأطفال. 

ومع مرور السنوات، تحدثت جمعيات حقوقية عن استغلال كبير لثغرات قانونية، داعية إلى إصلاحات جديدة.

وفي خطاب العرش عام 2022، أكد الملك محمد السادس أن المدونة أصبحت غير كافية، ودعا لمشاورات لتعديلها. وفي سبتمبر 2023، بدأت الهيئة المكلفة بمراجعة المدونة جلسات استماع مع مؤسسات رسمية وأحزاب ومنظمات حقوقية وخبراء.

في أواخر يونيو، أعلن الديوان الملكي المغربي أن الملك محمد السادس أصدر توجيهات للمجلس العلمي الأعلى، وهو مؤسسة دينية رسمية معنية بالإفتاء، لدراسة المسائل الواردة في بعض مقترحات الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة. 

ويهدف هذا الإجراء إلى استصدار فتوى بشأن التعديلات الجديدة، استنادا إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي.

"الإنصاف والمصالحة"

في نوفمبر 2005، قدمت "هيئة الإنصاف والمصالحة" (لجنة حقوقية للنبش في انتهاكات حقوقية) تقريرها الختامي إلى الملك محمد السادس بعد 23 شهرا من التحقيقات الميدانية.

 تأسست الهيئة في أغسطس 1999 بعد شهر من تولي الملك محمد السادس الحكم، وقررت تعويض ضحايا هذه الانتهاكات وعائلاتهم. 

 تألفت "هيئة الإنصاف والمصالحة" من 17 عضوا وغطت أكثر من 5000 قضية لانتهاكات حقوق الإنسان، تمتد من استقلال المغرب عام 1956 حتى وفاة الملك الحسن الثاني في يوليو 1999، أي خلال فترة 43 عاما. 

وشملت التحقيقات حالات الوفيات، والاختفاء القسري، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والاعتداء الجنسي في فترة "سنوات الرصاص"، وتلقت أكثر من 20 ألف طلب، وكشفت عن وفاة 173 شخصا في مراكز اعتقال سرية.

لكن وعلى الرغم من تقديم توصيات لجبر الضرر وتعويض الضحايا، لم تتمكن الهيئة من الكشف عن مصير بعض الشخصيات البارزة مثل زعيم المعارضة اليسارية، المهدي بن بركة، الذي اختفى في باريس عام 1965.

"20 فبراير" وتعديل الدستور 

في عام 2011، ومع تصاعد الإحباط بسبب بطء الإصلاحات وسط انتفاضات الربيع العربي، خرجت احتجاجات قادتها حركة 20 فبراير، مطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية شاملة.

 استجاب الملك محمد السادس بالدعوة إلى استفتاء دستوري وانتخابات جديدة. 

في تلك الفترة، أُقر دستور جديد بعد خمسة أشهر، حافظ على صلاحيات الملك الواسعة ولكنه منح البرلمان ورئيس الحكومة مزيدا من السلطات، بما في ذلك تعيين رئيس الحكومة من الحزب الفائز بالانتخابات. 

علاوة على ذلك، أضاف الدستور اللغة الأمازيغية كلغة رسمية بجانب العربية. 

ومع ذلك، ظلت الأحزاب السياسية محدودة التأثير في مواجهة سلطات النظام الملكي المهيمن على المجال السياسي في البلاد.

تألق كروي 

في واحدة من أكبر مفاجآت كأس العالم 2022 بقطر، حقق المنتخب المغربي إنجازا تاريخيا بوصوله لنصف نهائي البطولة لأول مرة في تاريخ المنتخبات الأفريقية والعربية، متبوئا المركز الرابع. تأهل "أسود الأطلس" لدور الستة عشر بعد تصدرهم المجموعة السادسة، ثم انتصروا على إسبانيا بركلات الترجيح وأطاحوا بالبرتغال بضربة رأسية ليوسف النصيري. 

بهذا الإنجاز، قفز تصنيف المغرب لأول مرة حينها إلى المركز 11 عالميًا، مسجلًا أكبر تقدم سنوي وفقًا لتصنيف "فيفا". 

وحظي أعضاء المنتخب المغربي إثر عودتهم من قطر في 20 ديسمبر الجاري، باستقبال شعبي كبير، كما استقبلهم العاهل المغربي الملك محمد السادس بالقصر الملكي بالرباط، حيث وشح كلا من رئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم ومدرب ولاعبي المنتخب بأوسمة ملكية.

وعلى مدار السنوات الأخيرة، حققت الكرة المغربية العديد من الإنجازات القارية والدولية، ومن أبرزها استعداد المغرب لتنظيم كأس العالم 2030 رفقة إسبانيا والبرتغال.

أعنف زلزال

في مساء الثامن من سبتمبر 2023، ضرب زلزال بقوة 6.8 درجات وفق المعهد الجيوفيزيائي الأميركي و7 درجات حسب المركز الوطني للبحث العلمي والتقني المغربي، منطقة الحوز وسط المغرب.

 أسفر الزلزال عن حوالي ثلاثة آلاف قتيل وآلاف الجرحى والمشردين والأيتام، وشعر به سكان مدن أخرى مثل أكادير وفاس والرباط.

وصنف الخبراء الزلزال الأعنف في تاريخ المغرب منذ أكثر من ستة عقود، مع تقديرات بتضرر نحو 2.8 مليون نسمة. 

ووفقا للحكومة، فإن الزلزال دمر حوالي 59 ألفا و474 منزلاً، منها 32 في المئة انهارت بالكامل، كما أضر بكثير من المآثر التاريخية. 

وخصصت السلطات تعويضات بنحو 13.6 ألف دولار للمنازل المدمرة بالكامل و7780 دولارا للمنازل المتضررة جزئيا.

في التاسع عشر من أكتوبر 2023، أصدر الملك محمد السادس تعليماته بإصدار قانون يمنح الأطفال الذين فقدوا ذويهم في زلزال الحوز صفة "مكفولي الأمة". بموجب هذا القانون، سيستفيد هؤلاء الأطفال من رعاية شاملة من الدولة تتضمن امتيازات تعليمية وصحية. وعند بلوغهم سن الشباب، يتم دعمهم بمنح دراسية وتوفير فرص إدماجهم في الوظائف العمومية.

 

المصدر: أصوات مغاربية