قلعة السرايا الحمراء
يعود الشكل الحالي لقلعة السرايا الحمراء في طرابلس لفترة حكم الإسبان 150 - 1530

مطلة على مينائها القديم، تقف قلعة السراي الحمراء وسط العاصمة الليبية طرابلس كأحد اهم معالم المدينة منذ فترة الحكم الإسباني وفرسان "القديس يوحنا"، بدايات القرن السادس عشر الميلادي، الذين شيدوها لحماية المدينة من غزاة ما وراء البحار ولتكون بعد ذلك شاهداً على كل من مروا عليها سلماً وحرباً عبر العصور.

وتعود تسمية السراي الحمراء أو كما يسميها الليبيون "السرايا الحمراء" إلى اللون الأحمر الذي طليت به جدرانها قديماً، أو الطوب الأحمر الذي يدخل في بناء جدرانها، بحسب الروايات المتداولة.

حضارات متعاقبة

وتتربع السرايا الحمراء على مساحة تتجاوز 1300 متر مربع في الجزء الشرقي من المدينة القديمة التي بدأت مستوطنة فينيقية في عصور غابرة، ثم تعاقبت عليها الحضارات مروراُ بالرومان والبيزنطيين إلى العرب، ثم الإسبان وفرسان القديس يوحنا إلى فترة الدولة العثمانية بمراحلها المختلفة، وانتهاء بالاحتلال الإيطالي. 

ويعتقد أن قلعة السرايا الحالية مبنية على أنقاض بقايا مبنى روماني ضخم، وذلك بسبب بعض الأعمدة والتيجان الرخامية الضخمة التي وجدت تحت أجزاء منها وتعود إلى القرن الأول أو الثاني الميلاديين.

ويرجح خبراء أن القلعة ربما كانت حصناً كبيراً للدفاع عن مدينة طرابلس في العصر البيزنطي، وعندما احتلها الإسبان اهتموا بأسوارها  حيث يعود معظم البناء الخارجي بشكله الحالي إلى فترة الحكم الاسباني وفرسان القديس يوحنا الذين سلمهم الإسبان المدينة عند خروجهم منها سنة 1530. 

ومن أهم اللمسات التي تركها الاسباني البرج الجنوبي الغربي والبرج الجنوبي الشرقي، الذي يعرف باسم "حصن سان جورج" وبينهما فتحات لوضع المدافع حسب الأساليب المتبعة في القرن السادس عشر الميلادي.

فيما أضاف فرسان القديس يوحنا الذين خلفوا الإسبان على المدينة برجا آخر بالقلعة يقع في الزاوية الشمالية الشرقية، ويعرف باسم برج "سانتا باربرا."

"السراي الحمراء" في العهد العثماني 

وبدورهم اهتم الأتراك العثمانيون بالقلعة بعد استيلائهم عليها سنة 1551م، فقاموا بعدة اضافات بها، وحولوا الكنيسة التي كانت داخل القلعة إلى مسجد، كما اتخذ الولاة الأتراك القلعة مقرا لهم ولأسرهم.

وعندما استقل أحمد باشا القرمانلي بحكم إيالة طرابلس عن "الباب العالي" سنة 1711م، اهتم هو وأسرته اهتماما خاصا بالحصون الدفاعية للقلعة التي أصبحت مقر حكم له ولأولاده طيلة حكم الأسرة "القرمانلية" لليبيا  الذي دام نحو قرن وربع القرن، 1711 - 1835.

وضمت القلعة في العهد القره مانلي بناء خاصا لحاكم طرابلس به قاعة فسيحة يستقبل فيها الوفود وقناصل الدول الأجنبية، وكانت بالقلعة أيضا دار لصك العملة، وديوان القضاء، وصيدلية حكومية، وبعض المخازن والسجون والمطاحن.

وتشير بعض الروايات إلى أن  العرب المسلمين عندما دخلوا طرابلس، بقيادة عمرو بن العاص، في سنة 21 هجرية الموافق 642 م، وجدوا المدينة محاطة بسور قوي ولم يتمكنوا من دخولها إلا بعد حصار دام لنحو شهر.

وكحكام جدد اهتم العرب بأسوار القلعة وأجروا عليها بعض التعديلات منها بقايا بعض الأبراج المرتفعة، وبعض الجدران التي بناها العرب قبل دخول الإسبان إلى طرابلس في يوليو 1510م.

ما بعد الاحتلال الإيطالي 

وعندما احتل الإيطاليون طرابلس عام 1911 اتخذوا السرايا مقرا للحاكم العام وأحدثوا تغييرات كثيرة داخل السرايا من بينها إزالة المباني الخارجية التي كانت ملاصقة لها وشق الطريق المؤدي إلى ميناء طرابلس، والأقواس الواقعة على الجهة الشمالية لسور القلعة.

وفي عهد الحاكم الإيطالي "إيتالو بالبو" تم تحويل كامل قلعة السرايا الحمراء إلى متحف، افتتح عام 1930، ثم أضاف إليها "المتحف الكلاسيكي" و الذي حل محله "متحف السراي الحمراء" المعروف حالياً

ومن سنة 1952م أعدت السراي لتكون مقرا لإدارة الآثار ومتاحفها التي تشمل متحف ما قبل التاريخ، ومتحف القبائل الليبية القديمة، ومتحف التراث الليبي في العصر البونيقية والإغريقية والرومانية، ومتحف التاريخ الطبيعي، وغيرها.

المصدر :أصوات مغاربية + مصادر تاريخية

مواضيع ذات صلة

قوس صخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا
قوس "افازاجار" الصخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا

تشتهر جبال أكاكوس في أقصى جنوب غرب ليبيا بطبيعتها الصخرية غريبة التكوين وطبيعتها الصحراوية، لكن ما يميزها هو النقوش التي تصور المنطقة في عصور غابرة والتي صنفت كموقع للتراث العالمي.

وتقع جبال أكاكوس أو تدرارت أكاكوس، كما تعرف باللغة المحلية، ضمن نطاق الصحراء الكبرى بالقرب من مدينة "غات" قرب الحدود الفاصلة بين ليبيا والجزائر والنيجر.

متحف مفتوح 

ورغم طبيعتها الصحراوية القاحلة تتوفر منطقة أكاكوس على مناظر طبيعية ساحرة كما توجد بها بعض أنواع النباتات التي تنموا محلياً إضافة إلى حيوانات نادرة يعتبر بعضها مهدد بالانقراض.

لكن ما يميز المنطقة هو التكوينات الرملية والصخرية النادرة بفعل نحت الرياح ما ادى عبر الزمن إلى تشكل أقواس صخرية وأحجار ضخمة بأشكال مختلفة، ومن بينها المواقع الموجودة بمنطقة قوس "افازاجار" وقوس "تن خلجة".

غير أن شهرة جبال "أكاكوس" تتأتى من الرسومات والمنحوتات على الصخور وجدران كهوفها القديمة التي تنقل صورة لما كان عليه ذلك الجزء من الصحراء الكبرى قبل عشرات آلاف السنين.

ونظراً لأهمية التي تعكسها اللوحات والمنحوتات المذكورة، إذ يعود تاريخ بعضها إلى 21 ألف سنة، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) منطقة أكاكوس موقعا للتراث العالمي منذ عام 1985 

حيوانات لم تعد موجودة

وفضلاً عن قيمتها السياحية، يعد العلماء منطقة أكاكوس مكتبة أثرية توثق لظاهرة التغير المناخي والبيئي الذي طرأ على المنطقة عبر العصور. 

ومما يؤشر على ذلك التغيير هو أنواع الحيوانات التي صورها الإنسان القديم على كهوف وصخور المنطقة والتي لا يعيش بعضها إلا في بيئات السافانا والمناطق المتوفرة على المياه.

وتشتمل تلك النقوش على صور لحيوانات ضخمة لم تعد موجودة في بيئة الصحراء الكبرى حالياً ومن بينها الفيلة والزرافات والأحصنة وبعض أنواع الأبقار البرية والنعام وغيرها. 

وبالإضافة للحيوانات وثقت رسومات جبال أكاكوس للإنسان الذي عاش في تلك المنطقة قبل آلاف السنين ورسمته في وضعيات مختلفة يعتقد أنها مرتبطة بالطقوس الدينية أو بالسحر وبالحياة اليومية في منطقة يعتقد العلماء أنها كانت تختلف تماماً عما هي عليه اليوم. 

 

المصدر: أصوات مغاربية