كان يصفها البعض بـ"آلة القتل الرحيم"، فيما يقول آخرون إنها "أبشع" وسيلة إعدام تم ابتكارها في تاريخ البشرية، إذ استعملت لقطع رؤوس مئات الأشخاص، بينهم جزائريون.
فقد استعمل المستعمر الفرنسي "المقصلة" كوسيلة لإعدام العديد من المقاومين الجزائريين إبان ثورة التحرير كان أولهم المقاوم أحمد زهانة، المعروف باسم "زبانة" بتاريخ 19 يونيو 1956.
فماهي قصة "المقصلة"؟ وكيف اعتمدها المستعمر الفرنسي كوسيلة لإعدام عشرات المقاومين الجزائريين؟ وكيف انتهى استعمالها؟
من "السّراق".. إلى الملوك
تعد فكرة الإعدام بالمقصلة ابتكارا فرنسيا خالصا اهتدى إليه صناع القرار هناك في أواخر القرن الثامن عشر في سياق الإصلاحات التي طالت منظومة العقوبات القضائية، حيث اقترح طبيب تشريح مشهور يسمى "جوزيف إكناس غيلوتين" عام 1789 فكرة اللجوء إلى قطع رؤوس الخارجين عن القانون باستعمال آلة حديدية بعدما أقنع المسؤولين بأنها "تؤدي إلى القتل الرحيم" بدلا من الطرق الوحشية التي كانت تستعمل في وقت سابق.
شفرة المقصلة التي قتلت ماري أنطوانيت ملكة فرنسا في 16 أكتوبر 1793. pic.twitter.com/Ft6OiKuCmG
— حقائق قديمة (@Hiddenwd) August 4, 2020
وكان أول من طبق عليه هذا الحكم مواطن فرنسي يدعى "نيكولاس بيليتييه"، المتهم بالضلوع في سلسلة من عمليات القتل والسرقة هزت العاصمة الفرنسية باريس، فأدين بحكم الإعدام ليُقطع رأسه عن طريق المقصلة، لاحقا، عام 1792، في ساحة عمومية.
ومن وقتها ظلت "المقصلة" الوسيلة المُثلى عند الفرنسيين لردع كل المتورطين في قضايا الإجرام، لكن شهرتها توسعت خلال فترة "الثورة الفرنسية"، إذ كان الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت، من أشهر الشخصيات التي وضعت المقصلة حدا لحياتها.
ويقول الباحث، ميشال حنا في كتابه "30 طريقة للموت.. تاريخ وسائل الإعدام فى العالم"، "تتكون المقصلة من إطار طويل من الخشب يعلق فى أعلاه نصل معدني ثقيل وحاد، ويزن 40 كيلوغراما، وهناك مكان يسند المحكوم عليه رقبته، وعندها يطلق الجلاد سراح النصل ليهوى من مسافة 2.3 مترا قاطعًا رأس الضحية، ويعتبر وزن النصل وارتفاعه من المواصفات القياسية الثابتة للمقصلة".
رقاب جزائرية.. تحت المقصلة
وفي الجزائر تنوعت أساليب الفرنسيين في ترويع المقاومين والثوار الأوائل الذين حملوا السلاح في وجهها منذ اللحظات الأولى للاستعمار، قبل أن تقرر في منتصف خمسينيات القرن الماضي الاستعانة بفكرة الطبيب "جوزيف إكناس غيلوتين" من أجل وأد مشروع الاستقلال، فقررت استعمال المقصلة لتصفية كل من كانت تصفهم بـ"الفلاقة" و"الخارجين عن القانون".
وكان المقاوم أحمد زبانة أول جزائري يطبق فيه الحكم في سجن "سركاجي" في العاصمة بتاريخ 19 يونيو 1956، وصار منذ ذلك التاريخ يحمل لقب "شهيد المقصلة".
وزبانة هو أحد أبرز المقاومين في الجهة الغربية بالجزائر، قاد عدة عمليات عسكرية قبل اندلاع الثورة، بين ولايتي وهران ومعسكر، ليتم اعتقاله بتاريخ 11 نوفمبر 1954.
أثارت الطريقة التي أُعدم بها المقاوم زبانة غضبا كبيرا وسط الجزائريين، وفي أوساط حقوقية، كما ألهمت قصته العديد من الفنانين والشعراء الذين أنجزوا عنه أعمالا أدبية لاتزال خالدة في ذاكرة الجزائريين، من بينها ما نظمه عنه شاعر الثورة الجزائرية، مفدي زكرياء، حيث يقول في أحد أشعاره، وهو يصور لحظة الإعدام:
اشنقوني، فلست أخشى حِبالاً
واصلبوني، فلستُ أخشى حديدا
وامتثلْ سافرًا محياك جلادي، ولا تلتثمْ، فلستُ حقودا
واقضِ يا موتُ فيَّ ما أنت قاضٍ
أنا راضٍ، إن عاش شعبي سعيدا
أنا إن متُّ، فالجزائر تحيا
حرةً مستقلةً، لن تبيدا
وتجاوز عدد الجزائريين الذين أعدمتهم سلطات الاستعمار الفرنسي عن طريق "المقصلة" إبان ثورة التحرير 200 شخص، فيما بلغ عدد المحكوم عليهم بالإعدام 1500 شخص، بحسب ما جاء في تقرير سابق نشرته صحيفة "الشعب" الجزائرية.
ومن المقاومين الجزائريين الذين أعدمهم المستعمر الفرنسي، باستعمال "المقصلة"، نجد كذلك اللاعب السابق في صفوف نادي مولودية العاصمة بوعلام رحّال.
كان بوعلام رحال عضوا في "جبهة التحرير الوطني"، التي أطلقت شرارة الثورة على الاحتلال في فاتح نوفمبر 1954، وقد قضت سلطات الاستعمار أبإعدامه بعدما زُوِر تاريخ ميلاده إذ لم يكن قد بلغ العشرين من العمر آنذاك.
آخر المعدومين بالمقصلة.. تونسي
استمرت فرنسا في استعمال "المقصلة" في عمليات الإعدام لعدة سنوات بعد ذلك رغم مطالب حقوقيين والعديد من الهيئات في العالم بوقف استخدامها ووقف تطبيق عقوبة الإعدام بشكل عام.
يعد تاريخ 10 سبتمبر 1977 آخر موعد لفرنسا مع تطبيق عقوبة الإعدام واستعمال "المقصلة"، وقد كان آخر من أعدم باستخدام تلك الوسيلة في فرنسا مواطن تونسي يدعى "حميدة الجندوبي"، الذي وجهت إليه تهم تتعلق بالاغتصاب والقتل في حق مواطنة فرنسية تدعى "إليزابيث بوسكيه".
بعد ذلك التاريخ، تعطلت آلة "المقصلة" بهذه الدولة الأوروبية ولم يعد العمل بها مسموحا، لتتم إزالتها بشكل رسمي من قانون العقوبات القضائية الفرنسية، سنة 1981، بتشريع صادر عن البرلمان.
- المصدر: أصوات مغاربية
