منتسبون إلى "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" في وقفة بالجزائر العاصمة مطلع عام 1992

في مثل هذا اليوم (7 يونيو) من سنة 1991 توصلت الحكومة الجزائرية إلى اتفاق مع مسؤولي "الجبهة الإسلامية للإنقاذ"، المعروفة اختصارا بـ "الفيس"، لتوقيف العصيان المدني الذي أعلنه هذا الحزب، وقتها، احتجاجا على تعديل قانون الانتخابات.

وشكلت تلك الأحداث الشرارة الأولى لصدام السلطة مع الإسلاميين قبل أن تتطور الأمور إلى انزلاق أمني عانت منه البلاد طيلة أزيد من 10 سنوات تسبب في آلاف القتلى وخسائر مالية قدرت بملايين الدولارات، فما الذي وقع وقتها؟ وكيف اشتعلت نيران الإرهاب في الجزائر آنذاك؟

تجربة الديمقراطية..

إلى غاية صيف 1988، تميز وضع الجزائر باستقرار أمني وسياسي هندسه نظام الحزب الواحد الذي لم يكن يسمح بنهوض أي تيار معارض لتوجهاته وخياراته، قبل أن تندلع انتفاضة 8 أكتوبر من نفس السنة، عندما خرج المواطنون للشارع يطالبون بالحريات وتكريس الديمقراطية، ما أدى إلى قيام أزيد من 60 حزبا سياسيا جديدا بعد اعتماد دستور 1989.

آثار أعمال عنف في أحد شوارع الجزائر أواخر ثمانينيات القرن الماضي

ومن ضمن جميع تلك التشكيلات السياسية الجديدة صنعت "الجبهة الإسلامية للإنقاذ"، ممثل التيار الإسلامي الراديكالي في الجزائر، مفاجأة في الساحة المحلية بسبب انتشارها الكبير وتغلغها السريع وسط شرائع واسعة من المواطنين.

لكن المفأجاة الكبرى لهذا الحزب كانت في النتائج التي حققها في أول انتخابات محلية تعددية تعرفها الجزائر في 1990، حيث تقدم في أغلب البلديات والمجالس الولائية، بعدما ضمن أزيد من 54 بالمائة من الأصوات، فتمكن من إزاحة جبهة التحرير الوطني (الأفلان) من عرش الجماعات المحلية لأول مرة في تاريخ البلاد.

RUBRIQUE POLITIQUE INTERIEURE قسم السياسة الداخلية La désobéissance civile déclenchée par les partisans du FIS en...

Posted by Manel Moussaoui on Tuesday, January 17, 2023

ولم تهضم أطراف عديدة في الجزائر نتيجة الانتخابات، قبل أن تعلن السلطات في ربيع 1991 عن مشروع يتعلق بتعديل أزيد من 20 مادة من قانون الانتخابات تحضيرا للاستحقاقات التشريعية المبرمجة في نهاية 1992، الأمر الذي أثار جدلا واسعا وسط الطبقة السياسية في البلاد، خاصة وأن البرلمان كان مشكلا من أغلبية تابعة للأفلان، المنافس الأول للفيس وباقي التشكيلات الأخرى.

التمرد.. والمواجهة

لم يمض الوقت الكثير عن مبادرة الحكومة الجزائرية برئاسة مولود حمروش، حتى سارع "الفيس" إلى حشد قاعدته المشكلة من أزيد من 3 ملايين مناضل للتعبير عن رفضه لهذا التوجه، الذي فسر على أساس أنه "مخطط يهدف إلى تقليل حظوظه في الفوز بالانتخابات التشريعية مثلما وقع في المحليات".

أنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ في تظاهرة في ديسمبر 1991

وبتاريخ 23 ماي 1991 عقدت "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" اجتماعا لمجس الشورى، أعلنت فيه عن الدخول في إضراب عام لقي استجابة كبيرة في أغلب ولايات الوطن، وشكل مفأجاة ثانية للسلطة.

رافق الإضراب، الذي بدأ يوم 25 ماي، سلسلة من المسيرات والتجمعات تشكل أحد أهم الأحداث التي عرفتها الجزائر سنوات التسعينات، قبل أن تقرر السلطات التدخل أمنيا لفك هذه الاعتصامات بتاريخ 4 يونيو، ما تسبب في سقوط قتلى وجرحى، خاصة في ساحة ماي بالجزائر العاصمة، المكان الذي ألف فيه أنصار "الفيس" التجمع يوميا قرابة 10 أيام.

حاولت السلطات التحكم أكثر في الشارع، فأعلن الرئيس الشاذلي بن جديد، وقتها، في 4 يونيو حالة طوارئ لمدة 4 أشهر واشترط عامل استتباب الأمن لرفعها، كما قرر أيضا تعيين سيد أحمد غزالي رئيسا للحكومة خلفا لمولود حمروش.

الاتفاق.. ثم "الجحيم"

ويتاريخ 7 يونيو 1991، أعلنت قيادة "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" عن وقف العصيان المدني بعد توصلها إلى اتفاق مع الحكومة.

لكن سرعان ما عادت الاضطرابات إلى معظم المدن الجزائرية في نهاية شهر يونيو، بعدما اتهم "الفيس" السلطات بالتخلف عن تنفيذ الشروط التي تم الاتفاق عليها.

الجيش الجزائري نزل بثقله خاصة في معاقل الفيس لاحتواء العصيان المدني

ظلت المواجهة السياسية والأمنية مفتوحة بين السلطة في الجزائر والحزب الإسلامي، خاصة بعدما تم اعتقال العديد من قادته البارزين مثل عباسي مدني وعلي بلحاج، قبل أن يأتي "الموعد المشهود" المتعلق بإجراء الانتخابات التشريعية في ديسمبر 1991.

وأحدث "الفيس" مرة أخرى مفاجأة كبيرة بخصوله على أغلبية المقاعد النيابية، وكان من المفروض أن يجري الدور الثاني لهذه الاستحقاقات في شهر يناير 1992، إلا أن السلطات قررت توقيف المسار الانتخابي.

في نفس الظروف أيضا، أعلن الرئيس الشاذلي بن جديد استقالته التي زادت من تعقيد الوضع السياسي والأمني في البلاد.

وفي نهاية شهر يناير، انطلقت أولى العمليات المسلحة لمجموعات محسوبة على "الفيس"، فتم اغتيال رجال شرطة في الجزائر العاصمة، قبل أن تتحول العديد من المدن الأخرى إلى مسارح لعمليات مشابهة تطورت واستمرت أزيد من 10 سنوات.

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

الرئيس الأسبق أحمد بن بلة (يسار) رفقة العقيد هواري بومدين
الرئيس الأسبق أحمد بن بلة (يسار) رفقة العقيد هواري بومدين

في مثل هذا اليوم (19 يونيو) من عام 1965، شهدت الجزائر انقلاباً عسكرياً أطاح بنظام الرئيس أحمد بن بلة، أول رئيس للجزائر بعد الاستقلال، والذي تولى السلطة في 15 أكتوبر 1963. 

ومنذ السنوات الأولى للاستقلال، خضعت المنطقة المغاربية لموجة من التغييرات السياسية، اتّخذ بعضها شكل انقلابات عسكرية دامية، بينما سلك البعض الآخر مسارا أكثر سلمية.

وقد استمرت الانقلابات بالمنطقة حتى عام 2008، حيث جرى آخر انقلاب غير دموي على أول رئيس مدني في تاريخ موريتانيا الحديث.

وفي ما يلي أبرز الانقلابات غير الدموية: 

انقلاب بعنوان "التصحيح الثوري"

نجح وزير الدفاع بحكومة الاستقلال ونائب رئيس المجلس الثوري هواري بومدين في إقناع كبار قادة أركان الجيش بضرورة تنحية أحمد بن بلة (1916-2012)، بعد شهر من التحضيرات الدقيقة.

تولى الطاهر زبيري، قائد الأركان، أمر اعتقال بن بلة في ليلة 18 إلى 19 يونيو 1965، فأعلن بومدين الانقلاب غير الدموي على موجات الراديو والتلفزيون، مبررا ذلك بـ "خروج" الرئيس عن نهج الثورة واستئثاره بالسلطة.

وجرى الانقلاب على بعد أيام قليلة من انعقاد المؤتمر الثاني لحركة عدم الانحياز في الجزائر.

تولّى بومدين الحكم بعد الانقلاب، لكنه تعرّض أيضا لمحاولة انقلابية خطط لها ونفذها قائد أركان الجيش الطاهر زبيري، وكانت في ديسمبر 1967.

فشل انقلاب زبيري واضطر للهرب خارج البلاد وبقي 13 سنة، ولم يعد إلا بعد وفاة الرئيس بومدين في 1978.

انقلاب بن علي "الدستوري" 

في السابع من نوفمبر 1987، شهدت تونس انقلابا غير دموي أطاح بنظام الرئيس الحبيب بورقيبة، ليُصبح زين العابدين بن علي رئيسا للبلاد إلى عام 2011.

حكم بورقيبة تونس منذ الاستقلال عام 1956، أي ما يقارب 31 عاما، وهي فترة تعرض فيها لانقلاب آخر فاشل تزعمه المقاوم الأزهر الشرايطي، وشارك فيها ضابط بالحرس الوطني.

لكن انقلاب بن علي ضد بورقيبة عام 1987 كان مختلفا عن محاولة الانقلاب الفاشلة لعام 1962 بقيادة الشرايطي، وذلك لعدة أسباب، أبرزها أن بورقيبة كان يبلغ من العمر 87 عاما، ما أثار تساؤلات حول قدرته على الاستمرار في الحكم.

وقد استند بن علي إلى الفصل 57 من الدستور التونسي، الذي ينص على تولي رئيس الوزراء رئاسة الجمهورية في حال عجز أو وفاة الرئيس، لتبرير انقلابه.

الانقلاب ضد معاوية في الجو

بينما اتسمت الانقلابات في دول مغاربية - مثل انقلاب الصخيرات ضد الملك الحسن الثاني في المغرب عام 1971 وانقلاب العقيد معمر القذافي على الملكية في ليبيا عام 1969- بكثرة الضحايا وسفك الدماء، تميزت الانقلابات في موريتانيا بكونها الأقل دموية في المنطقة، رغم أنها رائدة الانقلابات مغاربيا بما لا يقل عن 10 انقلابات.

وقد بدأت الانقلابات العسكرية في موريتانيا عام 1978، عندما أنهى العسكر حكم الرئيس وأب الأمة، المختار ولد داداه، ثم توالت الانقلابات إلى عام 2008.

ويعد أشهر انقلاب موريتاني هو انقلاب الثالث من أغسطس 2005، حينما خرج الرئيس الموريتاني الأسبق، معاوية ولد سيد أحمد الطايع، جواً من موريتانيا نحو السعودية ولم يعد. 

هبطت طائرة معاوية بالأراضي السعودية للمشاركة في تشييع العاهل الراحل، فهد بن عبد العزيز. وعندما حاول الرجوع، أغلق رفاقه في السلاح وفي انقلابات سابقة - وبالتحديد مدير أمنه - الأجواء في وجهه، فحطّت به الطائرة الرئاسية في النيجر في الثالث من أغسطس 2005.

وأطاح العقيد، اعلي ولد محمد فال (1952 -2017) بمعاوية، ثم قام بتشكيل مجلس عسكري تولى مهمة تسيير شؤون الدولة في مرحلة انتقالية قبل تسليم السلطة لحكومة منتخبة في 2007.

وحكم ولد الطايع البلاد لمدة 21 سنة، من 1984 إلى أغسطس 2005، نجا خلالها من محاولتين انقلابيتين "فاشلتين" في عامي 2003 و2004.

آخر انقلاب مغاربي

في 2008، تأزمت علاقات الرئيس حينها، سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله، بكل من قائد أركان الحرس الرئاسي محمد ولد عبد العزيز (الرئيس السابق) وقائد أركان الجيش محمد ولد الغزواني (الرئيس الحالي)، فقرر إقالتهما من منصبيهما.

وفي السادس من أغسطس 2008، قام الجنرالان على الفور بالانقلاب على أول رئيس مدني في تاريخ البلاد، وتشكيل "مجلس الدولة"، الذي سيصبح بوابة الجنرالين نحو كرسي الرئاسة.

بعد الانقلاب، نُقل ولد الشيخ من نواكشوط إلى قريته لمدن في الـ 13 من نوفمبر 2008، وفرضت عليه الإقامة الجبرية، إلى أن تم التوصل إلى اتفاق بالعاصمة السنغالية دكار سمح له بإعلان استقالته في الـ 27 من يونيو 2009 مقابل نيل حريته.

اعتزل ولد الشيخ عبد الله الرئاسة منذ ذلك الحين، ولم يظهر قيد حياته إلا في مناسبات قليلة، كان آخرها رسالة تهنئة إلى الرئيس الموريتاني، محمد ولد الغزواني، بمناسبة توليه الرئاسة صيف 2019.

 

المصدر: أصوات مغاربية