غرفة الرئيس غوميز
غرفة الرئيس البرتغالي الأسبق مانويل تيكسيرا غوميز في فندق "النجمة" بالجزائر تحولت إلى متحف صغير

خلال زيارته إلى البرتغال قبل يومين، تحدّث الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن رئيس برتغالي سابق اختار الجزائر منفى اختياريا له، فرارا من واقع سياسي بائس في بلاده خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.

فمن يكون هذا الرجل، الذي عاش "مجهولا" لعشر سنوات بالجزائر وأقام في غرفة فندقية بمدينة بجاية (شرق البلاد) لا تزال "ممنوعة" من التأجير لأي زائر إلى اليوم؟ 

المولد والحياة السياسية

يتعلّق الأمر بالرئيس السابق للبرتغال مانويل تيكسيرا غوميز، الذي حكم البلاد بين 1923 و1925.

ولد في 27 مايو 1862 بالبرتغال، درس الطب لكنه لم يواصل تكوينه، فلقد كان مولعا بالكتابة والسياسة، ومن الحالمين بإقامة نظام جمهوري في بلد يحكمه نظام ملكي منذ قرون.

كان غوميز من بين الذين عملوا بالقلم على توعية الشعب بضرورة الثورة، فكتب في جريدة "الكفاح" المناهضة لنظام الحكم.

في 5 أكتوبر 1910 ثار الشعب البرتغالي وتمكن من الإطاحة بالنظام الملكي، وقامت "الجمهورية الأولى"، وكان من ثمار الثورة على غوميز تعيينه سفيرا لبلاده في بريطانيا بين 1911 و1918.

بعدها شغل مناصب عدة منها؛ ممثلا للبرتغال في عصبة الأمم، ونائب رئيس الجمعية العامة لعصبة الأمم في سبتمبر 1922.

في أكتوبر 1923 انتخب غوميز رئيسا للبرتغال وترأّس أيضا "الحزب الديمقراطي البرتغالي"، لكن فترة حكمه كانت قصيرة جدا، إذ استقال بعد سنتين (ديسمبر 1925) بعدما اكتشف محاولات للانقلاب عليه واعتقاله وربما اغتياله، فقرر تسليم السلطة لكن دون أن يلفت الانتباه إلى ما يعتزم القيام به.. لقدقرر الرحيل من البلاد لينجو بجلده. 

الرحيل المثير إلى الجزائر

لا يعلم أحد لماذا اختار الجزائر لكن طريقة وصول غوميز إلى هذا البلد، الذي كان تحت الاستعمار الفرنسي حينها كانت مثيرة فعلا، إذ استقل الباخرة الهولندية "زوس" دون أن تكون بحوزته وثائق تثبت هويته ومن دون أن يكون معه أيّ مُرافق.. لقد غادر بلاده في سرية نحو مدينة بجاية شرقي الجزائر، تاركا وراءه ابنتيه وزوجته.

لدى وصوله إلى بجاية حجز الوافد الجديد غرفة في فندق "النجمة" وكان رقم الغرفة 13، ولم يكن أحد يدري بأن المقيم الجديد هو رئيس البرتغال المستقيل.

إلى جانب مدينة بجاية، التي كان يتجول فيها بكل حرية، زار غوميز الصحراء ومدنا أخرى، وفي بجاية كتاب ثلاث روايات أبرزها "ماريا أديلاييد" (1938) وهي من روائعه الأدبية، التي دوّن فيها قصة حب جمعته براقصة في مدينة عنابة شرقي الجزائر تدعى "ماريا أديلاييد"، ثم غادرت ولم يلتقيا بعدها أبدا.

لم يُكتشف أمر غوميز إلا بعد أن زاره صحافي برتغالي في الفندق وأجرى معه حوارا، وقد أخبر الصحافي بعض عمّال الفندق بحقيقة المقيم في "الغرفة 13" وبعد نشر الحوار في البرتغال اكتشف الرأي العام هناك مصير رئيسه السابق، لكن الحوار نشر في وقت متأخر إذ كان غوميز منهكا صحيا ولم يطل به الأمر حتى وافته المنيّة.

وفاة غوميز.. فيلم شهير يخلّده

في العام 1941 توفي غوميز في غرفته، التي حلّ بها قبل 10 سنوات فارا بجلده من مصير مجهول في بلاده.. توفي "الرئيس الأديب" - كما يُلقّب - في الجزائر وفيها اختار أن يدفن (دفن في المقبرة المسيحية ببجاية)، وبطلب من عائلته نقلت رفاته العام 1950 إلى بلده الأصلي.

وإلى اليوم لاتزال "الغرفة 13" محافظة على شكلها الذي تركها عليه غوميز يوم وفاته، فحوّلها مالك فندق "النجمة" إلى متحف صغير يحوي أغراض ومقتنيات الرئيس البرتغالي الأسبق وهي؛ سرير حديدي قديم، ومرآة معلّقة على الجدار ومغسلة لليدين وطاولة، كما تطل الغرفة على ساحة المدينة ومينائها، ولم يعد مسموحا بتأجير الغرفة لأحد، فتحوّلت إلى مزار لأدباء ومثقفين من الجزائر والبرتغال.

في سنة 2006 - وباتفاق بين سلطات البلدين - نُصب مجسّم نصفيّ لغوميز في ساحة قريبة من الفندق، وحضر المراسيم أفراد من عائلة غوميز.

تواصَل احتفاء الجزائر والبرتغال بالرئيس الراحل، فأنتج البلدان فيلما مشتركا يروي حياة غوميز بعنوان "زوس"، وهو اسم الباخرة الهولندية التي أقلّته إلى الجزائر يوم فراره.

أخرج الفيلم وأنتجه المخرج البرتغالي باولو فيليب مونتيرو، وعرض لأول مرّة في البرتغال العام 2016 بحضور الرئيس البرتغالي الحالي مارسيلو ربيلو دي سوزا، ثم عرض في "أوبِرا الجزائر" سنة 2017 بحضور ممثلين من سلطات البلدين.

وفي العام 2017 تحصل "زوس" على الجائزة الكبرى للمهرجان الدولي الـ14 "للسينما والمهجر" في مدينة أغادير بالمملكة المغربية.

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

قوس صخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا
قوس "افازاجار" الصخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا

تشتهر جبال أكاكوس في أقصى جنوب غرب ليبيا بطبيعتها الصخرية غريبة التكوين وطبيعتها الصحراوية، لكن ما يميزها هو النقوش التي تصور المنطقة في عصور غابرة والتي صنفت كموقع للتراث العالمي.

وتقع جبال أكاكوس أو تدرارت أكاكوس، كما تعرف باللغة المحلية، ضمن نطاق الصحراء الكبرى بالقرب من مدينة "غات" قرب الحدود الفاصلة بين ليبيا والجزائر والنيجر.

متحف مفتوح 

ورغم طبيعتها الصحراوية القاحلة تتوفر منطقة أكاكوس على مناظر طبيعية ساحرة كما توجد بها بعض أنواع النباتات التي تنموا محلياً إضافة إلى حيوانات نادرة يعتبر بعضها مهدد بالانقراض.

لكن ما يميز المنطقة هو التكوينات الرملية والصخرية النادرة بفعل نحت الرياح ما ادى عبر الزمن إلى تشكل أقواس صخرية وأحجار ضخمة بأشكال مختلفة، ومن بينها المواقع الموجودة بمنطقة قوس "افازاجار" وقوس "تن خلجة".

غير أن شهرة جبال "أكاكوس" تتأتى من الرسومات والمنحوتات على الصخور وجدران كهوفها القديمة التي تنقل صورة لما كان عليه ذلك الجزء من الصحراء الكبرى قبل عشرات آلاف السنين.

ونظراً لأهمية التي تعكسها اللوحات والمنحوتات المذكورة، إذ يعود تاريخ بعضها إلى 21 ألف سنة، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) منطقة أكاكوس موقعا للتراث العالمي منذ عام 1985 

حيوانات لم تعد موجودة

وفضلاً عن قيمتها السياحية، يعد العلماء منطقة أكاكوس مكتبة أثرية توثق لظاهرة التغير المناخي والبيئي الذي طرأ على المنطقة عبر العصور. 

ومما يؤشر على ذلك التغيير هو أنواع الحيوانات التي صورها الإنسان القديم على كهوف وصخور المنطقة والتي لا يعيش بعضها إلا في بيئات السافانا والمناطق المتوفرة على المياه.

وتشتمل تلك النقوش على صور لحيوانات ضخمة لم تعد موجودة في بيئة الصحراء الكبرى حالياً ومن بينها الفيلة والزرافات والأحصنة وبعض أنواع الأبقار البرية والنعام وغيرها. 

وبالإضافة للحيوانات وثقت رسومات جبال أكاكوس للإنسان الذي عاش في تلك المنطقة قبل آلاف السنين ورسمته في وضعيات مختلفة يعتقد أنها مرتبطة بالطقوس الدينية أو بالسحر وبالحياة اليومية في منطقة يعتقد العلماء أنها كانت تختلف تماماً عما هي عليه اليوم. 

 

المصدر: أصوات مغاربية