Logos

أصوات مغاربية الآن علي موقع الحرة

اضغط. هنا لزيارة موقع الحرة

حنبعل
تمثال حنبعل

لما يزيد عن ألفي عام، ظل المؤرخون يتجرعون المرويات الرومانية عن هزيمة ساحقة للإمبراطورية القرطاجية لشمال أفريقيا على يد الرومان في معركة "زاما"، خلال الحرب البونيقية الثانية بين 218 قبل الميلاد و201 قبل الميلاد.

وتشير تلك المرويات إلى أنه في "زاما" قهر بابليوس كورنيليوس سكيبيو (الملقب بـ"سكيبيو الأفريقي") ألدّ أعدائه وأكثرهم عنادا، الجنرال القرطاجي حَنبَعل، الذي وصل في حملاته العسكرية الأولى إلى أبواب روما.  

كانت قرطاج - وعاصمتها تونس - مهيمنة على معظم مناطق شمال أفريقيا وجنوب إسبانيا، وسواحل كورسيكا وسردينيا. لكن صعود روما دفع القوتين الرئيسيتين في غرب المتوسط إلى معارك شرسة دوّنت السجلات الرومانية تفاصيلها.

ورغم أن التدمير الكامل للتاريخ القرطاجي المكتوب، أثناء تدمير العاصمة قرطاج في 146 قبل الميلاد، جعل الباحثين ينظرون دائما بعين الريبة للمرويات الرومانية، إلا أن البعض يُشكّك أصلا في بعض الأحداث البارزة التي تحولت إلى شبه مُسلمات وعلى رأس ذلك "معركة زاما". 

أين دارت المعركة؟

وفقاً لعالم الآثار والمؤرخ الأميركي، باتريك هانت، فإن معركة زاما وقعت في المنطقة الجغرافية التي تقع حاليا بمدينة "ساقية سيدي يوسف" بالشّمال الغربي لتونس.

ويضيف في مقال منشور في الموسوعة البريطانية أن هذه المعركة "أنهت فعليا قيادة حنبعل للقوات القرطاجية وكذلك فُرص قرطاج في التصدي لروما"، لكنه يعترف أيضا بأن المؤرخ الروماني كورنيليوس نيبوس هو الذي أطلق اسم "زاما" على هذه الأراضي بعد حوالي 150 عاما من المعركة، وهو ما يجعل الأمر مثار خلاف بين المؤرخين. 

ويعتقد هانت أن هذه المعركة تركت "قرطاج بلا حول ولا قوة، إذ قبلت شروط سكيبيو بتنازلها عن إسبانيا لروما، وتسليم معظم سفنها الحربية، ودفع تعويضات مالية لمدة نصف قرن إلى الرومان".

وفي هذه المعركة حصل سكيبيو على لقب "أفريكانوس" (أي الأفريقي) تكريما لانتصاره. 

ولم يُزعج القائد العسكري حنبعل الرومان فحسب، إنما هدد صعود الإمبراطورية الرومانية، وكاد يحتل العاصمة روما.

فقد ذكر المؤرخ الروماني تيتوس ليفيوس، المعروف باسم "ليفي"، القصة الكاملة لكيفية عبور حنبعل (247-183 قبل الميلاد) جبال الألب مع جيش ضخم في مسيرة طويلة لغزو روما.

ويُظهر التوغل العميق لحنبعل داخل الأراضي الرومانية ليس فقط تصميمه العنيد لإخضاع القوة الصاعدة، وإنما أيضا جبروت الحضارة القرطاجية وطموحاتها في منطقة شمال أفريقيا وجنوب أوروبا.

وعلى الرغم من اتهام المرويات الرومانية بالانحياز وتضخيم إنجازات روما بعد هزيمة القرطاجيين، إلا أن ليفي لم يخف إعجابه بالإنجازات العسكرية لحنبعل في رحلته الملحميّة في قلب الأراضي الرومانية.

واعتبر ليفي أن التحديات الرئيسية التي واجهها القرطاجيون هي التضاريس الوعرة والمناخ القاسي والإرهاق الشديد للمقاتلين والحيوانات، خاصة الفيلة التي استقدمها حنبعل من نطاقات مناخية حارة إلى المناخ الإيطالي البارد في حملة دامت أشهرا. 

ورغم أن ليفي ألّف كتابه بعد مرور 150 عاما على مرور هذه الأحداث، إلا أن بعض الباحثين يعتبرونه أكثر موضوعية من مؤرخين آخرين مثل شيشرون، لأنه لم يكن شخصية عامة ذات أجندة سياسية. 

"أكذوبة الألفي عام"

ولئن كان العديد من المؤرخين يشيرون إلى أن بعض الأسانيد والمصنفات الرومانية أساطير تأسيسية للإمبراطورية، إلا أن آخرين يعتقدون أن بعضها ملفق إلى درجة تتناقض مع الآثار والبحث العلمي.

وعلى سبيل المثال، يرى الكاتب التونسي صاحب كتاب "حنبعل التاريخ الحقيقي والتاريخ المزيف"، عبد العزيز بلخوجة، أن المؤرخين الرومان فرضوا سرديتهم وآراءهم على قرطاج وقائدها، وأن معركة زاما "أكذوبة". 

وفي مقابلة أجراها أواخر الشهر الماضي مع مجلة "جون أفريك" الفرنسية، قال إن ما حدث ليس معركة إنما نوعا من "سلام الشجعان"، أي اتفاق يحفظ ماء وجه الجميع، بين "القلة الحاكمة في قرطاج ومجلس الشيوخ الروماني دون إبلاغ حنبعل".

وأضاف "كان السلام مناسباً لكل الأطراف، سواء من الرومان، غير الراغبين في تواجد حنبعل على أراضيهم"، وحكّام قرطاج "المتخوفين" من شعبية حنبعل ولا يريدونه أن يكون منتصرا في حربه ضد الرومان.

وذهب إلى أن الجمهورية القرطاجية - مثل الجمهورية الرومانية – نظام سياسي معادي للشعبوية وشخصيات ذات شهرة كبيرة، وأن عائلة حنبعل المتنفذة كانت تحظى بتقدير كبير نظرا لمآثرهم الحربية واحترامهم الكبير للدستور القرطاجي.

واعتبر الباحث أن هذه الشعبية غير العادية هي التي أقلقت مجلس الشيوخ القرطاجي، ودفعت إلى محاكمة والد حنبعل، الذي كان على وشك الوصول إلى السلطة، وأن نتيجة كل هذه المؤامرات هو توقيع اتفاق سلام مع روما لقطع الطريق على حنبعل وعائلته. 

ويعتقد عبد العزيز بلخوجة أن بوليبيوس، المؤرخ صاحب كتاب "التاريخ العامّ للجمهورية الرومانية" هو من اخترع معركة زاما، مردفا "نعرف على وجه اليقين كل معارك حنبعل ماعدا موقع زاما".

وتابع: "لو انتصر الرومان حقا، لتركوا أثرا، أو نصبا تذكاريا لتمييز هذه الجغرافيا".

  • المصدر: أصوات مغاربية/ مجلة "جون أفريك"/ موقع "الموسوعة البريطانية" 

مواضيع ذات صلة

فيتشر

تستقطب آلاف الزوار.. أجواء فريدة تميز القيروان التونسية في المولد النبوي

15 سبتمبر 2024

توافد عشرات الآلاف من التونسيين، السبت، إلى مدينة القيروان وسط البلاد، حيث تقام سنويا احتفالات بمناسبة المولد النبوي.

وتكتسب مدينة القيروان أهمية تاريخية عند التونسيين، إذ تضم بين أسوارها جامع عقبة بن نافع ومقام أبو زمعة البلوي الذي تحول إلى مزار يتبرك به القادمون من مختلف مدن البلاد.

ما قصة الاحتفالات بالقيروان؟

تشهد جل المدن التونسية احتفالات بالمولد النبوي، غير أن القيروان نجحت في جذب شرائح عدة خصوصا بعد تنظيم مهرجان متخصص في هذه الاحتفالات بها.

ويقول رئيس جمعية "تراثنا" التونسية، زين العابدين بلحارث، في تصريح لـ"أصوات مغاربية"، إن "للقيروان مكانة خاصة في قلوب التونسيين بسبب وجود معالم دينية تاريخية كجامع عقبة بن نافع ومقام أبو زمعة البلوي بها".

ويضيف بلحارث أن "تنظيم مهرجان الاحتفال بالمولد النبوي، الذي تشرف عليه جمعية متخصصة، سمح باستقطاب مئات الآلاف من الزوار لتصبح القيروان الوجهة الأولى للتونسيين خلال هذه المناسبة الدينية".

وعلى امتداد أيام، تقام العديد من الاحتفالات ذات الطابع الروحي والديني في الفضاءات العامة والمعالم التاريخية في المدينة.

ومن بين الاحتفالات الدينية التي تحظى باهتمام واسع خلال هذه المناسبة جلسات المديح النبوي والمقامات والأناشيد الدينية والحفلات الصوفية بالمساجد والفضاءات الثقافية.

كما تستفيد المدينة من توافد مئات الآلاف من الزوار  لإقامة العروض التجارية، وهي متنفس حقيقي للحركة التجارية بهذه المنطقة التي تصنف ضمن قائمة المحافظات الأكثر فقرا بتونس.

معالم رئيسية

تتعدد المعالم الدينية والتاريخية التي يحرص زوار القيروان في هذه المناسبة الدينية على اكتشافها، غير أن أهمها على الإطلاق جامع عقبة نافع الذي تُجمع مختلف الروايات على أن تشييده يعود إلى العام 670 ميلادي.

وبُني عقبة بن نافع هذا الجامع بعد "فتح إفريقية"، الاسم القديم لتونس حاليا، على يد الجيش الذي كان يقوده حينها.

ويعود شكل الجامع وحجمه الحالي إلى عهد الدولة الأغلبية في القرن التاسع قبل أن يتم إدخال العديد من التحسينات وأعمال الصيانة عليه.

كما يعتبر مقام أبو زمعة البلوي ويعرف في تونس باسم مقام "سيدي الصحبي"، واحدا من المعالم البارزة التي يحرص الوافدون على القيروان على زيارتها.

وتم تشييد هذا المعلم تخليدا لذكرى الصحابي "أبي زمعة البلوي" الذي "توفي عام 654 ميلادي على إثر معركة ضد الجيوش البيزنطية قرب عين جلولة وقد دُفن جثمانه بموضع القيروان قبل تأسيسها"، حسب ما تورده وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية (حكومية) على موقعها بالإنترنت.

وتقول الروايات إن "هذا الصّحابي كان يحمل معه شعيرات من الرّسول دُفنت إلى جانبه"، ليتم لاحقا بناء مقام باسمه وذلك أثناء العهد الحفصي، وفي العام 1661 قام حمودة باشا بإضافة مدرسة إلى الضريح الذي أعيد بناؤه.

من احتفالات المولد النبوي الشريف في القيروان 💚🙏

Posted by Nayma Mansour Charmiti on Sunday, September 15, 2024

مكانة هذه المعالم الدينية في وجدان التونسيين لا تحجب الأهمية التاريخية لـ"فسقية الأغالبة" وهي الوحيدة الباقية من بين 15 حوض مائي كان موجودا، وفق ما يذكره المعهد الوطني للتراث (حكومي) على موقعه الإلكتروني.

والفسقية عبارة عن حوضين كبيرين يصل الماء إلى الحوض الأول الصغير فتنكسر حدته وتترسب منه الأتربة والأوساخ ليتدفق الزائد عليه المصفى عبر منفذ مرتفع يصب في الحوض الكبير.

وقد كان الماء يصل إلى البرك من مصادر مختلفة بعضه من جبل الشريشيرة على بعد 36 كيلومتر جنوب القيروان.

شيدت هذه الفسقية في عهد أبي إبراهيم أحمد ابن الأغلب على شكل دائري، إذ يبلغ  شعاع الكبرى 128 مترا  بينما يبلغ شعاع الصغرى 37 مترا.

 

المصدر: أصوات مغاربية