Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

 ميشال فوكو
الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو قضى عامين في تونس وهناك ألف كتاب "أركيولوجيا المعرفة"

حلت قبل يومين ذكرى رحيل الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (25 يونيو 1984) الذي عاش في ستينيات القرن الماضي بتونس حيث كان له لقاء خاطف مع الرئيس الحبيب بورقيبة الذي طلب منه تدريس مبادئ التفكير العقلاني (ديكارت) للطلبة، قبل أن يغاد البلاد وسط حديث عن شبهات أخلاقية.

وُلد فوكو لعائلة برجوازية فرنسيّة عام 1926، وبينما توجّه والده وجده إلى الطب، قاوم النزعة المحافظة الملتصقة بالأرض وتوارث الألقاب، ففضل الانسلاخ عن "أدوات الانضباط" التي أرستها التقاليد والمجتمع، واتخذ من علم النفس والترحال المستمر أسلوب حياة. 

تخرج عام 1952 من "المدرسة العليا للأساتذة"، وهي مؤسسة أكاديمية عريقة تخرّج منها كبار الفلاسفة والمفكرين، درّس لفترة قصيرة في جامعة ليل (شمال). وقبل الحصول على شهادة الدكتوراه في عام 1961، تنقّل في العديد من الدول الأوروبية كملحق ثقافي بالسويد أولاً ثم بولندا فألمانيا الغربية. 

خلقت أطروحته "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" جدلا أكاديميا واسعاً ونالت إشادات، لكنها بقيت حبيسة أسوار الجامعات. وفي الواقع، فإن نجم فوكو لم يبدأ في الصعود إلا بعد أن غادر جامعة كليرمونت-فيراند الفرنسية للتدريس بجامعة تونس في 1966.

من تونس.. الانطلاق فلسفيا

خرجت تونس من ربقة الاستعمار الفرنسي في 1956 تحت قيادة الزعيم الحبيب بورقيبة، الذي ألغى الملكية وأعلن الجمهورية وأقر سياسة الحزب الواحد في البلاد. 

عندما وصل فوكو لتونس في 1966، كانت البلاد تعيش تجاذبات أيديولوجية وسياسية، إذ أقدم بورقيبة على تجميد أنشطة الحزب الشيوعي في 1962، وحارب أيضا الإسلاميين، كما فرض رقابة شديدة على الإعلام والحريات المدنية. 

يقول تلميذ ميشال فوكو والمفكر التونسي، فتحي التريكي، حينها إنه وبعض الطلاب من أصدقائه يلتقون "يوميّا مع فوكو في الجامعة وأحيانا في مقهى العالم أو في المكتبات وكان حريصا على معرفة ما نطالعه وما ندرسه"، وكان يطلق عليهم "تسمية "أبناء ماركس وكوكا كولا" فقد كنّا في نظره ليبراليين ندافع عن الحرية في كلّ شيء والحرّيات العامة وفي الآن نفسه ننادي بالثورة البروليتاريّة... لم يكن يعتبر ذلك تناقضا أو انفصاما، بل هو التمشي الحقيقي في زمن الدكتاتوريّة". 

وأضاف أن هذا المفكر الفرنسي "كان كريما مع طلبته يمكث معهم الساعات الطوال لشرح المفاهيم وتأطير قراءاتهم وفهم مشاكلهم. ولم يكن يفعل ذلك مع الطلبة في الجامعات الفرنسيّة... فهو يرى أنّ التونسيين متعطّشون للمعرفة ويطمحون إلى نيلها بكلّ نزاهة وتواضع". 

قضى ميشال فوكو عامين دراسيين (1966/1967 و1967/1968) يلقي الدروس والمحاضرات في الجامعات التونسية، ومنها دروس حول الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، ومؤسس مذهب الظاهريات الفلسفي، الألماني إدموند هوسرل، علاوة على درس في علم النفس، والجماليات وتاريخ الفن.

ويعتقد التريكي أن تونس كان لها الأثر في تغيير شخصية فوكو الأكاديمية، إذ منحته لأول مرة منبرا للتدريس والبحث في الفلسفة وليس في علم النفس وحسب، "فالجامعات الفرنسية قبل شهر ماي 1968 قبلت عضوية ميشيل فوكو في قسم علم النفس ورفضت قبوله في أقسام الفلسفة كما فعلت نفس الشيء مع جاك درّيدا".

وأضاف: "عندما جاء إلى تونس، سُمّي لأول مرة في حياته أستاذا للفلسفة بقسم الفلسفة، فمثّلت الجامعة التونسية بالنسبة إليه انطلاق تجربة ثريّة جديدة، فدرّس الفلسفة الكلاسيكية".

اللقاء مع بورقيبة

وعلاوة على دور الجامعة التونسية في سطوع نجم فوكو في عالم الفلسفة، فقد خاض في المجال السياسي التونسي داعما لطلابه اليساريين ومنافحاً عن حقوق المسحوقين سياسيا والمنبوذين اجتماعيا.

يقول الباحث المصري في الفلسفة، محمود محمد علي، إن "انغماس فوكو في الحياة التونسية سياسيا وثقافيا جعله يعطي مثالا مختلفا عن الصورة النمطية للفيلسوف وذلك بانشغاله باليومي، وليقول لنا إن الفلسفة ليست منقطعة ولا مقطوعة عن الحياة اليومية". 

ورغم أن فوكو فكّ ارتباطه بالفكر الشيوعي، إلا أن الرجل ظل متحالفًا باستمرار مع اليسار السياسي، معتنقًا قضايا مثل حقوق السجناء وحقوق المثليين، بل في بعض الأحيان كان يتعاطف مع الفكر الماركسي.

وعلى سبيل المثال، يقول التريكي "ذات مرّة وبعد أن أتمم درسا حول منزلة الإنسان في الحضارة الغربيّة وعندما كان يغادر القاعة توجهت إليه بالسؤال التالي: «لاحظت أنّك اليوم كنت ماركسيّا في تحليلك» أجابني بقولة لن أنساها: «نحن كلنا ماركسيون حتّى النخاع، لذلك يجب أن نفكّر بطريقة أخرى عوض أن نبقى نجترّ ماركس»". 

ورغم كل ذلك، فقد التقى بالزعيم الراحل بورقيبة في قصر قرطاج، الذي طلب منه تدريس الطلبة التونسيين فلسفة ديكارت، "حتّى يتعلّم الجيل الجديد قواعد التفكير… وقد لبّى فوكو هذا الطلب فدرّسنا خطاب الطريقة وكتاب التأملات لديكارت من خلال قراءة هوسّرل"، يقول التريكي. 

لكن تقارب الفيلسوف والزعيم لم يدم طويلا، فقد ساعد فوكو الطلاب في معاركهم الاحتجاجية والأيديولوجية في مارس 1968.

وعرفت هذه المرحلة سلسلة اعتقالات لقيادات بارزة في حركة برسبكتيف اليسارية والحزب الشيوعي التونسي.

وفي هذه الظروف، يقول التريكي، "حوّل فوكو سكناه في سيدي بوسعيد إلى مقر لاجتماعات الطلبة المناضلين ولممارساتهم وقامت برسبكتيف بنقل الآلة الناسخة التقليديّة إلى دار فوكو فتمت هناك كتابة المناشير وطبعها بل ذهب فوكو إلى أبعد حد في إعانتنا فكان يحمل الطالب حاتم الزغل في سيارته كلّ ليلة في حدود منتصف الليل ليوزّع هذا الأخير المناشير في أنحاء عديدة من مدينة تونس ويبقى فوكو في سيارته يترصّد".

الرحيل الغامض 

ظل سبب رحيل فوكو عن تونس غامضا، إذ هناك من يقول إن دعمه لليساريين وغضب النظام على الشحن الأيديولوجي للطلاب هو السبب، بينما يعتقد آخرون أنه رحل لأسباب أخلاقية مرتبطة بـ"استغلال الأطفال".

وفي 2021، عادت النظرية الأخلاقية لرحيل الفيلسوف عن تونس إلى الوجهة، إذ استضافت قناة فرنسية كاتب المقالات الفرنسي المعروف، جاي سورمان، الذي قدم رواية صادمة عما وصفه بالميولات "الغلمانية" لفوكو، متهما إياه بـ"البيدوفيليا".

ومنذ ذلك الحين، ظهرت أيضا شهادات تتهم الرجل بالاعتداء على الأطفال في هذا البلد المغاربي، بينما أشار آخرون إلى أن السبب وراء ذهابه إلى تونس راجع إلى ميولاته الجنسية، وأنه كان يحظى بـ"حماية غير معلنة" من بورقيبة نفسه.

وعلى كل حال، فإن التونسيين الذين احتكوا بالرجل داخل أروقة الجامعة يدركون هذه الشائعات. 

وبعد وفاته في الـ 25 من يونيو 1984، يقول المفكر التونسي فتحي التريكي أنشأ فريق بحث حول فلسفة فوكو، وقرّر تنظيم ندوة تكريميّة في الجامعة حيث درّس الراحل، "فوجدت رفضا تاما ونهائيا…بتعلّة أنّه كان مثليّا وأخلاقه فاسدة". 

لم يكن فوكو طبعا يخفي ميولاته المثلية، رغم أنه كان يستقبح لفظة "مثلي الجنس"، إذ كان يعتبرها غير بريئة من الوصم الاجتماعي النابع من الحكمة التقليدية والأخلاق البائدة، ولكن قضية استغلاله للأطفال ظلت مثار جدل بين من ينفيها، وبين من يعتبر أن "إله الفلسفة" سقط في المحظور. 

المصدر: أصوات مغاربية

مواضيع ذات صلة

فيتشر

محمد الغنوشي.. قصّة رئيس حكم تونس ليوم واحد بعد ثورة الياسمين

05 أكتوبر 2024

طبقا لأحكام الفصل 56 من الدستور (التونسي) الذي ينص على أنه "في صورة التعذر عن القيام  بمهامه بصفة وقتية لرئيس الجمهورية أن يفوض سلطاته للوزير الأول"، وعلى اعتبار تعذر رئيس الجمهورية عن ممارسة مهامه بصفة وقتية أتولى بداية من الآن ممارستي سلطات رئيس الجمهورية، وأدعو كافة أبناء تونس وبناتها من مختلف الحساسيات السياسية والفكرية ومن كافة الجهات والفئات للتحلي بالروح الوطنية والوحدة".

مثّل هذا المقتطف من الكلمة المقتضبة  التي أدلى بها  الوزير الأول في تونس محمد الغنوشي يوم 14 يناير 2011 فترة قصيرة بعد مغادرة الرئيس زين العابدين بن علي للسلطة، نقلة نوعية في حياة هذا السياسي المخضرم.

مسار الغنوشي كوزير أول يحظى باحترام وتقدير واسع في الأوساط السياسية والاقتصادية ببلده، شهد تغيرا كليا يوم 14 يناير إذا أصبح فيه رئيسا للبلاد ولكن ذلك لم يدم سوى يوم واحد فقط.

فما قصة الرجل، ولماذا استمر ليوم واحد في منصبه وكيف غادر الشأن العام، تاركا وراءه سلسلة طويلة من الأسئلة  الملحة التي تحتاج إجابات.

من هو الغنوشي ؟

ولد الغنوشي في العام  1941 بمحافظة سوسة الساحلية، وهي أيضا مسقط رأس الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، وفيها تلقى تعليمه الابتدائي والثانوي قبل التحول إلى العاصمة تونس لدراسة الاقتصاد.

بدأ حياته في دواليب الإدارة والحكم مبكرا وذلك منذ حقبة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، وذلك من بوابة وزارة التخطيط التي تقلد فيها عدة مناصب من بينها منصب المدير العام فالكاتب العام للوزارة.

ومع قدوم الرئيس بن علي إلى الحكم خلفا لبورقيبة عام 1987 تنقل الغنوشي بين عدد من الوزارات كالتخطيط والمالية والاقتصاد .

وبحلول العام 1999 استطاع الغنوشي كسب ثقة بن علي ليعينه وزيرا أولا، لتنجح تونس في عهده في تحقيق مؤشرات اقتصادية جيدة.

ورغم منصبه المرموق لم يكن الرجل معروفا على نطاق واسع لدى التونسيين بسبب قلة ظهوره الإعلامي.

رئيس ليوم واحد

المنعرج الحاسم في حياة الغنوشي بدأت مع مغادرة بن علي لتونس عام 2011 إثر مواجهات واسعة بين الأمن والمتظاهرين.

ففي يوم 14 يناير أعلن توليه رئاسة البلاد بشكل مؤقت استنادا إلى الفصل 56 من الدستور التونسي الذي ينظم "الشغور المؤقت لرئاسة الجمهورية".

هذا الإعلان،  أثار حفيظة قطاع واسع من التونسيين الساعين آنذاك لإنهاء حقبة بن علي بعد وفاة المئات من المتظاهرين في الاحتجاجات التي شهدتها البلاد.

وأمام هذا الرفض الشعبي لهذا الإجراء، تم صبيحة يوم 15 يناير اللجوء إلى الفصل 57 من الدستور الذي يتحدث عن "شغور دائم" في منصب رئاسة الجمهورية لينتقل الحكم إلى فؤاد المبزع رئيس البرلمان.

وتتالت الأحداث ليتم تكليف الغنوشي بتشكيل حكومة مؤقتة واجهت الكثير من التحديات الأمنية والأزمات الاجتماعية مع تتالي الاعتصامات والإضرابات التي أدخلت اقتصاد البلاد في دوامة عنيفة.

ومع تتالي الأزمات وتواصل الرفض الشعبي للغنوشي، اضطر  الرجل بعد ذلك إلى مغادرة الحياة السياسية.

كيف غادر الحياة السياسية ؟

تحت ضغط عشرات الآلاف من المتظاهرين، اضطر الغنوشي يوم 27 فبراير 2011 إلى الاستقالة من منصبه كرئيس للوزراء واضعا حدا لمسيرة سياسية استمرت لعقود.

وقال الغنوشي  في كلمة حظيت آنذاك بمتابعة واسعة  "قررت الاستقالة من منصبي كوزير أول"، مضيفا "ضميري مرتاح (...) ولست مستعدا لأكون الرجل الذي يتخذ اجراءات ينجم عنها ضحايا".

بعد ذلك توارى الغنوشي عن الأنظار، رافضا التعليق على أحداث سياسية وأمنية على غاية الأهمية مرت بها تونس، وبقي اسمه مطروحا بقوة في وسائل الإعلام كـ"رجل اقتصاد قادر على مساعدة بلاده في الخروج من أزماتها"

المصدر: أصوات مغاربية