الأمير إدريس السنوسي (قبل إعلان الاستقلال) يخاطب أهالي طرابلس من شرفة قصره بالمدينة في 19 مايو 1951 ،وورائه يقف محمود المنتصر، أول رئيس وزراء لليبيا بعد الاستقلال
الملك إدريس السنوسي تربع على عرش ليبيا عام 1951 وبقي في الحكم 18 عاما

في مثل هذا اليوم (25 ماي) من عام 1983 توفي ملك ليبيا السابق محمد إدريس السنوسي في منفاه الاختياري بالعاصمة المصرية القاهرة، بعد سيرة حياة حافلة اختتمها بالجلوس على عرش ليبيا كأول حاكم لهذا البلد بعد استقلاله عن الاستعمار الإيطالي وخروج قوات الحلفاء منه عقب الحرب العالمية الثانية. 

واعتلى الملك السنوسي عرش المملكة الليبية المتحدة في ديسمبر عام 1951، وحكم 18 عاما، كانت مليئة بالتحولات السياسية والتحديات في بلد خرج للتو منهكاً من حقبة الاستعمار الأجنبي وبدأ يتلمس طريقه نحو التنمية، قبل أن ينقلب عليه العقيد معمر القذافي في الفاتح من سبتمبر سنة 1969.

في هذا التقرير نتعرف على سيرة الملك إدريس السنوسي، الذي يحظى باحترام غالبية الليبيين ويصفونه  بـ "الملك الصالح" الذي حرر ليبيا وأسسها، فيما يتهمه معارضوه من أنصار القذافي بأنه "عميل" سمح بإقامة القواعد الأجنبية في بلاده.

المولد والنشأة

ولد "ادريس السنوسي" واسمه الكامل محمد إدريس بن المهدي بن محمد بن علي السنوسي الخطابي الإدريسي، بزاوية "الجغبوب" جنوب شرقي ليبيا في 12 مارس 1890، ونشأ في كنف أبيه الذي كان قائما على أمر الدعوة السنوسية في ليبيا (دعوة أصولية ذات طبيعة صوفية)، والتحق بالكتّاب وأتم حفظ القرآن في سن مبكرة، ثم انتقل إلى الكفرة أقصى جنوب شرق وهناك واصل تعليمه على يد ثلة من العلماء.

 

الملك إدريس السنوسي رفقة زوجته فاطمة الشريف - إرشيف

بعد وفاة والده، كفله ابن عمه أحمد الشريف، الذي كان زعيماً للحركة السنوسية التي قادت ونظمت قتال الليبيين ضد المستعمر الإيطالي وكان من بين من تربى في زواياها قائد المقاومة عمر المختار . 

وفي عام 1916 تولى إدريس السنوسي زعامة الحركة السنوسية من أحمد الشريف، ودخل على إثر ذلك في سلسلة مفاوضات مع الإيطاليين بوساطة بريطانية حول عدة بنود من أهمها وقف القتال والاعتراف بإدريس السنوسي أميراً على "برقة"، الاسم الذي يطلق على كامل شرق ليبيا التاريخي. 

ومن بين المفاوضات التي خاضها الطرفان مفاوضات  "الزويتينة" قرب مدينة اجدابيا عام 1916، و مفاوضات "عكرمة" في ضواحي مدينة طبرق عام 1917، ثم مفاوضات "الرجمة" قرب بنغازي عام 1920، والتي تم الاتفاق فيها على إيقاف العمليات الحربية وأن يكوّن إدريس السنوسي حكومة ذاتية  على مناطق سيطرة الحركة السنوسية في واحات الجغبوب وجالو والكفرة ويكون مقرها في إجدابيا. 

ورغم الاتفاق لم تستمر "حكومة أجدابيا" طويلا بسبب تنصل إيطاليا من تعهداتها، فقرر إدريس السنوسي الرحيل إلى مصر، وكلف شقيقه الأصغر، محمد الرضا، وكيلا على إدارة شؤون الحركة السنوسيّة في برقة، وعيّن عمر المختار نائبا له وقائدا للمقاومة العسكرية في نوفمبر 1922، مكتفياً لنفسه بإدارة الملف السياسي من مصر.

أمير "إمارة برقة" 1949

واستمر المقام بإدريس السنوسي في مصر فيما اتخذت المقاومة ضد الإيطاليين بقيادة عمر المختار بعداً آخر أكثر شراسة حتى خفتت بعد إعدام المختار في 16 سبتمبر 1931.

وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، تحالف السنوسي مع قوات الحلفاء وعقد اتفاقا مع البريطانيين، وفي 9 أغسطس 1940 أعلن عن تأسيس الجيش السنوسي عقب توجيه دعوة إلى الزعماء الليبيين الذين التحقوا به في مصر.

وفي نفس الشهر استأنف الجيش السنوسي مقاتلة الإيطاليين مدعوماً بقوات الحلفاء، ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة الإيطاليين، عاد إدريس السنوسي إلى ليبيا التي تحولت آنذاك إلى إدارة الاطراف المنتصرة وتحديداً الإدارة البريطانية في برقة والفرنسية في الجنوب.

وفي 1 مارس 1949 وخلال مؤتمر وطني عقد في بنغازي أعلن ادريس السنوسي عن قيام  إمارة مستقلة  في إقليم برقة  تحت اسم "إمارة برقة" بدعم من المملكة المتحدة آنذاك.

 ملك "المملكة الليبية المتحدة" 1951 - 1969

وشكلت "إمارة برقة" مظلة وأساساً لاتحاد بقية أقاليم البلاد فيما بعد تحت دولة واحدة، بعد أن قرر زعماء وأعيان إقليمي طرابلس (غرب) وفزان (جنوب) الانضمام للأمير أدريس السنوسي في برقة.

وفي 21 نوفمبر 1949  قامت بريطانيا وفرنسا بإعداد قرار لاستقلال ليبيا في الأمم المتحدة، لكن إعلان الاستقلال الفعلي تأخر  لأسباب من بينها استكمال المفاوضات مع زعماء إقليمي طرابلس والتي أثمرت عن تأسيس أول "جمعية وطنية" تضم جميع الولايات الليبية (برقة وطرابلس وفزان) في نوفمبر 1950.

لم تكن فترة حكم الملك إدريس السنوسي رحلة سلسة في بداياتها فإعلان استقلال ليبيا،  جاء في فترة عاصفة في المنطقة العربية التي كانت تشهد تحولات جذرية، يضاف إلى ذلك أن ليبيا خرجت من مرحلة الاستعمار دولة فقيرة ومنهكة قبل اكتشاف البترول والتمكن من استغلال عائداته مطلع ستينيات القرن الماضي. 

وبالرغم من صعوبة الظروف، يحسب للملك إدريس عدة إنجازات منها ضمان درجة من الحريات كالصحافة وحرية التعبير وإبداء الرأي وانتقاد السلطة، وكان البرلمان يقوم بدوره والانتقال بين الحكومات كان يتم بالطرق السلمية حيث تشكلت 11 حكومة طيلة فترة حكمه التي استمرت في 18 عاما.

كما اهتم الملك إدريس بالصحة والتعليم، فأنشأت في عهده  المدارس وافتتحت الجامعة الليبية وكلية عسكرية بوصفها بدايات لمشروع الدولة الفتية حيث أنتجت هذه الحقبة كوادر سياسية وأكاديمية هامة في البلاد.

نهاية حكمه ووفاته

وخلال ارتفاع مد القومية العربية والعداء للاستعمار في المنطقة تأثرت ليبيا وشهدت قلاقل داخلية بسبب التأثر بتلك الموجة التي بدأت بصعود الناصريين في مصر  وبلغت ذروتها مع الهزيمة التي لحقت بالعرب في حربهم مع إسرائيل عام 1967.

وتبعاً لتلك الموجة اتهمت قيادات عسكرية ومدنية داخلية بمعاداة الملكية في ليبيا والقيام بعمليات تخريبية طالت قطاع النفط في البلاد، كما شهدت ليبيا تحركات داخلية من ومحاولات ومؤامرات للانقلاب على الحكم تأثراً بتلك الفترة.

ومع اقتراب نهاية فترة حكمه عرف عن الملك نزعته للزهد في الحكم والتي توجها بالخروج من البلاد في "رحلة علاج" إلى اليونان ومن هناك أرسل استقالته وتنازله عن عرش ليبيا، وقبل عرض الاستقالة على البرلمان بيوم واحد، وتحديدا في 1 سبتمبر 1969، قامت مجموعة من الضباط بقيادة القذافي بإعلان الانقلاب على النظام الملكي.

وفي نوفمبر عام 1971 حُكم على الملك إدريس غيابياً بالإعدام من قبل "محكمة الشعب".

علياء عبد القادر لملوم، زوجة الملك إدريس الثانية، ، بعد حفل في 5 يونيو 1955، وكان من المؤمل أن تنجب وريثاً للعرش الليبي

وبعد فترة نقاهة قضاها في اليونان انتقل الملك إدريس إلى منفاه الاختياري بمصر
ومكث هناك مع زوجته الملكة، فاطمة أحمد الشريف حتى وفاته في 25 مايو 1983، ,من ثم نقل جثمانه ليدفن بمقبرة البقيع في السعودية، بناء على وصيته.

ولم يترك الملك إدريس أبناء من بعده رغم زواجه مرتين، الأول من فاطمة الشريف عام 1934، وهي ابنة ابن عمه زعيم الحركة السنوسية السابق أحمد الشريف، والزواج الثاني من علياء عبد القادر لملوم ابنة رجل أعمال من قبيلة "الفوايد" الليبية المقيمة في مصر والتي تزوجها عام 1955. 

ولم يتبقى من عائلة الملك الراحل إلا فرع صغير يعد أبرزهم في الصورة حالياً محمد السنوسي، نجل حسن الرضا السنوسي، ابن أخ الملك إدريس، والذي كان يحمل لقب ولي عهد ليبيا إبان فترة المملكة.

المصدر: أصوات مغاربية 

مواضيع ذات صلة

قوس صخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا
قوس "افازاجار" الصخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا

تشتهر جبال أكاكوس في أقصى جنوب غرب ليبيا بطبيعتها الصخرية غريبة التكوين وطبيعتها الصحراوية، لكن ما يميزها هو النقوش التي تصور المنطقة في عصور غابرة والتي صنفت كموقع للتراث العالمي.

وتقع جبال أكاكوس أو تدرارت أكاكوس، كما تعرف باللغة المحلية، ضمن نطاق الصحراء الكبرى بالقرب من مدينة "غات" قرب الحدود الفاصلة بين ليبيا والجزائر والنيجر.

متحف مفتوح 

ورغم طبيعتها الصحراوية القاحلة تتوفر منطقة أكاكوس على مناظر طبيعية ساحرة كما توجد بها بعض أنواع النباتات التي تنموا محلياً إضافة إلى حيوانات نادرة يعتبر بعضها مهدد بالانقراض.

لكن ما يميز المنطقة هو التكوينات الرملية والصخرية النادرة بفعل نحت الرياح ما ادى عبر الزمن إلى تشكل أقواس صخرية وأحجار ضخمة بأشكال مختلفة، ومن بينها المواقع الموجودة بمنطقة قوس "افازاجار" وقوس "تن خلجة".

غير أن شهرة جبال "أكاكوس" تتأتى من الرسومات والمنحوتات على الصخور وجدران كهوفها القديمة التي تنقل صورة لما كان عليه ذلك الجزء من الصحراء الكبرى قبل عشرات آلاف السنين.

ونظراً لأهمية التي تعكسها اللوحات والمنحوتات المذكورة، إذ يعود تاريخ بعضها إلى 21 ألف سنة، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) منطقة أكاكوس موقعا للتراث العالمي منذ عام 1985 

حيوانات لم تعد موجودة

وفضلاً عن قيمتها السياحية، يعد العلماء منطقة أكاكوس مكتبة أثرية توثق لظاهرة التغير المناخي والبيئي الذي طرأ على المنطقة عبر العصور. 

ومما يؤشر على ذلك التغيير هو أنواع الحيوانات التي صورها الإنسان القديم على كهوف وصخور المنطقة والتي لا يعيش بعضها إلا في بيئات السافانا والمناطق المتوفرة على المياه.

وتشتمل تلك النقوش على صور لحيوانات ضخمة لم تعد موجودة في بيئة الصحراء الكبرى حالياً ومن بينها الفيلة والزرافات والأحصنة وبعض أنواع الأبقار البرية والنعام وغيرها. 

وبالإضافة للحيوانات وثقت رسومات جبال أكاكوس للإنسان الذي عاش في تلك المنطقة قبل آلاف السنين ورسمته في وضعيات مختلفة يعتقد أنها مرتبطة بالطقوس الدينية أو بالسحر وبالحياة اليومية في منطقة يعتقد العلماء أنها كانت تختلف تماماً عما هي عليه اليوم. 

 

المصدر: أصوات مغاربية