Picture released on October 3, 1958 of French General Charles de Gaulle meeting Algerians during his visit to Orleansville, now called Chlef, Algeria.
من زيارة الجنرال ديغول إلى الجزائر عام 1958

في مثل هذا التاريخ، وتحديدا يوم 4 يونيو 1958، زار الجنرال ديغول الجزائر بصفته رئيسا للحكومة الفرنسية، وخاطب الداعمين لتبعية الجزائر لفرنسا من المعمرين بعبارته الشهيرة "فهمتكم"، في حدث يثير تفسيرات متبانية.

فقد اختلف معظم المؤرخين بشأن ما كان يقصده الجنرال ديغول بقوله، بين من اعتبر الكلام توجها نحو تكريس "فرنسية الجزائر" وبين من قال إنه كان إعلانا عن "التخلي عنها" وبداية نحو الاستقلال.

"الجزائر فئة واحدة"

بعد تنصيبه رئيسا لمجلس الوزراء في 1 يونيو 1958، زار الجنرال ديغول الجزائر في عز الثورة التي اندلعت في 1 نوفمبر 1954.

ويصف المؤرخ الجزائري، محمد لمين بلغيث، لـ"أصوات مغاربية" تلك الفترة بأنها "كانت مرحلة الانقلابيين"، مشيرا إلى التيار الذي يقوده عسكريون من الجيش الفرنسي من مختلف المستويات، ومعمرين يرفضون التنازل عن الجزائر "مهما كان الثمن".

في هذه الظروف التي اتسمت بالتشنج بسبب تصاعد لهيب الثورة الجزائرية، خاطب الجنرال ديغول حشدا كبيرا من المعمرين والعسكريين في الجزائر العاصمة، قائلا "فهمتكم"، مضيفا "من هذا كله، أقولها من اليوم وباسم فرنسا، بأن (فرنسا) تعتبر السكان في الجزائر فئة واحدة"، حسب ما نقلته "المجلة الجزائرية للبحوث والدراسات التاريخية" في عددها الصادر يوم 12 ديسمبر 2020.

وبعد أن وعد ديغول بانتخابات (جرت في أواخر 1958 وانتخب فيها رئيسا لفرنسا وجرى تنصيبه في يناير 1959)، يشارك فيها الجميع، أضاف قائلا "وهل يمكن أن يشارك في هذا التحول الذين أعلنوا الحرب بسبب فقدهم الأمل؟ نعم أنا ديغول أفتح لهم أبواب المصالحة" في إشارة إلى المقاومين الجزائريين". 

"مصلحة فرنسا أولا"

شكلت عبارة "فهمتكم" التي قالها الجنرال ديغول أمام المعمرين في الجزائر العاصمة مادة دسمة للمؤرخين.

ويرى أستاذ التاريخ بجامعة الجزائر، السعيد شيكدان، أن ديغول استعملها "للتلاعب بعقول المعمرين الذين أراد التخلص بطريقته من إلحاحهم على التمسك بالجزائر فرنسية، بينما كان ديغول يرى أن مصلحة فرنسا أولا، وإن دعت هذه المصلحة للتخلي عن الجزائر فإنه لن يتأخر عن ذلك".

ويرى شيكدان، في حديثه لـ"أصوات مغاربية"، أن أسلوب ديغول في مخاطبة الجماهير يعتمد على إلقاء "العبارات الثقيلة"، مضيفا أنه "كان يعي جيدا حجم الثقل الذي بات يشكله لوبي المعمرين في الجزائر وتأثيره على العديد من قيادات الجيش الفرنسي".

وحسب المتحدث فإن الجنرال ديغول قال عبارته الشهيرة "لذر الغبار في عيون المعمرين بينما فعل العكس تماما عندما عمل على التفاوض مع الثورة"، مؤكدا أن الجنرال الفرنسي وصل إلى "قناعة بأن بقاء فرنسا في الجزائر يشكل خطرا عليها".

ويصف المتحدث ديغول بـ"السياسي العسكري البراغماتي" وأنه كان مزيجا بين الفكر السياسي والعسكري، معتبرا أن "هذا الخليط جعله منفردا ومتميزا عن بقية جنرالات الجيش الفرنسي".

الطريق نحو المفاوضات

أما المؤرخ الجزائري محمد لمين بلغيث فيرى أن عبارة "فهمتكم" كانت بالنسبة للجنرال ديغول امتدادا لما يراه فيه غالبية الفرنسيين بـ"منقذ فرنسا"، مشيرا إلى أنه "حاول فك الضغط أو العبء الذي شكله الأقدام السوداء (المعمرون) على الحكومة الفرنسية".

ويضيف المتحدث أن ديغول استغل "تقديس" الفرنسيين له، لطرح "عبارة غامضة" اعتقد جزائريون في ذلك الوقت أنها كانت تخصهم، وأنها "وعد بالاستقلال"، بينما اعتبرها معمرون أنها تتعلق "برسالة فهم وتوافق معهم"، وفي الحقيقة، يضيف المتحدث، كانت مدخلا للتخلص من المعمرين، قائلا إن "ديغول فعل بعد ذلك المستحيل إما للقضاء على الثورة أو التخلص من المعمرين، وعندما رأى أنه من مصلحة فرنسا التخلي عن الجزائر تحت ضغط الثورة، وما كبدته لفرنسا من خسائر اتخذ قراره بذلك".

ويشير بلغيث إلى المسار الذي سلكه الجنرال ديغول بعد ذلك، والذي انتهى بمفاوضات ماراطونية مع جبهة التحرير حول الاستقلال، بإعلان وقف إطلاق النار في 19 مارس 1962، ثم الاستقلال في 4 يوليو من نفس السنة.

 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

مدينة الجزائر العاصمة
جنب من مدينة الجزائر العاصمة عام 1957

في مثل هذا اليوم (24 يونيو) من عام 1830 وقعت معركة "سيدي خالف" بين القوات الفرنسية والقوات المدافعة عن الجزائر العاصمة والتي حاولت منع الفرنسيين من التقدم نحو "دار السلطان".

وتعد تلك المعركة الثالثة من نوعها بعد إنزال الأسطول الفرنسي في سواحل سطاولي (غرب الجزائر) في 14 يونيو 1830 والذي كان مقدمة للاحتلال الذي بدأ في 5 يوليو من نفس السنة إثر استسلام الداي حسين وسقوط العاصمة بيد الفرنسيين.

"استيلاء تدريجي"

في حديثه عن الظروف التي سبقت تلك المعركة، يقول الباحث في تاريخ الجزائر بجامعة إكستر البريطانية، حسني قيطوني، إن الفرنسيين "كانوا قد أعدوا خططهم بإحكام للاستيلاء التدريجي على أهم معاقل المقاومة التي كانت تفتقد للتنظيم التسلسلي في القيادة".

وتبعا لذلك "لم تعرف المقاومة الشعبية جهودا موحدة، رغم توافد المدافعين عن العاصمة من بايلك الشرق والغرب والوسط ومن دار السلطان التي كانت تعتبر القلعة الحصينة والمقر الرئيسي للداي حسين بقلب العاصمة"، يضيف قيطوني في حديث مع "أصوات مغاربية"، مشيرا إلى أن "سقوط دار السلطان كان يعني سقوط الجزائر واستسلامها".

وعن تفاصيل المعركة، يوضح قيطوني أن "المواجهة بدأت يوم 24 يونيو 1830 في منطقة سيدي خالف المسماة حاليا بالشراقة، بين المقاومة الشعبية والجنود الانكشاريين التابعين للداي من جهة والجيش الفرنسي برئاسة قائد الحملة الفرنسية على الجزائر المارشال لويس دي بورمن، من جهة ثانية" مردفا أنه "رغم خسائرهم تمكن الفرنسيون من الزحف والانتصار في هذه المعركة بالتقدم نحو دار السلطان".

"أخطاء عسكرية"

من جانبه، وفي حديثه عن أسباب هزيمة القوات المدافعة عن الجزائر العاصمة، يقول أستاذ التاريخ الجزائري، عباس كحول إن ذلك كان "نتيجة تراكمات من الأخطاء العسكرية"، وبينها "عدم مواجهة القوات الفرنسية وتأجيل ذلك إلى غاية نزولها برا بسيدي فرج، وقرار الداي حسين عزل القائد المتمرس الأغا يحيى وتعويضه بصهره إبراهيم آغا الذي كان يفتقد للخبرة العسكرية، ثم تهميش دور المقاومين الجزائريين والقوات التي جاءت لتدعم المعارك".

ويضيف كحول في حديث مع "أصوات مغاربية" أن "هذه الأخطاء ساهمت في إضعاف القوات المكلفة بالدفاع عن الجزائر العاصمة في ثلاث معارك على الأقل، وزادت من حجم الخسائر، وعززت مواقع تقدم القوات الاستعمارية التي كانت تجتاح حصون العاصمة الواحد تلو الآخر". 

ويتابع المتحدث ذاته موضحا أن "الداي حسين حاول تدارك الخطأ الذي وقع فيه بتعيين صهره قائدا لقوات الدفاع عن العاصمة، وعين خلال تلك الفترة من المعارك العالم محمد بن محمود المعروف بابن العنابي للقيادة الروحية للمقاومة الشعبية، إلا أن الوقت كان متأخرا جدا عن تدارك الهزيمة التي سمحت للفرنسيين بالاقتراب أكثر من دار السلطان".

  • المصدر: أصوات مغاربية