انتخاب موريتانيا 1992
موريتانيا شهدت أول انتخابات رئاسية في ديسمبر 1992 وفاز فيها معاوية ولد الطايع بنسبة 62.65%

عاشت موريتانيا خلال شهر ماي الجاري انتخابات أثارت الكثير من الجدل بسبب الحديث عن "خروقات" و"تزوير" أرجعهما البعض لحداثة سن الديمقراطية في هذا البلد المغاربي الذي شهدت أول تجربة انتخابية قبل نحو ثلاثة عقود فقط. 

ورغم تمتع البلاد بسقف حريات "جيد" مقارنة بنظيراتها في منطقة الشمال والساحل الأفريقي، وصنفها التقرير الأخير لحرية الصحافة في العام 2022 الثالثة على المستوى العربي، يعد الكثيرون تجربتها الديمقراطية بأنها ما زالت في طور النمو. 

ثلاث عقود من التعددية

لم تعش موريتانيا أجواء التعددية الحزبية إلا في مطلع تسعينيات القرن الماضي رغم وجود أحزاب سياسية عايشت نشأة الدولة، وواكبت التيارات الفكرية التي كانت سائدة في المشهد السياسي العربي والعالمي. 

وتعود نشأة الأحزاب السياسية بشكل رسمي في موريتانيا إلى عهد الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع (82 عاما) الذي حكم البلاد منذ عام 1984 حتى أطيح به في انقلاب عسكري أبيض سنة 2005. 

وأعلنت البلاد من خلال دستور يوليو 1992 عن نظام تعددي أجريت بموجبه أول انتخابات رئاسية في ديسمبر من نفس السنة، وفاز فيها ولد الطايع بنسبة 62.65%، لكن أحزاب المعارضة شككت في النتائج وذكرت أن الانتخابات زورت على نطاق واسع.

وأعيد انتخاب الرئيس الأسبق لهذا البلد المغاربي الذي حكم البلاد للمدة الأطول في اسحقاقات تليت ذلك في عامي 1997 و 2003، واقترنت بكل هذه النتائج مزاعم بـ"التزوير" و"الفساد". 

ويعيد بعض الخبراء في الشأن الموريتاني الفضل في التشكيل الحالي للديمقراطية في البلاد إلى التجارب التي سبقت عهد التعددية الحزبية، كما يعدون تلك التجارب مسؤولة بدرجة "كبيرة" عن مرحلة النمو الحالية رغم قوة العسكر وتمددهم في المشهد. 

تجارب الحزب الواحد

وفي هذا السياق يقول المحلل السياسي محمد عبد الله، إن الأحزاب الموريتانية "ظلت متعددة منذ نشأة الدولة وما قبل الاستقلال" رغم منعها بحكم القانون. 

ويضيف في حديث لـ"أصوات مغاربية" إنه في تلك الفترة كانت هناك "أحزاب بخلفيات قومية ذات امتدادات في المغرب العربي والوطن العربي عموما". 

 وبالإضافة إلى ذلك ذكر المتحدث نفسه تجارب مثل  "حزب النهضة الوطنية ذي التعاطف مع مصر الناصرية وصاحب العلاقات مع الحزب الدستوري التونسي إضافة إلى حزب الاستقلال المغربي والثورة الجزائرية". 

وأشار إلى أنه مع تأسس الدولة "ساد توجه نحو الحزب الواحد وقص أجنحة الحركات السياسية"، إلا أن أجنحة تلك الحركات كانت "أكبر من المقص". 

وأورد أن من أهم تلك الأحزاب "حزب الشعب" الذي كان ممتزجا مع الحكومة الأولى في البلاد على عهد المؤسس المختار ولد داداه، كما أشار إلى حزب "هياكل تهذيب الجماهير" الذي كان على عهد الرئيس الأسبق محمد خونا ولد هيدالة الذي أطاح به معاوية ولد الطايع في انقلاب عام 1984. 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

الشريف
الشريف بن سعيدي

ما أكثر المؤامرات الداخلية التي سعت لاختراق الثورة الجزائرية وتفجيرها داخليا، غير أنها باءت بالفشل بعدما اكتشفتها قيادة الثورة وأجهضتها، بل وحوّلتها إلى نصر على المحتلّ الفرنسي.

وتعتبر مؤامرة الشريف بن سعيدي، وهو ضابط جزائري كان في الجيش الفرنسي واخترق ثورة التحرير واغتال بعض قادتها، واحدة من تلك المؤامرات.

فمن يكون الشريف بن سعيدي؟ وماذا فعل؟ وكيف اكتشفته الثورة وماذا فعلت له؟

ضابط بالجيش الفرنسي

وُلد الشريف بن سعيدي سنة 1925 بمنطقة شلالة العذاورة بولاية المدية وسط البلاد.

انضم بن سعيدي إلى الجيش الفرنسي سنة 1946 أي قبل انطلاق ثورة التحرير (نوفمبر 1954)، وكان قوي البنية، قاتل في الحرب الهندوصينية الأولى عام 1956 مع الفرنسيين.

في أغسطس 1956 انعقد مؤتمر الصومام بمنطقة بجاية وسط الجزائر، وقررت قيادة الثورة ضخ دماء جديدة بالبحث عن أكفأ العناصر وتسليمها مناصب قيادية.

كان الشاب علي ملاّح واحدا من القيادات الشابة الجديدة، عُيّن على رأس الولاية السادسة وتضم أجزاء من ولايات المدية والمسيلة والجلفة حاليا نزولا إلى الصحراء كلها. 

الانضمام إلى الثوار

شرع ملاّح في البحث عن قادة ومقاتلين لتطوير أداء الثوار، فاغتنم فرصة وجود الشريف بن سعيدي في إجازة بمسقط رأسه فاتصل به وعرض عليه الالتحاق بجيش التحرير الوطني فوافق الأخير فورا.

يصف القائد السابق للولاية الرابعة العقيد لخضر بورقعة، الشريف بن سعيدي في كتابه "شاهد على اغتيال الثورة" قائلا "إنه شخص دون ماض تاريخي، بل هو مجرد مجند في القوات الفرنسية، منذ فجر شبابه تعلم فن القتل ورذيلة الخضوع الأعمى لأوامر المستعمر.." 

كان هذا سنة 1956 وقد بلغ بن الشريف حينها 31 سنة، فتدرّج في المسؤوليات إلى أن بات قائد كتيبة.

في سنة 1957 واجه الثوار قوات فرنسية و"جيش بلونيس" العميل لفرنسا، فسقط أكثر من 80 مقاوما بين أسير وقتيل، وهنا شبّ خلاف بين بن سعيدي وقائده جفال أحمد حول سبب ما حدث، ورغم أن قيادة الثورة احتوت الخلاف فإن الأمر لن يتوقف هنا..

بداية الخيانة

في شتاء 1957 أعلمت قيادة الثورة قائد الولاية السادسة علي ملاح بوجود شحنة أسلحة قادمة من المغرب نحو الولاية السادسة، فجهّز ثلاث كتائب لاستلامها.

كان على رأس إحدى الكتائب الشريف بن سعيدي، فانطلقت الكتائب شهر مارس وقد تمكنت إحداها من الوصول إلى منطقة استلام الشحنة، فيما تعرضت الكتيبة الثانية لكمين بينما لم تتمكن كتيبة بن سعيدي من الوصول.

أرسل بن سعيدي رسالة إلى قائد الولاية السادسة يخبره فيها بصعوبة المهمة بسبب التضاريس والكمائن، لكن العقيد ملاح أمره بمواصلة المهمة مهما كلف الثمن، وتوعده بالإعدام إن عصى أوامره. 

اغتيال الثوار

لم يأبه بن سعيدي بأمر قائده وقفل راجعا إلى الولاية السادسة، وفي الطريق أقنع العديد من أفراد كتيبته بالتمرد وهو ما تمّ فعلا.

في شهر أبريل من سنة 1957 شن بن سعيدي هجوما على رجال الولاية السادسة، فقتل قائدا يدعى أحمد الشافعي في كمين، وواصل خيانته فقتل عبد الرحمان جوادي، سي بلعيد وسي حسن وكلهم قادة.

وفي 31 ماي من السنة ذاتها نصب كمينا لقائد الولاية السادسة العقيد علي ملاح وتمكن من قتله، بعدما راسله وطلب منه التوصل لاتفاق لوضع السلاح والعودة إلى صفوف الثورة ولكنه غدر به.

تقول أستاذة التاريخ بجامعة تلمسان (غرب) سعاد يمينة شبوط في دراسة لها بعنوان "استراتجية جيش التحرير الوطني في مواجهة الحركات المضادة للثورة التحريرية بالولاية الرابعة 1955-1962 (حركة الشريف بن سعيدي أنموذجا)"، إن بن سعيدي "شكل خطرا حقيقيا على الثورة، عندما كان يقوم بتصفياته الغادرة لرفاقه في جيش التحرير".

فرار بن سعيدي

تحركت قيادة الثورة بعد هذه الأحداث للقضاء على الخائن بن سعيدي، فتوجّه قائد الولاية الرابعة سي أمحمد بوقرة لمحاصرة الخونة، ولكنهم تمكنوا من اكتشاف الأمر ولجأوا إلى الجيش الفرنسي فرحّب بهم.

منحت السلطات الاستعمارية بن سعيدي رتبة عقيد ودعمته بالمال والسلاح، وكوّن جيشا من حوالي 850 رجل.

يقول العقيد لخضر بورقعة عن هذه الخيانة "أعلن بن سعيدي عداءه الصريح للثورة وانضم للجيش الفرنسي، الذي أغدق عليه وموّل عشيرته وأتباعه بأسلحة حديثة وأموال طائلة، ومنحوه هو رتبة عقيد في الجيش الفرنسي كما منحوا بلونيس رتبة عميد".

ويضيف "ومنذ ذلك الحين أصبحا يهيمنان بدعم من العدو على منطقة واسعة تربط الشمال بالجنوب تقدر مساحتها بـ1500 كلم مربع، وعلى أرضها دارت معارك طاحنة وسالت دماء غزيرة وسقطت ضحايا عديدة".

تحالف بن سعيدي مع "جيش بلونيس" لتصفية قادة "جيش التحرير الوطني" والوشاية بهم، وكلّفت قيادة الثورة الرائد علي خوجة بتشديد الخناق عليه وتصفيته.

تكبّد جيش بن سعيدي خسائر كبيرة ما جعل الفرنسيين يقطعون عنه الدعم بالمال والسلاح فبدأ يتلاشى، وفي مثل هذا الشهر يونيو 1962، أي قبل الاستقلال بأيام معدودة، فر بن سعيدي إلى فرنسا وواصل العمل في جيشها ضابطا حتى توفّي سنة 1970.

وتذكر الأكاديمية الجزائرية سعاد يمينة شبوط، بأن المصادر الجزائرية والفرنسية اختلفت في تحديد عدد ضحايا بن سعيدي، وتقول في هذا الصدد "تختلف الكتابات الجزائرية والفرنسية كثيرا في تقدير العدد الحقيقي للخسائر التي تكبدتها الولاية السادسة من جراء قضية العميل بن سعيدي، إذ تتراوح ما بين 300 و600 و1000 جندي وضابط وإطار".

المصدر: أصوات مغاربية