في السنوات الأولى من الاحتلال الفرنسي، تنافست عائلتان كبيرتان شرقيّ الجزائر على التقرب من الفرنسيّين، حتى لا تفقدا نفوذهما وما تحظيان به من سلطة وامتيازات، هما عائلتا بوعكاز وبن قانة.
عملت هاتان العائلتان، مثل غيرهما من العائلات في مناطق أخرى من الجزائر، على تقويض وإفشال أي ثورة على الفرنسيين، من خلال الوشاية بالثوار بل وقتلهم، وخلال ثورة التحرير (نوفمبر 1954) صار يطلق على الذين يتعاونون مع الاحتلال ضد بلادهم لقب "الحركى"، وهي تسمية شعبية تعني الخونة.
قاطع الآذان
تتحدث كتب لباحثين جزائريين في التاريخ بالإضافة إلى الأرشيف الفرنسي عن عائلتي بوعكاز وبن قانة، فتذكر بأن الأخيرة كانت مقّربة من حاكم قسنطينة (شرق) أحمد باي العثماني، ثم انقلبت عليه وصارت حليفة للفرنسيين بعد احتلالهم البلاد العام 1830.
في بداية الأمر حاولت عائلة بوعكاز أن تسبق غريمتها بن قانة بالتقرب من الفرنسيين، لكن التقارير التي وصلت إلى الفرنسيين قالت إن لبوعكاز "اتصالات" بالأمير عبد القادر، الذي كان يخوض حربا ضد الاحتلال بداية من العام 1834، هذه التقارير جعلت الفرنسيين يسقطون بوعكاز من حساباتهم ويقرّبوا إليهم غُرماءَهم من بن قانة.
الباشاغا محمد الصغير ببن قانة هو أخطر فرد في عائلة بن قانة، بالنظر لما اقترفه من جرائم في حق الجزائريين.
يذكر الباحث الجزائري يحي بوعزيز في كتابه "ثورات القرن 19 و20" بأن بن قانة "قام بمهاجمة سي حسان بن عزوز خليفة الأمير عبد القادر في ميزاب عام 1841، وارتكب حماقات شنيعة ضد السكان، فقطع خمسمائة زوج من آذان الناس الذين قتلهم، وأرسلهم إلى الجنرال غالبوَا فأكرمه على هذا الفعل الإجرامي، وسلّم له خمسين ألف فرنك وقلده وسام ضابط الشرف".
الباحث في التاريخ الأستاذ محمدة الصادق مقراني قال أيضا إن "بن قانة ارتكب جرائم عدة في حق المقاومة الجزائرية، أبرزها قطع 900 أذن مجاهد ضد الاستعمار (اختلف في الرقم مع بوعزيز)، وتسليمها لأحد جنرالات فرنسا آنذاك، وقد كافأته السلطات الفرنسية نظير جرائمه المرتكبة بـ15 ميدالية شرفية لم يتحصل عليها أي شخص من قبل، وهذا اعتراف صريح بما قدمه من خدمات جليلة للاستعمار".
"شيوخ العرب"
كانت العائلتان الكبيرتان تتنازعان على لقب "شيوخ العرب"، الذي منحهما سلطة على القبائل في منطقة الزيبان (ولاية بسكرة حاليا)، جنوبي الجزائر، خصوصا خلال فترة الوجود العثماني.
أوّل من لُقب بشيخ العرب هو علي بوعكاز بن صخري سنة 1541، كان حاكما لمنطقة الزيبان، لكن دخول الفرنسيين قلب الأمور على بوعكاز لصالح بن قانة وبالتالي صار "شيوخ العرب" هم بن قانة وبمباركة فرنسية.
وعن عائلة بوعكاز يقول شيخ المؤرّخين الجزائريين أبو القاسم سعد الله في كتابه "الحركة الوطنية الجزائرية 1860-1900"، بانّ هذه العائلة "كانت في صراع دائم مع عائلة بن قانة، وأنتجت هذه العائلات العديد من الزعامات المحلية، التي ساهمت في تحقيق المشروع الاحتلالي في الجزائر، وكل ذلك على حساب الشعب الجزائري".
وقبل سنوات قليلة ثار نقاش حول عائلة بن قانة عندما زارت حفيدته فريال فيرون بن شيكو الجزائر العام 2017، لتروّج لكتاب ألّفته عن سيرة جدها بوعزيز بن قانة بعنوان "سي بوعزيز بن قانة، آخر ملوك الزيبان"، قالت فيه إنّ جدها كان بطلا جزائريا، وأن ما قام به كان أكبر من ثورة الأمير التي دامت ثلاث سنوات فقط".
واستضافت قناة "كنال ألجيري" التابعة للتلفزيون العمومي الكاتبة، وهو ما خلف غضبا كبيرا في الأوساط الثورية والثقافية الجزائرية، واعتبروا ما حدث "تمجيدا للخونة"، وبناء على ذلك تدخّلت وزارة الثقافة ومنعت الترويج للكتاب في الجزائر كلها، وفق تصريحات لوزير الثقافة حينها عزالدين ميهوبي.
المصدر: أصوات مغاربية