ليبيون أثناء تأدية رقصة محلية

ترمز رقصة "الكاسكا" التراثية الليبية للصراع الأزلي حول منابع المياه وتُعلي قيم المصالحة والسلام، وما زالت تؤدى في المناسبات والمهرجانات التراثية بشكلها وحركاتها الأصلية حتى اليوم، كما خلدتها النقوش على جدران الكهوف والمعابد الأثرية قبل آلاف السنين، فما هي حكاية "الكاسكا" الليبية؟

رقصة الحرب والماء 

تختلف الروايات حول أصل رقصة "الكاسكا" ومكان نشأتها، كما لا يعرف على وجه التحديد مصدر الاسم، لكنهم يتفقون على كونها من أقدم الرقصات في الفلكلور الليبي، كون منشئها يعود لقبائل ما قبل التاريخ التي كانت تعيش في شرق ليبيا، ثم انتشرت في الجنوب والجنوب الغربي، بحسب هؤلاء.

ومن الأسماء التي تطلق على هذ الرقصة "رقصة الحرب" و رقصة "الماء والعطش" وغيرها، لكنها تشتهر محلياً باسم "الكاسكا" وتؤدى جماعياً من قبل الرجال على إيقاعات مختلفة، تبعاً للمنطقة أو المناسبة، وتستخدم فيها الدفوف التي تعرف محلياً بـ"البندير" والطبول والمزامير أو آلات "الزكرة".

وغالباً ما يكون سيناريو رقصة "الكاسكا" متشابهاً، طبقاً للرواية التراثية المرتبطة بنشأتها، وهي فكرة الصراع حول منابع الماء في الصحراء.

ومع مرور الزمن وتغير الظروف أصبحت الرقصة تؤدى في المهرجانات والصالات المغلقة وفي شوارع المدن، دون الحاجة لتجسيد مشهد الصراع حول منبع الماء رغم أنها الفكرة الأساسية.

"الكاسكا" في النقوش التاريخية

ويشير المختصون في التراث الشعبي الليبي إلى أن رقصة "الكاسكا" من أقدم أنواع الفلكلور في العالم، كون أصولها تعود إلى القبائل التي كانت تقطن ليبيا منذ آلاف السنين.

وفي هذا الصدد، يشير المؤرخ الليبي، محمد كعبر، إلى أن "الكاسكا" جسدت في بعض النقوش الموجودة داخل كهوف جبال "تاسيلي" و"أكاكوس" في أقصى جنوب ليبيا منذ نحو 4 آلاف سنة، كما أنها ذكرت في كتابات الرومان والعرب.

ويلفت كعبر، في حوار تلفزيوني سابق عن تاريخ الرقصة، إلى أن من بين الدلالات التي تحملها "الكاسكا" أن "الغلبة دائماً لأهل البلد أو سكان المكان الأصليين الذين جاؤوا لنصرة الفتاة كما ترمز الرقصة".

وبحسب بعض المؤرخين، ظهر أول تصوير لهذه الرقصة على جدران المعابد المصرية قديما، حيث صور  الفراعنة جنودا من قبائل "التحنو" الليبية القديمة وهم يرقصون "الكاسكا" باستخدام العصي بدل السيوف قبل 5 آلاف سنة.

صراع الماء

وتبدأ الرقصة في الغالب بفتاة تدلي بدلوها في البئر وتخرجه مملوءاً بالماء ثم يخرج عليها شاب غاضب من قبيلة أخرى ليأخذ منها الجرة ويفرغها في البئر ويطرد الفتاة مهدداً متوعداً ثم يبدأ الرقص حارساً للبئر، وتستنجد الفتاة بشاب آخر من قبيلتها ليهرع إلى موقع البئر ويبدأ التحدي بينهما.

ومع اشتداد إيقاعات الآلات الموسيقية تبدأ المبارزة بين الشابين، ثم يتجمع رجال القبيلتين ويخوضون معركتهم من أجل الماء على وقع الطبول والدفوف والمزامير التي تختلط مع صوت قرع العصي أثناء المبارزة.

وتزداد شدة وسرعة رقصة "الكاسكا" مع زيادة سرعة الإيقاع، كما تشعلها زغاريد النساء والأهازيج المصاحبة حماسة، ما يدفع الراقصين لاستعراض قدراتهم على الرقص أو بالأحرى على القتال، لتصل "الكاسكا" ذروتها مع تحول الراقصين إلى دوائر يبارز فيها كل منهم الآخر.

وفي فيلم عمر المختار الشهير "أسد الصحراء" الذي انتج عام 1981، جسد المخرج مصطفى العقاد رقصة الكاسكا ضمن أحد مشاهد الفيلم العالقة في أذهان الكثيرين.

ومع زيادة حماس الراقصين يبدؤون في استعراض رشاقتهم وقدرتهم على المناورة من خلال التناوب بين مبارزة بعضهم البعض والضرب بعصيهم على الأرض تارة أخرى بشكل موحد ومتناغم.

ومع بلوغ الرقصة إلى ذروتها، يبرز الوسيط وهو عادة ما يكون شيخاً منحني الظهر يشير بعكازه للشباب ويأمرهم بالتوقف عن القتال، ليبدأ الصلح والعناق، وتنتهي المعركة بعودة الفتاة للبئر وملء دلوها بمساعدة الشاب الذي منعها في البداية.

ثم يستأنف راقصو "الكاسكا" الرقص على إيقاع الطبول من جديد ولكن في مشهد احتفالي يرمز إلى أهمية إعلاء قيم التصالح والسلام والمحبة والاستماع إلى صوت العقل والحكمة. 

وفي عام 2022، قدم مجموعة من الباحثين الليبيين ورقة علمية بعنوان "رقصة الكاسكا كأداة للسلام" ضمن مؤتمر  أقيم بالتعاون بين  صندوق الأمم المتحدة الإنمائي في ليبيا UNDP و الاتحاد الأورزبي والأمم المتحدة، حمل عنوان "الذاكرة التاريخية للدولة الليبية ودورها في بناء السلام والتماسك الاجتماعي".

 

 

المصدر : أصوات مغاربية 

مواضيع ذات صلة

المتهمون الستة خلال خلف القضبان أثناء إعادة محاكمتهم في 12 سبتمبر 2006 في محكمة طرابلس.
المتهمون الستة خلال خلف القضبان أثناء إعادة محاكمتهم في 12 سبتمبر 2006 في محكمة طرابلس.

في مثل هذا اليوم، 24 يوليو، من عام 2007، أُطلق سراح الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني الذين اتهموا بحقن 393 طفلا بفيروس الإيدز في مستشفى بمدينة بنغازي (شرق) عام 1998.

بدأت فصول هذه القضية المأساوية عندما تمّ الكشف عن إصابة عدد كبير من الأطفال بفيروس نقص المناعة البشرية، ثم وجهت الاتهامات إلى خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني بأنهم قاموا بحقن الأطفال بالفيروس عمدا، خلال تلقيهم العلاج من أمراض أخرى.

نفت الممرضات والطبيب جميع التهم جملة وتفصيلا، مؤكدين أنهم ضحايا لمؤامرة سياسية دبرها نظام العقيد معمر القذافي، بينما استندت المحاكم الليبية حينها إلى شهادات أشخاص قالوا إنهم شهدوا الممرضات وهن يخزنن قوارير الدم الملوث بفيروس نقص المناعة البشرية؛ وقد تعززت هذه الشهادات باعترافات قالت الممرضات منذ ذلك الحين إنها انتزعت منهن تحت التعذيب.

بداية القضية

في فبراير عام 1998، هزّ خبر صادم الرأي العام الليبي، حيث تمّ الكشف عن إصابة حوالي 400 طفل في مستشفى الفاتح بمدينة بنغازي بفيروس نقص المناعة البشرية (HIV).

وتحركت الحكومة الليبية لطلب المساعدة من منظمة الصحة العالمية، ففي سبتمبر 1998، تواصل الممثل الليبي لدى المنظمة مع أطباء من المستشفيات الجامعية في لوزان وجنيف بسويسرا، لتقييم 111 عينة مشفرة من مصل الأطفال المصابين.

وفي أبريل 1999، سلّمت الحكومة الليبية مجموعة أخرى من العينات. 

وفي خضم التحقيقات، تمّ اعتقال 19 عاملاً طبيا بلغاريا. وبعد فترة وجيزة، تمّ إطلاق سراح 13 من هؤلاء المتهمين، بينما بقي 6 منهم قيد الاحتجاز.

لم تقتصر الاعتقالات على البلغاريين فقط، بل شملت أيضًا عاملين طبيين من جنسيات مختلفة، منها المصريين، والبريطانيين، والفلبينيين، والمجريين، والبولنديين. وبفضل الجهود الدبلوماسية المكثفة التي بذلها ممثلو دول هؤلاء العمال، تم الإفراج عن جميع العاملين الأجانب لاحقًا. 

توصلت التحقيقات الليبية، في النهاية، إلى تورط خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني كانوا يعملون في مستشفى الفاتح للأطفال في بنغازي، في حقن أكثر من 400 طفل ليبي بدم ملوث بفيروس نقص المناعة البشرية. 

وقد أثار هذا الكشف صدمة عميقة في المجتمع الليبي ومتابعة إعلامية واسعة، وأدى إلى سلسلة من التطورات والتداعيات القانونية والسياسية والدبلوماسية.

ماراثون قضائي

في السابع من فبراير عام 2000، وقف المتهمون أمام محكمة في طرابلس بتهم خطيرة تشمل التآمر ضد الدولة الليبية والتسبب المتعمد في إصابة أطفال بفيروس نقص المناعة البشرية، وادعى ممثل الادعاء العام أن المتهمين قد تآمروا مع جهات استخبارات أجنبية لزرع وباء الإيدز في ليبيا، وهو ما اعتُبر مخططا خبيثا يستهدف زعزعة استقرار البلاد وإلحاق الضرر بشعبها. 

وفي الثاني من يونيو 2001، أدلت ممرضتان بلغاريتان بشهادات أمام المحكمة نفتا فيها الاتهامات الموجهة إليهما.

وكانت النيابة العامة قد اعتمدت على اعترافات هاتين الممرضتين كأدلة رئيسية في القضية، إلا أنهما زعمتا أن تلك الاعترافات قد انتزعت منهن تحت التعذيب.

ونفى المتهمون الآخرون جميع التهم الموجهة إليهم، مؤكدين على براءتهم.

وفي السابع عشر من فبراير عام 2002، أصدرت المحكمة حكمًا بتبرئة المتهمين من تهمة التآمر ضد الدولة الليبية. ومع ذلك، لم تبرئهم المحكمة بشكل كامل، بل أوصت بإعادة فتح القضية وإجراء محاكمة جديدة للنظر في تهم التسبب عمداً في وباء الإيدز من خلال حقن الأطفال بالدم الملوث، على حد وصفها.

وفي الثالث من سبتمبر عام 2003، أدلى عالم الفيروسات لوك أنطوان مونتانييه، الطبيب الفرنسي الذي شارك في اكتشاف فيروس نقص المناعة البشرية، بشهادة أمام محكمة بنغازي، مؤكدا أن الفيروس القاتل كان مُنتشراً في مستشفى بنغازي للأطفال قبل وصول الممرضات البلغاريات للعمل هناك في عام 1998.

ورغم ذلك وفي السادس من مايو عام 2004، وفي ختام الجلسة التاسعة عشرة من المحاكمة، أصدرت محكمة بنغازي حكمها بإدانة الممرضات البلغاريات الخمس والطبيب الفلسطيني.

وقضت المحكمة بتنفيذ عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص على المدانين الستة.

تداعيات القضية

أسفرت قضية الإيدز عن وفاة عشرات الأطفال، الأمر الذي أثار غضب أسرهم، ودفعهم إلى تشكيل قوة سياسية فعالة تطالب بالقصاص من المتهمين.

ووفقا لدبلوماسيين بلغاريين حينها، فإن الحكومة الليبية عرضت صفقة على بلغاريا، تقضي بتقديم عشرة ملايين دولار كـ"ديّة" عن كل طفل متوفى، مقابل تهدئة أسر المتهمين ومنحهم الحرية بموجب الشريعة الإسلامية، إلا أن بلغاريا رفضت هذا العرض، معتبرة إياه اعترافا بالذنب من جانبها، فضلاً عن كونه مبلغا باهظا من شأنه أن يُفلس الحكومة.

بعد فشل محاولاتها السابقة، أرسلت الحكومة الليبية مجموعة من الأطفال المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية إلى مستشفيات الأطفال الرائدة في أوروبا لتلقي العلاج.

وفي 2006، قالت مجلة "نيو إنغلاند جورنال أوف ميديسين" (The New England Journal of Medicine) إن المتهمين وجدوا أنفسهم في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، ففي 2005 وصفت ابنة إحدى الممرضات المدانات محنة والدتها بأنها "تجربة سريالية"، فهذه الأخيرة كانت تعيش في الريف البلغاري حينما قررت السفر إلى بنغازي للعمل في المستشفى الليبي مقابل 250 دولارا شهريا، رغبة منها في توفير المال لدفع رسوم الجامعة لابنتها.

وبعد مرور عام واحد فقط، وجدت نفسها وراء القضبان في أحد سجون ليبيا، متهمة من قبل نظام القذافي بالتجسس لصالح الاستخبارات الإسرائيلية.

وأضاف المجلة، في تقرير عام 2006، أن "الحكم تضمن نظرية رسمية مُفتعلة حول كيفية جلب الممرضات لفيروس نقص المناعة البشرية إلى بنغازي"، إذ "ادعت المحكمة أن إحدى الممرضات كانت العقل المدبر وراء خطة لنشر الفيروس، حيث قامت بتخزينه في 24 زجاجة ذات أغطية خضراء"، ثم "وعدت الطبيب الفلسطيني بالمشاركة في خطتها من خلال عرض زوجة بلغارية عليه و500 ألف دولار أميركي في حساب مصرفي سويسري".

وزعم شهود، وفقا لوثائق المحكمة، أن "القضية من تأليف الاستخبارات الإسرائيلية لأسباب سياسية ولإثارة الاضطرابات" في ليبيا.

وعلى الرغم من احتجاجات محامي الدفاع المتكررة على رفض المحكمة لأدلة علمية جوهرية، إلا أن القاضي أصر على أن مثل هذه البيانات "الفنية" لا تُعد سوى نوع واحد من الأدلة.

وخلال إعادة المحاكمة، رفضت المحكمة "طلبات إجراء فحوصات جديدة للتحقق من الحقائق الطبية" وفقًا لتقرير صادر عن وزارة الخارجية البلغارية حينها.

وصف الخبير في الأمراض المعدية فيتوريو كوليزي، من جامعة روما تور فيرغاتا، الأدلة العلمية المقدمة ضد الممرضات البلغاريات بأنها "غير منطقية تماما".

ويُعد كوليزي أحد العلماء الدوليين الذين زاروا ليبيا لدراسة تفشي فيروس نقص المناعة البشرية وعلاج الأطفال المصابين.

ويعتقد هذا الخبير الإيطالي أنه استنادا إلى الرسوم البيانية والفحوص التي حلّلها، فإن الوباء قد يكون بدأ بفيروس مختلف تم استيراده، مشيرا إلى أنه يوجد في ليبيا - حينها - 1.5 مليون عامل من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث تتجاوز معدلات الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية 10 في المئة.

ونظرا لأن إحصاءات الحكومة الليبية لفيروس نقص المناعة البشرية/ الإيدز لا تتضمن العمال المهاجرين الذين يعتمدون على مستشفيات ليبيا للعلاج، يعتقد كوليزي أن عاملا مصابا بفيروس نقص المناعة البشرية قد يكون زار مستشفى الفاتح، ما أدى إلى ولادة طفل مصاب بالفيروس.

ويُرجح أن الفيروس قد انتشر بعد ذلك إلى مرضى آخرين، خاصة مع وجود تقارير من منظمة الصحة العالمية عام 1999 تشير إلى ضعف ممارسات مكافحة العدوى في هذا المستشفى، في مؤشر يورط النظام بسبب الحالة الحرجة للمستشفيات.

وبعد تسع سنوات من المحن القضائية، عدّل المجلس الأعلى للقضاء الليبي أحكام الإعدام بحق بعض السجناء إلى السجن المؤبد في 17 يوليو 2007، وذلك بعد أن تراجع أهالي هؤلاء السجناء عن مطالبتهم بتنفيذ حكم الإعدام. بعدها بيومين، طلبت بلغاريا رسميا السماح للطاقم الطبي بقضاء عقوبتهم في بلغاريا. 

أخيرا، وفي 24 يوليو 2007، تم نقل الممرضات الخمس والطبيب الفلسطيني إلى بلغاريا، بعد ما يقرب من عشر سنوات من السجن. وعند وصولهم، أصدر الرئيس البلغاري عفوا شاملاً عن المتهمين.


 

المصدر: أصوات مغاربية