The Rue De La Casbah, in one of the old quarters of the city of Tunis, Tunisia on March 12, 1958. In the background is a…
صورة قديمة تظهر جانبا من المدينة العتيقة بتونس- أرشيف

تحتفظ المصادر التاريخية بسلسلة طويلة من الصدامات بين المؤسسة الملكية والتونسيين قبل إعلان الجمهورية في 25 يوليو 1957.

لكن تلك العلاقات الصدامية لا تخلو من بعض الاستثناءات من ذلك فترة محمد المنصف باي الذي يوصف بـ"ملك الشعب" و"باي الشعب".

فكيف تمكن المنصف باي من كسب قلوب التونسيين؟ وماهي القرارات التي اتخذتها وجعلته عرضة لغضب المحتل الفرنسي الذي أرغمه عن التخلي عن عرشه قبل نفيه خارج البلاد؟

من هو المنصف باي ؟

ولد محمد المنصف باي في مارس 1881 قبيل نحو شهر من توقيع باي تونس في ماي من العام ذاته على معاهدة "الحماية" التي مهدت للاستعمار الفرنسي.

زاول المنصف باي تعليمه في المعهد الصادقي ما سمح له بالاختلاط بأبناء طبقات مجتمعية مختلفة.

تلقى الرجل الذي سيصبح لاحقا ملكا لتونس تعليما مزودجا تضمن العلوم الدينية واللغتين العربية والفرنسية.

تدرج المنصف باي  لاحقا في المناصب الإدارية ليتم تعيينه بداية في منصب المستشار الخاص للناصر باي وقد كُلّف خلال تلك الفترة بتمثيله في المواكب والتظاهرات الرسمية وهو منصب سمح له بالاختلاط بأبرز قادة الحكم آنذاك.

في مارس 1943 عين بايا على تونس خلفا لعمه لكن بقاءه في ذلك المنصب لم يدم طويلا إذ خلعه الاستعمار بعد 11 شهرا وتم عقب ذلك نفيه إلى الجزائر ثم إلى مدينة "بو" الفرنسية التي توفي فيها عام 1948.

من القصور إلى المنفى

صعد المنصف باي إلى سدة الحكم في يونيو 1942 في ظرفية دولية متقلبة مع اشتداد معارك الحرب العالمية الثانية.

تقول المصادر التاريخية إن الفرنسيين اتهموا المنصف باي بالتعاون مع جيوش المحور أساسا والألمان خصوصا ليسارعوا إلى عزله من منصبه بعد 11 شهر فقط وتحديدا في ماي 1943.

تقول الباحثة في التاريخ سكينة عصامي في دراسة منشورة على الأنترنت إن "الشعب التونسي تأثر شديد التأثر لعزل المنصف باي ووقع العرائض يطالب بإرجاعه.. وأصبح رمزا للسيادة التونسية وقاعدة التف حولها الوطنيون والدستوريون".

وتضيف عصامي "تكونت جبهة ضمت الدستوريين .. والوطنيين المستقلين والزيتونيين وأعضاء المجلس الكبير وأصدقاء المنصف باي وأمراء العائلة الحسينية كونوا الحركة المنصفية التي تجاوز صداها البلاد التونسية".

من جانبه، يقول المؤرخ والأستاذ بالجامعة التونسية علية عميرة الصغير في تصريح لـ"أصوات مغاربية" إنه "تحت الضغط الفرنسي خضع المنصف باي للمساعي الفرنسية بخلعه من عرشه قبل نفيه إلى جنوب الجزائر ليمضي لاحقا في يوليو 1943 وثيقة التنازل عن منصبه وتخليه الطوعي لخلفه الأمين باي".

ويتابع الصغير "لم يتم رمي المنصف باي في صحراء دون أكل وشرب بل بالعكس فقد نُقل من الجزائر إلى فرنسا حيث خصص له في مدينة "بو" نزل قديم تمت تهيئته كمقر إقامة له".

ووفق الشهادة ذاتها، فقد اصطحب المنصف باي في منفاه الفرنسي عائلته وطبيبا وطباخا ليعيش "معززا مكرما"، وقد خصص له مدخول مالي.

ورغم محاولة بعض التونسيين تهريبه من منفاه إلى مصر فقد رفض المنصف باي هذه المحاولة متعللا بوضعه الصحي وخوفا من المجهول، حسب الصغير.

عاش المنصف باي في المنفى حتى وفاته ليوصي بأن يدفن في مقبرة الجلاز مع "أبناء الشعب" بعيدا عن المقبرة المخصصة للبايات والأمراء.

يصف الصغير جنازة المنصف باي بـ"المهيبة"، قائلا "لقد استقبل جثمانه عدد كبير للغاية من التونسيين في ميناء حلق الوادي كباي وطني ضحى بعرشه من أجل الوطن".

"رمز للسيادة" 

يذكر المؤرخ التونسي علية عميرة الصغير العديد من الخصال التي صنعت "أسطورة" المنصف باي في الذاكرة الشعبية من ذلك إلغاء عادة تقبيل أيدي الملوك واستبدالها بالمصافحة.

ويأتي المؤرخ علية عميرة الصغير  على مواقف أكبر رسّخت صورة المنصف باي كـ"شخصية وطنية" من ذلك مطالبته المستعمر الفرنسي بإقحام المزيد من التونسيين في المناصب الإدارية وإقرار المساواة في الأجور.

واستغل المنصف باي تراجع قوة فرنسا عالميا وانشغالها بالصراع مع الألمان ليشكل حكومة تونسية عين فيها العديد من الشخصيات التي تحظى بمكانة بارزة في المخيال الشعبي التونسي من ذلك محمود الماطري.

ومن وجهة نظر عميرة فإن "المنصف باي ليس بتلك الصورة التي يحملها عنه التونسيون لكنه حاول القيام في حدود صلاحياته وهوامش المناورة التي يملكها بإجراءات لصالح أبناء بلده".

وتتفق الباحثة سكينة عصامي مع هذا الطرح، إذ تقول في الدراسة المنشورة على الأنترنت إن " المنصف باي عرف بشجاعته وحبه لوطنه  وخاصة تعاطفه مع زعماء الحركة الوطنية فأصبح رمزا للسيادة ومن البداية كانت مواقفه الوطنية واضحة وفتح باب قصره لاستقبال الناس والنظر في مشاغلهم".

  • المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

قوس صخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا
قوس "افازاجار" الصخري بمنطقة جبال أكاكوس جنوب غرب ليبيا

تشتهر جبال أكاكوس في أقصى جنوب غرب ليبيا بطبيعتها الصخرية غريبة التكوين وطبيعتها الصحراوية، لكن ما يميزها هو النقوش التي تصور المنطقة في عصور غابرة والتي صنفت كموقع للتراث العالمي.

وتقع جبال أكاكوس أو تدرارت أكاكوس، كما تعرف باللغة المحلية، ضمن نطاق الصحراء الكبرى بالقرب من مدينة "غات" قرب الحدود الفاصلة بين ليبيا والجزائر والنيجر.

متحف مفتوح 

ورغم طبيعتها الصحراوية القاحلة تتوفر منطقة أكاكوس على مناظر طبيعية ساحرة كما توجد بها بعض أنواع النباتات التي تنموا محلياً إضافة إلى حيوانات نادرة يعتبر بعضها مهدد بالانقراض.

لكن ما يميز المنطقة هو التكوينات الرملية والصخرية النادرة بفعل نحت الرياح ما ادى عبر الزمن إلى تشكل أقواس صخرية وأحجار ضخمة بأشكال مختلفة، ومن بينها المواقع الموجودة بمنطقة قوس "افازاجار" وقوس "تن خلجة".

غير أن شهرة جبال "أكاكوس" تتأتى من الرسومات والمنحوتات على الصخور وجدران كهوفها القديمة التي تنقل صورة لما كان عليه ذلك الجزء من الصحراء الكبرى قبل عشرات آلاف السنين.

ونظراً لأهمية التي تعكسها اللوحات والمنحوتات المذكورة، إذ يعود تاريخ بعضها إلى 21 ألف سنة، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (يونسكو) منطقة أكاكوس موقعا للتراث العالمي منذ عام 1985 

حيوانات لم تعد موجودة

وفضلاً عن قيمتها السياحية، يعد العلماء منطقة أكاكوس مكتبة أثرية توثق لظاهرة التغير المناخي والبيئي الذي طرأ على المنطقة عبر العصور. 

ومما يؤشر على ذلك التغيير هو أنواع الحيوانات التي صورها الإنسان القديم على كهوف وصخور المنطقة والتي لا يعيش بعضها إلا في بيئات السافانا والمناطق المتوفرة على المياه.

وتشتمل تلك النقوش على صور لحيوانات ضخمة لم تعد موجودة في بيئة الصحراء الكبرى حالياً ومن بينها الفيلة والزرافات والأحصنة وبعض أنواع الأبقار البرية والنعام وغيرها. 

وبالإضافة للحيوانات وثقت رسومات جبال أكاكوس للإنسان الذي عاش في تلك المنطقة قبل آلاف السنين ورسمته في وضعيات مختلفة يعتقد أنها مرتبطة بالطقوس الدينية أو بالسحر وبالحياة اليومية في منطقة يعتقد العلماء أنها كانت تختلف تماماً عما هي عليه اليوم. 

 

المصدر: أصوات مغاربية