علما فرنسا والجزائر
الرايتان الجزائرية والفرنسية

منذ سنوات، تسعى الجزائر إلى استعادة محجوزات لدى فرنسا تعود إلى الحقبة الاستعمارية، أبرزها أرشيف سنوات الاحتلال، واستكمال ما تبقى من جماجم المقاومين ومدفع "بابا مرزوق" وخرائط التجارب النووية.

وخلال فترة احتلالها للجزائر، والتي دامت 132 عاما، أخذت السلطات الاستعمارية الفرنسية ممتلكات جزائرية بل وحتى رؤوس مقاومين حاربوها، قطعتها ووضعتها في متحف بالعاصمة باريس.

وأمس الخميس، أعاد وزير المجاهدين (قدماء المحاربين) العيد ربيقة، في جلسة بمجلس الأمة (الغرفة العليا للبرلمان)، التذكير بأن بلاده "تعكف على بلورة رؤية قانونية لتقوية الملف الجزائري بخصوص استعادة التراث التاريخي والثقافي من الخارج، بما في ذلك مدفع بابا مرزوق، الذي تم نهبه إبان الفترة الاستعمارية."

وقال ربيقة إن "مسألة استعادة التراث التاريخي والثقافي، المادي واللامادي من الخارج، تحتاج الى عملية رصد وإحصاء لكل محتويات هذا التراث، بتجنيد كل الفاعلين في الحقل التاريخي والعلمي، ودعوتهم الى الانخراط في هذا المسعى وفق مقاربة علمية".

استرجاع 600 وثيقة أرشيف.. ولكن!

وكشف الوزير العيد ربيقة بأن الجزائر استعادت 22 علبة من نسخ الوثائق الدبلوماسية للفترة الممتدة من 1954 و1962 (فترة ثورة التحرير)، و600 وثيقة تاريخية تعود للفترة العثمانية، واسترجعت مخطوطة نادرة ذات قيمة كبيرة استولت عليها إدارة الاحتلال الفرنسي سنة 1842 بعد الهجوم على الأمير عبد القادر بجبال الونشريس (غرب).

وفي يناير الماضي، أعلنت الخارجية الجزائرية التزام السلطات الفرنسية بـ"تسريع مسار إعادة الأرشيف ومعالجة مسألة مواقع التجارب النووية التي ينبغي إعادة تأهيلها".

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أعلن عام 2021 أعلن عن قرار يقضي بـ"تسهيل ورفع السرية عن جزء من الأرشيف الخاص بالمرحلة الاستعمارية للجزائر أمام الباحثين والأكاديميين من البلدين، وخصوصا الأرشيف الذي يفوق عمره 50 سنة، ما تعلق بالفترة الاستعمارية للجزائر حتى 1970".

وجاء القرار تنفيذا لتوصيات وردت في تقرير المؤرخ الفرنسي بنجامان ستورا، رئيس لجنة مصالحة الذاكرة عن الجانب الفرنسي، المكلفة بمفاوضات الذاكرة بين الجانبين الجزائري والفرنسي.

ورغم مرور قرابة ثلاث سنوات على تشكيل لجنة مشتركة بين البلدين لمعالجة ملف الذاكرة (يوليو 2020)، إلا أن الجزائر لم تتسلم بعد الأرشيف المتفق عليه من فرنسا.

وقال مستشار الرئيس الجزائري المكلف بملف الذاكرة عبد المجيد شيخي في تصريحات سابقة "حسب المعلومات التي حصلتُ عليها من إدارة مؤسسة الأرشيف الوطني، فإنه حتى الآن استرجعنا 2 بالمائة فقط من أرشيف المرحلة الاستعمارية بمعنى أن 98 بالمائة من الأرشيف ما زال لدى فرنسا".

استكمال استرجاع جماجم المقاومين

في يوليو 2020 استرجعت الجزائر 24 جمجمة تعود إلى قادة وجنود في المقاومة الشعبية حاربوا الاحتلال الفرنسي خلال القرن 19 عشر ميلادي.

ولاتزال السلطات الجزائرية والفرنسية تبحث استكمال استلام ما تبقى من الجماجم (العدد لم يحدّد بعد)، التي كانت موضوعة داخل علب في متحف الإنسان بباريس وأثيرت قضيتها في وسائل إعلام جزائرية وفرنسية العام 2011 بعد 170 من وجودها في فرنسا، ما دفع الجزائر إلى المطالبة باسترجاعها بصفة رسمية.

وفي آخر مستجدات هذه القضية، كشف النائب بالجمعية الفرنسية (البرلمان) كارلوس مارتنيز بيلونغو، صاحب مقترح مشروع قانون إعادة جماجم المقاومين إلى الجزائر، أن السلطات الفرنسية رفضت عرض المشروع على النواب لاستكمال استرجاع الجماجم، وذلك لحساسية الملف وتجنبا لإعادة التوتر في علاقاتها مع الجزائر بعد عودة الدفء إليها، بعد تسريبات إعلامية بوجود جماجم في الدفعة الأولى لا تعود لمقاومين جزائريين.

وقبل قرابة سنة اقترح 83 نائبا فرنسيا من تشكيلات سياسية مختلفة، في إطار وثيقة مشروع قانون برلماني، يهدف للتنازل النهائي عن جميع جماجم المقاومين الجزائريين بالمتاحف الفرنسية، في ظرف أقصاه شهر واحد على الأكثر لكن الأمر لم يتمّ.

"بابا مرزوق".. آخر المحتجزين

في يناير 2022 أعلن الوزير العيد ربيقة، لأول مرة، أن بلاده تعتبر "قضية استرجاع مدفع بابا مرزوق ضمن أولوياتها"، بعد سنوات من سعي باحثين وناشطين في جمعيات تاريخية جزائرية إلى استعادته.

وقال ربيقة إن "بابا مرزوق من بين المحجوزات التي سرقها الجيش الفرنسي، وإن وزارة المجاهدين عقدت لقاءات مع فاعلين ومهتمين بالموضوع لتوفير الإطار اللازم لهذا الموضوع، حرصا من الوزارة للتعريف بهذه القطعة الرمز، كما تم إعداد شريط وثائقي خاص بمدفع بابا مرزوق".

ويوجد "بابا مرزوق" حاليا في مدينة "براست" منصوبا على رصيف مينائها يعلوه ديك حديدة فرنسا يسدّ فوهته برجليه، منذ ترحيله إلى فرنسا في 1830م.

وصُنع "بابا مرزوق" سنة 1542 بأمر من حاكم الجزائر العثماني حسن باشا، وكان الفريد في عصره نظرا للصفات التي تميّز بها من طول وقوة رمي.

وتُطلق فرنسا على "بابا مرزوق" لقب "القُنصلي "Le Consulaire"، ويعود سبب إطلاق هذا الاسم عليه إلى  القرن الـ17، عندما فشل حاكم الجزائر في إقناع الفرنسيين بوقف العدوان، حينها أحضر أعضاء السلك الدبلوماسي الفرنسي في الجزائر وعددهم 13 وقذفهم من فوّهة "بابا مرزوق" الواحد تلو الآخر.

وكتب أبو القاسم سعد الله عن هذه الحادثة "كان الفرنسيون يسمونه (القنصلير) ويرتعدون منه إذا ذكر لهم، لأن الجزائريين في الماضي وضعوا في فوهته قنصل فرنسا (لوفاشي) سنة 1683 وقصفوه إلى البحر ثم كرّروا ذلك مع خليفة لوفاشي وهو بيول سنة 1688، أثناء قصف دوكيني قائد أسطول لويس الـ14 مدينة الجزائر".

وخلّد الجزائريون مدفع "بابا مرزوق" بإنتاج ثقافي وفني، منها أغنية "بابا مرزوق جا"، وديوان "بابا مرزوق سيد مدافع المحروسة" الشعري، الذي تم تحويله إلى ملحمة شعرية باللغة الشعبية المحلية، كُتبت على شكل حكاية.

خرائط التجارب النووية

مطلب آخر لم تبد السلطات الفرنسية أي اهتمام به ويتعلق بخرائط مخلفات التجارب النووية، التي أجرتها جنوبي الجزائر بين 1960 و1966 في منطقتي "رقان" و"إن إيكر" أقصى الجنوب الجزائر، والتي بلغ عددها 17 تجربة.

فمنذ سنتين دعا رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق سعيد شنقريحة، نظيره الفرنسي فرانسوا لوكوانتر، خلال استقباله في العاصمة الجزائر، إلى تسليم خرائط مخلفات التجارب النووية التي أجريت جنوبي الجزائر، لكن باريس، التي تعتبر هذا الأمر سرّا عسكريا، لم ترد إلى هذه اللحظة على الطلب الجزائري.

وجرت 11 من تلك التجارب بعد توقيع "اتفاقات إيفيان" عام 1962، التي قادت إلى استقلال الجزائر، وتضمنت بنودا تسمح لفرنسا باستعمال مواقع في الصحراء حتى عام 1966. 

وتسببت التجارب الفرنسية في مقتل 42 ألف جزائري وإصابة آلاف آخرين بإشعاعات نووية، منذ يوم إجرائها إلى الوقت الراهن، وتطالب الجزائر فرنسا بتعويضات في هذا الملف.

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

صورة من حي 'الملاح' بمراكش ـ 1946
صورة من حي 'الملاح' بمراكش ـ 1946

شغل حادث وفاة 15 شخصا بسبب تسمم ناتج عن تناولهم مشروب كحولي فاسد بمنطقة سيدي علال التازي، شمال العاصمة الرباط، الرأي العام المغربي وصل صداه إلى البرلمان وإلى العديد من الجمعيات الناشطة في مجال حماية المستهلك. 

وكانت المديرية الجهوية للصحة والحماية الاجتماعية بجهة الرباط سلا القنيطرة قد أكدت، في بيان رسمي، أنها أحصت من يوم الاثنين 3 يونيو إلى حدود الأربعاء الماضي 114 حالة تسمم جراء تناول كحول يحتوي على مادة "الميثانول"، مؤكدة حينها أن هؤلاء تعرضوا لـ"مضاعفات وخيمة".  

وقالت وسائل إعلام محلية إن المشروب الكحولي بيع للضحايا على أنه مشروب "الماحيا" (أو ماء الحياة) المحلي الصنع، بينما لم يكن سوى خمرا مغشوشا أضيفت له مادة "الميثانول" السامة التي تستعمل عادة في صناعة مواد التنظيف والعطور.  

فما المقصود بالماحيا؟ 

الماحيا أو ماء الحياة، مشروب اشتهر به يهود المغرب عبر التاريخ، وهو مشروب كحولي يتم استخلاصه من التين المجفف أو التمور أو الزبيب عن طريق التقطير. 

ويصف الباحث المغربي المتخصص في تاريخ يهود المغرب، أحمد شحلان، في كتابه " تاريخ اليهود المغاربة من منبت الأصول إلى رياح الفرقة"، المشروب بـ"القوي النكهة" مشيرا إلى أنه كان يصنع على نطاق محلي واسع حتى أن بعض مدن المغرب اشتهرت بجودتة دون أخرى. 

وكان هذا المشروب الذي كان يعد بالطرق التقليدية ويعتمد على الفواكه الجافة مع إضافة اليانسون للنكهة، يصنع في البيوت ويقدم في الأفراح وفي المناسبات الدينية التي تحرم على اليهود شرب النبيذ. 

ولم تشر الكتب التاريخية التي ركزت على تاريخ يهود المغرب إلى بدايات صناعة هذا المشروب، لكنها أجمعت أنه كان يستهلك بكثرة كاستهلاك المغاربة المسلمين للشاي. 

انتشر هذا المشروب بين فئات المجتمع اليهودي المغرب لثمنه الزهيد الذي كان عادة يقل بكثير عن سعر الخمور سواء كانت محلية الصنع أو مستوردة، ولكنه بقي داخل أسوار الملاح (الحي اليهودي القديم) ربما احتراما لمشاعر المسلمين ولم تغادره إلا بعد خضوع المغرب للحماية الفرنسية عام 1912. 

"أزيد من 227 يهوديا كانوا يتعاطون بشكل مباشر لصناعة وبيع الماحيا بمراكش عام 1903، وغالبا ما كان اليهود يتورطون في ارتكاب بعض المخالفات من فرط السكر (...) بغض النظر عن حالات الفوضى كانت الطوائف اليهودية تتساهل كثيرا مع مثل هذه السلوكات فهي لا ترى مانعا من الإفراط في الشرب في مناسبة مقدسة كالبوريم ما دام الأمر يتعلق بتنفيذ وصية ربانية"، يقول محمد الصديق أحمموشي في مقال بعنوان "الأعياد والاحتفالات الدينية عند يهود المغرب من خلال أرشيف الرابطة الإسرائيلية العالمية". 

وكانت صناعة هذا المشروب المحلي تقوم في بداياته على انتقاء أجود حبات "الشريحة" (التين المجفف) والتمر والزبيب، ثم تخزن في برميل أو تحت الأرض إلى أن تصل إلى درجة التخمر، ثم تطبخ المواد بعد ذلك في إناء من الألمنيوم موصول بأنبوب لاستخراج وتقطير عصير تلك المكونات. 

الماحيا بين المنع والشهرة

ومع وقوع المغرب في يد الحماية الفرنسية، أرادت فرنسا بسط سيطرتها على تجارة الماحيا بالمغرب، فعمدت في البداية إلى إصدار أوامر تمنع إعدادها خارج البيت قبل أن تعمد لاحقا على ربط صناعتها وإعدادها بضرورة الحصول على تراخيص خاصة من سلطات الحماية. 

وضع دفع الأسر اليهودية وخاصة المتاجرين منهم بالماحيا إلى تقطير هذا المشروب المسكر في معامل سرية متفرقة، وعرف المشروب إقبالا أيضا من لدن المسلمين بحكم معاشرتهم لليهود وقربهم منهم، وفق ما رواه محمد كنبيب، في كتابة يهود المغرب 1912- 1948. 

تأثرت صناعة وتجارية الماحيا بمختلف الأحداث التي شهدها المغرب، وعرفت منعا أو تسييرا وفق الأوضاع السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد، ونقل اليهود أسرار صناعتها إلى المغاربة المسلمين. 

وبقيت هذه الصناعة مستمرة بعد حصول المغرب على الاستقلال (1956) وحتى بعد هجرة آلاف اليهود المغاربة إلى إسرائيل منتصف الستينيات، كما حمل من هجر منهم تقنيات صناعتها إلى إسرائيل وأوروبا والولايات المتحدة. 

في عام 2016، برز اسم يهودي مغربي في الصحافة الأميركية يدعى دافيد ناحمياس، حيث تقاطرت المحطات الكبرى على معمله الصغير بنيويورك لمعاينة طرق صناعة وإنتاج المشروب الذي صار منذ ذلك الحين منافسا للماركات العالمية. 

ويستغل ناحمياس، المنحدر من تزناخت، جنوب شرق المغرب، المناسبات الدينية في الولايات المتحدة لتعريف بهذا المشروب الذي اشتهرت أسرته بإعداده أبا عن جد. 

وقال ناحمياس، في حوار سابق مع موقع "هسبريس" المحلي، إن تنظيم المغرب لعملية صناعة هذه المادة هو "الكفيل بالقضاء على الحوادث التي تشهدها البلاد وتودي أحيانا بحياة عديدين". 

وأضاف "إنه أمر محزن أن يموت مواطنون جراء هذا الأمر، والسبب من وجهة نظري غياب قانون منظم للأمر وإعداد المنتوج بشكل غير صحيح". 

المصدر: أصوات مغاربية