تحلّ، الخميس، الذكرى الـ30 لرحيل العلامة الموريتاني، المختار ولد حامدٌ، الذي يُعد من أبرز الوجوه الثقافية لموريتانيا خلال القرن الماضي واشتهر بكتابة مؤلفات ضخمة تعرف بتاريخ وثقافة هذا البلد المغاربي.
عُرف ولد حامدٌ الملقب بـ"ابن خلدون موريتانيا"، بعلمه الغزير، إذ كتب في التاريخ وأبدع في الشعر وتبحرّ في الدراسات الشرعية والمنطقية، وكان من القامات الفكرية التي طبعت مرحلة الاستعمار وما بعدها في المنطقة المغاربية.
من المحظرة إلى السنغال
ولد المختار ولد حامدٌ في بداية القرن العشرين في منطقة إگيدي التابعة لولاية الترارزة جنوب البلاد، لكن وبسبب غياب الضبط الدقيق لتواريخ الميلاد حينها فإن بعض المصادر ترجع تاريخ ميلاده إلى 1897، وفي بعض الأحيان 1899، بينما تقول وزارة الثقافة الموريتانية إنه رأى النور في 1898.
يتحدر هذا العالم من أسرة ضليعة في العلم والبلاغة والبحث الفقهي والشرعي، إذ كان والده أيضا ضمن أبرز الشخصيات المتبحرة في علوم المنطق والشريعة والفقه الإسلامي.
أبيات للعلامة المؤرخ المختار ولد حامدُُ ( ١٨٩٧-١٩٩٣) يثني فيها على أهل ولاتة بما عاملوه به من حفاوة وما لاحظ عندهم من إقبال على الدين رالتعلم وهي مقتطفة من المقامة الولاتية التي ألفها خلال إحدى زياراته العلمية (٤٩-٥٠-٥٤).رحم الله المؤرخ النسابة العالم الجليل المختار ولد حامدُُ. pic.twitter.com/4MmFeUgGlt
— Ahmed M Ahmedou (@GemaAhmedou) April 14, 2020
وكان لهذا الوسط أثره الشديد على الطفل، فقد حفظ القرآن تجويدا ورسماً في سن مبكرة، قبل أن يلتحق بمحظرة (مدرسة تقليدية) عمه باركلل بن محمذن، حيث أجاد ألفية ابن مالك، وهو متن شعري ضخم يرجع إلى القرن الـ13.
بعدها، يمّم وجهه شطر التعليم النظامي، حيث قضى نحو ثلاث سنوات في مدرسة المذرذرة، التي تأسست إبان الاحتلال الفرنسي (1903 – 1960)، وما تزال معلمة تربوية بارزة في البلاد.
في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، انتقل إلى السنغال المجاورة لممارسة التجارة، وفي العاصمة دكار التقى شخصيات أدبية وفنية من لبنان وسوريا جرّته مرة أخرى إلى العلم والكتابة والتأليف.
العلامة و المؤرخ المختار ولد حامد pic.twitter.com/IHGa5F5ahC
— fatimetou brahim (@fatimetoubrahi3) March 7, 2020
ووفقا لوزارة الثقافة الموريتانية، فقد قابل في المهجر لأول مرة الأديب والشاعر اللبناني محمد يوسف، وبعض الأدباء من جاليات مشرقية وشكلوا هناك فضاء أدبيا وثقافيا، إذ كانوا يسألونه على تاريخ شنقيط وأهلها، قبل أن يقترحوا عليه أن "يُعرف العالم العربي والإسلامي بهذا البلد إشعاعا وحضارة"، ومن هناك نشأت فكرة موسوعته الضخمة، الذي جعلته مرجعا في تاريخ البلاد السياسي والاجتماعي والثقافي.
"موسوعة موريتانيا"
يلقب المختار ولد حامدٌ أيضا بـ"موسوعة موريتانيا"، فقد قضى نحو نصف قرن وهو يدوّن ويوثق تاريخ شنقيط وأحوال أهلها إلى أن ألّف كتابه الضخم والشهير "حياة موريتانيا"، وهي موسوعة تقع في سبعة مجلدات.
بدأ مسار التأليف بعد رجوعه من المهجر في 1949 ليتولى مناصب تربوية وأكاديمية، حيث انتُدب أستاذا لعلوم العربية في مدينة أطار (شمال) ثم أستاذا للتاريخ في معهد بتلميت، الذي كان صرحا ومنارة علمية في البلاد جمعت بين التعليم العصري والتقليدي.
قبل استقلال موريتانيا بنحو عامين، عُين مستشارا ثقافيا وهو المنصب الذي حافظ عليه إبان تأسيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية وخروج الفرنسيين من البلاد عام 1960.
شارك بصياغة أول دستور موريتاني، ثم واصل عمله في الدوائر الحكومية لوزارة الثقافة كباحث وكمستشار، إلى أن تقاعد عن العمل في السبعينات.
وفي هذه الفترة أنهى الكتاب الذي كلفه عشرات السنين من العمل المضني والتنقل في البلاد وخارجها، إذ اعتمد على الأرشيف السنغالي والفرنسي، كما سافر إلى المغرب.
وبحسب معجم الأعلام والمشاهير التابع لوزارة الثقافة الموريتانية، فإن "الجهات الرسمية في المغرب سهلت وصوله إلى الكثير من المخطوطات والأرشيف".
الشيخ مولود ولد عبد العزيز والشيخ المختار ولد حامد
— abdallahi abdallahi (@abdallahidett) February 7, 2020
صورة تذكرني بقول الأعشى:
.. وبات على النار الندى والمحلق pic.twitter.com/0EPSj5StoW
وتضم الموسوعة ثلاثة أقسام عن الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية، بالإضافة إلى معجم اللهجة الزناقية وهي لغة "شبه منقرضة كان السكان الأصليون لموريتانيا يتكلمونها"، ومعاجم أخرى للمؤلفين الشناقطة والنظم الفقهية وأشعار.
في سنة 1982، قرر ولد حامدٌ التوجه إلى المملكة العربية السعودية، حيث قرر قضاء ما تبقى من عمره في المدينة المنورة، وهناك "حظي بإقامة ممنوحة من طرف الملك خالد بن عبد العزيز".
بقي في المدينة المقدسة التي يلقبها المسلمون بـ"طيبة الطيبة" إلى أن توفي في 22 من يونيو 1993، لكنه لم يرحل قبل أن ينجب عالماً بارزا متخصصا في الرياضيات يحيى ولد حامدٌ (1947 - 2011).
المصدر: أصوات مغاربية
